كتب – عامر بن عبدالله الأنصاري -
كان من حسن حظي أن يقودني مزاجي يومًا من الأيام التي سبقت عيد الأضحى المبارك إلى ولاية مطرح، حيث العراقة تروي تاريخ الولاية المتجذر في القدم بمعالمها الشاهدة على ذلك، والتي تحمل طابعًا من الجمال والفخامة ما يأخذ الذهن إلى خيال عن الماضي وكيف عاش الناس هنا، وكيف ارتبطوا بالبحر في هذه التضاريس الجامعة بين الجبال والبحر والمساحات التي شُيّدت عليها البيوت والمحال التجارية، وشقت فيها الأزقة طرقها بعفوية الطبيعة التي فرضت تلك المسارات الرابطة بين الأحياء.
اخترت أن أجلس في مقهى من المقاهي المطلة على ميناء السلطان قابوس، مادًا بصري وأنا أرتشف قهوتي السوداء نحو زرقة المياه وفلك السلامة المتربعة على الميناء مانحةً المكان جمالًا آخر، وتارة أرجع إلى جهاز الحاسوب لأستكمل عملي، طامعًا بأجواء تضفي على العمل راحة نفسية، ليمر الوقت ويبرد ما تبقى من القهوة وينتهي جزء يسير من العمل، فقررت حينها طي الحاسوب إيذانًا بدفع الحساب ومغادرة المكان، لأبدأ جولة أخرى مشيًا على الأقدام لمسافة قصيرة، وبعدها في السيارة لأحتمي من لهيب شمس النهار مع بدايات وقت العصر.
أعود إلى حسن حظي، فقد جاء اختيار مزاجي في ذلك اليوم لأتجه إلى مطرح وأمشي قليلًا بها، متوافقًا مع فريق عمل تلفزيون سلطنة عمان، الذي اختار "البيت العود" -هذا المنزل العريق والتاريخي المطل على ميناء السلطان قابوس، والذي أُعيد ترميمه وافتتاحه في عام 2025- موقعًا لتصوير عملٍ ما، فأثارني الفضول، ولم أمنع نفسي من التطفل أولًا على جماليات هذا البيت وروعة تفاصيله الخارجية والداخلية، وعلى ما يحدث هناك، مع علمي أن "البيت العود" ملكية خاصة يتطلب زيارته تنسيقًا مسبقًا مع ملاكه، فدخلت مُعرِّفًا بنفسي، فلم أجد من الفريق إلا الترحيب، وعلى رأسهم سليمان الوهيبي الذي أمدني بالمعلومات، وكنّا في موقع لتصوير أغنية لعيد الأضحى المبارك بعنوان "فرحة أهلنا"، وقد عرّفني على مخرج العمل، المبدع سالم بن محمد الحسني، الذي يقود فريقًا من الفنانين والمصورين وفنيي الإضاءة والمكياج، وتسير عذراء الحسني مع كل ذلك لتطبق فكرة المخرج بمهمة فنية تسمى "آرت دايركتر"، ومجموعة من الأطفال بلباسهم التقليدي الذي يوحي بملامح العمل التراثية، كما لمحت الفنانة الشابة صاحبة الصوت الشجي نورة النظيري، لأتأكد أن هذا العمل الرائع "عيدية" تفيض بالجمال من تلفزيون سلطنة عمان وبصوت الفنانة نورة النظيري مقدمة لكل العمانيين، والأغنية من كلمات هديل الغيلاني، وألحان حمود الحرش، وتوزيع وهب الضنكي.
صورة جميلة
بدأ التصوير، وأنا أسمع شارة المخرج، وانطلقت بعدها الأغنية لتؤدي الفنانة نورة النظيري أداءً تمثيليًا رائعًا على شرفة خارجية تطل على الميناء، تارة بأداء تعبيري أمام الكاميرا، وتارة في مشهد تخاطب فيه مجموعة من الأطفال.
ورغم حرارة الأجواء، كان التصوير يجري انطلاقًا من الحب واليقين بأن المجتمع يستحق أن يُقدَّم له عيدية فريدة تضفي على العيد فرحة أخرى.
تقول نورة النظيري لـ"عمان": "خلف المشاهد التي تصل إلى الجمهور بصورة جميلة ومريحة، يقف جهد كبير وتفاصيل كثيرة لا يراها أحد، فالتصوير تحت حرارة الشمس وعلى الشرفات الخارجية وفي ظروف تتطلب حضورًا ذهنيًا وبدنيًا كاملًا، ليس أمرًا سهلًا، فهناك تحديات تتعلق بالإضاءة وطول ساعات العمل والإرهاق الذي يرافق فريق العمل، خاصة حين تأتي ساعات التصوير بعد يوم طويل في الدوام، لكن كل ذلك يصبح جزءًا من الرحلة التي ينبغي التعايش معها من أجل تقديم عمل يليق بالجمهور ويصل إليه بصورة جميلة".
ساد تصوير العمل أجواء عفوية مليئة بالألفة والبراءة، ولا يزال صوت طفل من الأطفال يرن في أذني سائلًا: "متى تصوروني؟". تقول الفنانة نورة: "هذه تعد أول تجربة تجمعني بفريق العمل كاملًا، باستثناء المخرج الذي سبق أن عملت معه، وبصراحة وجدت روحًا جميلة وإبداعًا حاضرًا بين الجميع"، معربة عن أمنيتها بأن ينال العمل إعجاب المشاهدين والمستمعين، وأن يصل إليهم بالصورة التي سعى الجميع إلى تقديمها.
