في قرية صياء، الرابضة على خاصرة الجبل الأسود بولاية قريات بمحافظة مسقط، تُستقبل العشر الأوائل من ذي الحجة كأنها ميقاتٌ لاستنفار الذاكرة الجمعية وبعث الروح العتيقة في أوصال المكان، فما إن تُطلّ هذه الليالي حتى تتبدل ملامح القرية حيث تتلاقى الألسن بذكر "التهلولة"، ويدعو الأهالي إلى إحيائها ويدفع الآباء أبناءهم والأمهات صغارهن إلى الالتحاق بصفوف المهللين، حتى لكأن القرية بأسرها تدخل في حالةٍ من النفير الوجداني لاستقبال طقسها الأثير.
ومع خفوت الضجيج اليومي تسترد الحارات القديمة نبضها الأول.. خُطى متقاربة تتهادى في الدروب والطرقات بإيقاعٍ فطري، وأصوات متلهفة في نسقٍ جهوري مهيب، يعلو فيه التكبير ثم يخبو قليلاً قبل أن يرتدّ مدوّيًا .. ويتقدم الجمع إمام المسجد ناصر بن خلفان الأخزمي من أهالي القرية حاملاً مكبر الصوت يكبر ويهلل مرددا عبارات التهلولة حيث يقول في مطلعها:
سبحان الله تعوذنا من الشيطان
سبحان الله تسمينا بالرحمن
سبحان الله برب العرش والأركان
سبحان الله توكلنا على الديان
سبحان الله وكبرنا عظيم الشان
سبحان الله وهو الملك المنان
فيما تمتد خلفه صفوف الرجال والصبية والفتيات يرددون تلك العبارات، حتى يخال للسامع أن الجبال المحيطة تستجيب لهذا الابتهال ويبلغ صداه الشعاب وقيعان الأودية وأشجار النخيل.
وفي مشهدٍ غدا جزءًا من الذاكرة البصرية والوجدانية للقرية، يعتلي الأهالي عتبات البيوت والنوافذ، وتتقاطر الجموع إلى الأزقة لمتابعة المهللين وهم يجوبون المسالك القديمة بخطًى متآلفة... أطفال يهرولون بمحاذاة الصفوف، وشباب يوثقون المشهد بعدسات الهواتف، وشيوخ تتكئ أعينهم على أطياف زمنٍ ضارب في القدم... وبرغم اجتياح العالم الرقمي الكثير من تفاصيل الحياة الاجتماعية، ما تزال "صياء" تنحت التاريخ وتعطي ضروبًا نادرة من التمسك بإرثها الروحي، وكأن أبناءها يدركون أن أفول هذه العادة انقطاعٌ لشريانٍ يصلهم بأسلافهم وبالسيرة الأولى للمكان.
هنا.. في هذه القرية الجبلية التي ما تزال تحرس ما تبقى من القسمات الأصيلة للسمت العُماني تبدو "التهلولة" ممارسةً ثقافيةً ضاربة الجذور في الوعي الجمعي، وشاهدا حيا على هويةٍ محلية انفردت بها صياء عن كثيرٍ من القرى التي خبا فيها هذا الموروث أو تلاشى تحت وطأة التحولات المتسارعة.
مشاهد مهيبة
يصف ناصر بن خلفان الأخزمي، الذي يتصدر صفوف المهللين كل ليلة، تلك اللحظات بأنها من أشد المشاهد مهابةً وأعمقها أثرا في النفوس، مشيرا إلى أن ارتداد أصوات التهليل والتكبير بين الجبال يسكب في الأرواح سكينةً مشوبة بالجلال، حتى ليتهيأ للمرء أن عناصر الطبيعة كافة تشارك الأهالي ذكرهم وابتهالهم وتسبيحهم.
ولا يقتصر حضور "التهلولة" على الترديد الجماعي للأذكار، بل يمتد إلى رمزية الطواف بين الحارات والأفلاج والمسالك القديمة، إذ يرى الأهالي أن هذا المسير الليلي أشبه بإيقاظٍ رمزي للمكان بذكر الله، واستدعاء لذاكرة القرية وهيئتها الأولى، فالمهللون لا يمرون في الطرقات مرورا عابرا لكن يتهادى الجمع في خطًى متآلفة، بينما تتعاقب الأصوات بإيقاعٍ تصاعدي أشبه بالتراتيل الموغلة في القدم... يبدأ هامسًا ثم يتنامى شيئًا فشيئًا حتى يفيض على أرجاء القرية روحانية آسرة.
ضرب من الوفاء
يشير حمد بن سليمان المعولي وهو من أهالي القرية إلى أن استمرار "التهلولة" ثمرة لبيئةٍ علمية ودينية عُرفت بها القرية منذ قرون طويلة حيث اشتهرت صياء بكثرة علمائها وطلبة العلم والأوقاف الموقوفة للعلم والعلماء، كما تنفرد بعدة عادات وسمات من ضمنها أوقاف العلم ومساجد العباد حتى غدت القرية فضاءً رحبًا للذكر والفقه والعلم.
ويؤكد المعولي أن "التهلولة" لم تُختزل يومًا في هيئة عادة تراثية جامدة، لكنها ظلت متلبسةً بروح المجتمع ووجدانه الديني، ولذلك بقي الأهالي يتعاملون معها وكأنها ضربا من الوفاء للسيرة الأولى للآباء والأجداد، وصيانةً لملامح الهوية العُمانية الأصيلة من الذوبان.
روح التآزر
أما يحيى بن حمد الناعبي فيصف مشهد التهليل بأنه منظر مهيب تقشعر له الأبدان، ويرى أن تردد أصوات التكبير بين الجبال يكشف عن أصالة أبناء صياء ورسوخهم في جذور المكان، كما أن حرص المهللين على ارتياد الحارات والدروب القديمة يجسد روح التآزر والتعاضد بين الأهالي ويجعل القرية كلها شريكة في هذا المشهد الإيماني المهيب.
ويضيف الناعبي أن "التهلولة" شهدت بعض التحولات الطبيعية التي فرضها تطور الحياة فاتسعت الحارات وتبدلت المسالك ودخلت الوسائل الحديثة في تنظيم الصفوف وإيصال الأصوات، غير أن جوهر "التهلولة" ظل عصيًّا على التبدل، وما تزال الكلمات المتوارثة تتردد بالروح نفسها التي عرفها الأسلاف.
ويستعيد الأهالي صورة الأطفال وهم يتأهبون للمشاركة منذ اللحظات الأولى لقدوم العشر المباركة، يرتدون الزي العُماني ويتجمعون في المسجد قبل انطلاق الصفوف، فيما كان الآباء والأجداد يغرسون حب "التهلولة" في نفوس الناشئة بالمشاركة العملية والتحفيز والتشجيع، حتى غدت هذه العادة جزءًا من التكوين الوجداني لأبناء القرية.
استعادة الحضور
ويرى ناصر بن خلفان الأخزمي أن هذه العادة الاجتماعية إرثٌ روحي واجتماعي جدير بأن يستعيد حضوره في المجتمع العُماني وأن تأخذ هذه العادة حقها من الضوء والانتشار، لما تحمله من معانٍ إيمانية تُعيد للناس صلتهم بالذكر ووحدة الجماعة، كما دعا الأهالي إلى تسليط الضوء على هذا الموروث حتى تبقى أصوات التكبير والتهليل عامرةً في الحارات العُمانية، لا تطمسها ضوضاء العصر ولا تبتلعها هوّة النسيان.