بدموع الفرح، يقف حجاج بيت الله الحرام اليوم على مشعر عرفات الطاهر، بعدما تحقق حلم طال انتظاره لدى الكثير منهم، ونالوا هذه الفرصة العظيمة بعد سنوات من التمني والترقب. وفي هذا المشعر المبارك، يقضي الحجاج نهارهم في العبادة والطاعة، متنقلين بين الصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، حتى غروب الشمس، في مشهد إيماني تفيض فيه القلوب خشوعًا وطمأنينة.
ومن المتفق عليه أن الوقوف بعرفة هو الركن الذي لا يصح الحج بدونه، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة».
لذا كان يوم عرفة هو حلقة الوصل ما بين «الحاج واللاحاج»، وقد وجب وقوف المسلم بهذا المكان الطاهر اقتداء بسنته صلى الله عليه وسلم، وتنفيذًا لأوامره تعالى، لذلك نجد أن عرفات مكان المناجاة للمولى عز وجل سرًّا وجهرًا، ولهذا تجد الحجاج لا يكفون عن التلبية أثناء مكوثهم بعرفات، فتلهج ألسنتهم بالدعاء والتضرع طائعين مستسلمين له سبحانه.
إن حجاج بيت الله الحرام يقفون في هذا اليوم الأغر بعرفات، وقد امتلأت جوارحهم بالإيمان، وفاضت مشاعرهم بعظمة هذا الدين القويم، وتخلت أنفسهم عن ملذات الدنيا وما فيها من ملهيات، وتركوا أهلهم وذويهم وراءهم، رغبة منهم في إتمام ركن عظيم من أركان هذا الدين الحنيف.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا يستشعر الحاج وهو يقف على صعيد جبل الرحمة بعرفات في هذا المشهد الإيماني العظيم؟
في هذا اليوم، نستشعر حال الحاج الذي ترك أرضه وأهله وماله وأطفاله وراءه، وانفصل عن كل ما كان يربطه بأمور دنياه، وأقبل على الله بقلب طائع منيب، يحمل بين جوانحه مشاعر يمتزج فيها «الخوف بالأمل»؛ الخوف من الله تعالى، والأمل في نيل رضاه ومغفرته. فعلى جبل الرحمة تتجلى أبهى صور الخشوع الإيماني، وتظهر معاني التضرع والمناجاة للخالق سبحانه، حين يرفع الحاج يديه نحو السماء داعيًا الله تعالى له ولكل من حمّله أمانة الدعاء بأن يصلح أحوالهم، ويغفر ذنوبهم، ويطهرهم من الخطايا، ويعيدهم إلى أوطانهم وقد شملتهم رحمته ومغفرته. فما أعظمه من رجاء! وما أصدقها من لحظات يستشعر فيها الإنسان عظمة القرب من الله، والفوز برضاه، ونيل ما عنده من خير وثواب عظيم!.
ولذا فإن يوم عرفة يقضيه الحاج منذ وصوله إلى المشعر وحتى وقت النفرة في «الدعاء، والابتهال، والاستغفار، وقراءة القرآن»، فالكل يقف وقفة رجاء وطلب من الله المغفرة والرحمة وقبول الطاعات وتكفير السيئات، كل ذلك يحدث وسط فيض من مشاعر السكينة والطمأنينة التي تغمر قلب الحاج، كون عرفة من أطهر بقاع الأرض، ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة»، لذا يكثر الحاج من دعائه لنفسه ولغيره من عامة المسلمين.
ولو تأملنا جيدًا مشهد حجاج بيت الله الحرام في هذا الموقف المهيب، لوجدنا جملة من الخصائص التي لا تتكرر كثيرًا في أيام العام، ومن بينها حصول «التجرد والمساواة» بين الحجاج، ففي هذا الموقف العظيم تتساوى الأكتاف مع بعضها البعض، وتتوحد القلوب في الطاعة لله، وتلهج الألسن بالتلبية قائلين: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك».
إن يوم عرفة من أعظم أيام الله، تغفر فيه الزلات، وتجاب فيه الدعوات، وهو يوم إكمال الدين الحنيف، وإتمام النعمة على المسلمين، وجعله الله مقدمة ليوم النحر، وقد وردت في فضائله ومآثره والأعمال المشروعة فيه - للحاج ولغير الحاج - أحاديث نبوية عديدة في هذا الشأن.
كما ورد ذكره في القرآن الكريم في قوله تعالى: «فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام».
سيظل يوم عرفة شاهدًا على عظمة هذا الدين، فالكل سواسية يقفون في مكان واحد تجمعهم كلمة التوحيد، ولا تفرقهم الأعراق ولا الألوان، بل هم جميعًا من نسيج هذا الدين العظيم.