تفاعلت نورة النظيري بكل حب مع الأطفال، شاهدتُ في عينيها وعبر محياها بهجة وهي تتعامل مع الأطفال، وعبرت عن هذا الشعور قائلة: "وجود الأطفال بحد ذاته فرحة، وكان إضافة جميلة للعمل، لأننا نحاول أن نُعيِّش الجمهور واقع الأغنية وأن ننقل لهم أجواء عيد الأضحى كما نعيشها نحن، خاصة حين نمنح العيدية التي تسعد قلوب الأطفال، وتسعد الكبار حين يرون حجم الفرحة في أعين الأطفال".
واسترسلت في وصف كلمات العمل، مشيرة إلى أنها تحمل تفاصيل قريبة من المجتمع العماني وما يرتبط بالعيد من مشاهد وعادات ومشاعر دافئة، حيث تنقل حالة من البهجة ولمّة الأحباب والتنقل بين البيوت وتبادل التهاني، وهي تفاصيل رأت فيها انعكاسًا حقيقيًا للفرحة التي يعيشها الناس في هذه المناسبة.
وأخذها الحديث مع "عُمان" لتنشد أبيات الأغنية التي وجدت فيها كثيرًا من الإحساس والدفء، قائلة:
"العيد لَمّة وضحكة محيا..
وإحساسه دايم بالحب يحيا..
فرحة أهلنا وأصوات ضحكات..
أحباب كلنا وتطيب جمعات".
قبل أن تستكمل في الكوبليه الثاني:
"يا عيدنا جيت..
بالحب هالليت..
زينة وعيادي..
من بيت إلى بيت..
هذي العوايد..
نفرح نعايد..
وأحلى التهاني..
والخير زايد".
غادرت موقع التصوير تاركًا خلفي انطباعًا جميلًا عن فريق يعمل بحب وشغف واضحين، وبعد ذلك وصلني أن رحلة التصوير لم تنتهِ عند اللحظات التي غادرت فيها المكان، وكنت أعتقد أنها ستنتهي بعد ساعتين أو ثلاث، لكن العمل استمرت حتى فجر اليوم التالي، في مشهد يعكس حجم الطاقة والجهد والتفاني الذي بذله فريق العمل، إيمانًا منهم بأن التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع في النهاية فرحة كبيرة تصل إلى الناس في أيام العيد.
توزيع الأغنية
لا بد أن ما وقفت عليه من تفاصيل التصوير كان قد سبقه فريق كامل في استوديو التسجيل الصوتي، جمع إبداع الشاعرة هديل الغيلاني، وروعة ألحان حمود الحرش، ومهارة توزيع وهب الضنكي وغناء نورة النظيري، ليخرج العمل بعد جهد كبير ممزوجا بالحب إلى النور بطابع نابع من قلب "عمان" وإليها، يقول وهب الضنكي: "في التوزيع الموسيقي حاولت صنع هوية مختلفة للعمل، من خلال دمج الإيقاعات بطريقة حديثة وغير معتادة في أعمال العيد العمانية، فاستلهمنا روح الإيقاع العماني لكن بصياغة جديدة ومبتكرة تخدم الجيل الحالي وتعطي العمل شخصية خاصة فيه، استخدمنا طبقات متنوعة من الإيقاعات والآلات الأوركسترالية والمساحات الصوتية الحديثة حتى يطلع العمل بحجم وإحساس أكبر، ويكون قريبًا من الأعمال الموسيقية المعاصرة مع احتفاظه بروحه المحلية".
أيقنت في تجارب سابقة أن قناعة المخرج وبعض أفراد فريق العمل بالنص ليست كافية حتى يخرج العمل بصورة متقنة، بل لا بد أن تصل القناعة إلى الجميع ليبدأ العمل يأخذ مسارًا ممتعًا، وهنا يشير وهب: "الأغنية كانت تجربة مختلفة ومميزة بالنسبة لنا؛ لأن الفكرة من البداية لم تكن مجرد أغنية عيد تقليدية، كنا نحاول أن نصنع عملًا يحمل روح العيد والفرحة لكن بصوت موسيقي حديث وإحساس سينمائي".
ويسترسل الضنكي في حديثه قائلًا: "الكلمات الجميلة للشاعرة هديل الغيلاني فيها مساحة واسعة للإحساس والصورة، وهذا الشيء ساعدنا كثيرًا لنبني عالمًا موسيقيًا غنيًا بالتفاصيل، وألحان الفنان حمود الحرش حملت طابعًا دافئًا وسلسًا يخدم أجواء العيد بشكل جميل جدًا، أما الفنانة نورة النظيري فقدمت الأداء بإحساس راقٍ وعفوي، وكان صوتها عنصرًا مهمًا جدًا في إيصال المشاعر والطاقة التي نبحث عنها، وفي الجانب البصري فإن سالم الحسني قدّم إخراجًا جميلًا وأنيقًا جدًا، واستطاع أن ينقل روح الأغنية وأجواء العيد بصورة معاصرة تحمل إحساس الفرح والبساطة في نفس الوقت، وكان للإخراج دور كبير في إبراز تفاصيل العمل بالشكل الذي يليق به".
واختتم موزع العمل وهب الضنكي حديثه بقوله: "بصراحة، المشاركة في عمل يُعرض عبر تلفزيون سلطنة عمان تعد مسؤولية جميلة وفخرًا كبيرًا بالنسبة لي؛ لأن أعمال العيد دائمًا مرتبطة بذاكرة الناس ومشاعرهم، وأتمنى أن تترك الأغنية أثرًا جميلًا عند الجمهور وتكون من الأعمال التي يعيش الناس إحساسها كل عيد، شكري الكبير لكل فريق العمل ولكل شخص ساهم فيه".