هناك العديد من المواسم التي تحرك الأسواق وترفع الحركة الشرائية فيها، غير أن الأعياد هي ذروة هذه المواسم؛ يشتري الناس فيها كل شيء، وتزدحم المحلات خلالها بأصناف عديدة من البضائع؛ بعضها لا نجده إلا في العيد. هناك بضائع خاصة بعيد الفطر وبضائع أخرى خاصة بعيد الأضحى.

الجميع يترقب العيد؛ الأطفال يعبرون فيه عن بهجتهم، وأصحاب المحلات يرون فيه موسما لزيادة إيراداتهم، وتعويض أي خسارة قد تعرضوا لها في الأشهر السابقة، والمتسوقون كثيرا ما يغضون الطرف عن الأسعار المرتفعة رغبةً في أن يروا بهجة العيد في وجوه أطفالهم وبيوتهم وحاراتهم.

كثيرا ما تكتسب الأعياد في الدول العربية والإسلامية أهميتها من كونها تأتي بعد مناسبتين عظيمتين؛ رمضان في عيد الفطر والحج في عيد الأضحى.

صلةُ الأرحام والزيارات العائلية وتجمعات الأصدقاء تُضفي على مواسم الأعياد بُعدا اجتماعيا وإنسانيا؛ إذ تتحول هذه المناسبات إلى فرصة لتعزيز الترابط الاجتماعي وإحياء العادات والتقاليد التي تُضفي على مواسم الأعياد البهجة التي ينتظرها الجميع؛ ولهذا فإن قُدرَ لأحدنا أن يقضي العيد خارج بلدته فإنه لن يجد فيه نكهة العيد وطعمه وبهجته ودفء التفاصيل الصغيرة التي تصنعها الأعيادُ: في الطرقات التي اعتاد أن يمشي فيها، والهبطات والأسواق التي يذهب إليها، وأصوات التهاني من العائلة والأصدقاء، وروائح الشواء والمشاكيك والأطعمة التقليدية الأخرى التي لا نجد حلاوة طعمها إلا في العيد، والأحاديث التي تدور في تجمعات العائلة والأصدقاء الذين يُزيحون في العيد التزاماتهم بالأعمال والدراسة ليعيدوا اكتشاف سحر العيد وبهجته ودفء العلاقات الاجتماعية.

هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تحرك الأسواق وتشكل ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الأعياد»، ومن غير المستغرب أن نستعد لها قبل العيد بثلاثة أشهر أو أكثر.

ومع التغيرات العديدة على نمط الحياة وارتفاع السلوك الاستهلاكي فإن بهجة العيد لم تعد تقتصر على هبطات العيد، والملابس الجديدة، والحلوى العمانية، والشواء، والمشاكيك ونحوها وإنما ظهرت العديد من الأنشطة الاقتصادية والخدمات الترفيهية والفعاليات المتنوعة التي ترى في الأعياد مواسم جيدة لاستقطاب المستهلكين كما هو حال الحدائق وصالات الألعاب ومجمعات التسوق الكبرى والمطاعم والمقاهي التي تحاول جذب الانتباه إليها، كما أن شركات الطيران ووكالات السفر والسياحة ترى في الأعياد فرصة مهمة لاستقطاب مجموعة أخرى من المستهلكين الذين يرون أن بهجة العيد إنما تكمن في السفر واكتشاف كيف يكون العيد في دول عربية وإسلامية عديدة لها تقاليدها الخاصة في استقبال العيد والاحتفاء به.

عندما نمعن النظر في مكونات «اقتصاد الأعياد» نجد أنه يكاد يشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية، ويسهم في تنشيط قطاعات البيع بالتجزئة والمقاهي والمطاعم والفنادق وشركات الطيران، ويؤدي إلى ارتفاع الطلب على العديد من البضائع والمنتجات بدءا من الملابس والهدايا والحلويات والأضاحي مرورا بالأنشطة الترفيهية وباقات السفر والعروض السياحية التي يتم تقديمها للمواطنين والمقيمين والتي أصبحت تشكل جزءا مهما من اقتصاد الأعياد خاصة عندما تكون الإجازة طويلة.

كل هذا يعني أننا أمام اقتصاد يُعيد رسمَ ملامح الأنماط الاستهلاكية وتوجهات الأفراد والأسر خلال واحد من أكثر المواسم نشاطا، وهو ما يؤكد أهمية تعزيز الفعاليات المجتمعية، وتنشيط السياحة الداخلية، وإطلاق المبادرات التجارية التي تراعي الطابع الاجتماعي للأعياد، وتعزز من قيمتها الاقتصادية، وتحوّلها إلى فرص تنموية واقتصادية مستدامة، كما أنه من المهم أيضا أن نلتفت إلى الأسر محدودة الدخل بحيث نعمل على تقليل الضغوط التي تواجهها نتيجة لزيادة أعباء الإنفاق الاستهلاكي في فترة زمنية قصيرة، وسعي الشركات والتجار الأفراد للاستفادة من ارتفاع الطلب على معظم البضائع والخدمات والمنتجات.

وأخيرا فإن «اقتصاد الأعياد» ليس مجرد أرقام ومؤشرات - رغم أهميتها -، وإنما تعبير عن الاحتفاء بالعيد والتقاء المصالح التجارية بالقيم الإنسانية النبيلة التي تمنح الأعياد معناها الحقيقي، وتُبعدنا ولو مؤقتا عن صخب الحياة اليومية والضغوطات المهنية والالتزامات التي لا تنتهي؛ لنعيشَ لحظات أكثر هدوءا ودفئا وطمأنينة.