لا شك أنّ القوة الناعمة هي أهمُّ أدوات الدول في التأثير على العالم، دون اللجوء إلى القوة العسكرية أو الضغوط الاقتصادية، وتعتمد على عناصر مثل الثقافة والتعليم والتراث والقيم الإنسانية والدبلوماسية الشعبية والمساعدات الإنسانية، وهي ما يجعل صورة الدولة جذابة ومؤثرة في عيون الآخرين.
والواقع يؤكد أنّ عُمان تمتلك رصيدًا غنيًّا من هذه القوة الناعمة، مثل المؤسسات الثقافية والدينية والجمعيات الخيرية وغيرها، التي يمكن أن تكون أداة لتعزيز صورة سلطنة عمان عالميًّا إذا أُحسن استثمارُها، بوجود استراتيجية واضحة لتوظيفها بما يخدم مصالحها ويعزز مكانتها، وتأتي في المقدمة الجمعيات الخيرية مثل جمعية «الفردوس» و«النور» و«التجارة الرابحة» و«جابر بن زيد» في بوروندي، وغيرها.
وفي مقالي هذا أتناول جمعية الاستقامة الدولية نموذجًا، وهي حاليًّا من أهم القوى العُمانية الناعمة.
إذا كانت الإنجازات العظيمة تبدأ بفكرة بسيطة، فإنّ جمعية الاستقامة بزغت كفكرة عام 1993، وتأسست رسميًّا عام 1995، وأصبحت تغطّي اليوم قطاعًا كبيرًا من الشرق الأفريقي.
بدأت من حلقة صغيرة لتعليم القرآن الكريم لمجموعة من أبناء العُمانيين في زنجبار في المساجد، ثم توسعت تلك الحلقات وانتشرت شيئًا فشيئًا في المساجد القريبة من المدينة الحجرية، إلى أن انتقلت إلى مرحلة أخرى، هي فكرة تأسيس معهد إسلامي.
وخلال زيارتي لزنجبار بصحبة صديقي سيف بن سعود المحروقي، أخذَنا خليل بن ماجد الطيواني - أحد ناشطي الجمعية - إلى معهد الاستقامة في «تونجو». كان في البداية مبنى صغير يتسع لعدد قليل من الطلبة، ثم توسّع فيما بعد حتى صار مدينة تعليمية متكاملة بدءا من مساحة الأرض التي تبلغ تقريبًا 120 هكتارًا.
تجوّلنا في هذه الأرض وشاهدنا ما فيها من مرافق مكتملة الأركان، من جامع وسكن للمعلمين وآخر للطلبة والطالبات ومدرسة نظامية تستوعب قرابة ألف طالب، وشاهدنا المعهد الإسلامي وبيوتًا للضيافة، ومنها البيت الذي اعتاد الشيخ حمود بن حميد الصوافي النزول فيه في زياراته لزنجبار، وأرانا خليل موقع قناة «الاستقامة الفضائية» باللغة السواحلية، وفي المعهد مكتبة كبيرة تضم أكثر من ألف كتاب معظمها باللغة العربية. يتكون المعهد في الوقت الحاضر من أربعة عشر فصلًا دراسيًّا للمرحلتين الابتدائية والثانوية؛ ويدرس الطلاب في قسم الدراسات الإسلامية واللغة العربية عددًا من المناهج، من أهمها اللغة العربية والعلوم الإسلامية، مثل التفسير والحديث والعقيدة والسيرة والفقه وفروعه، وتستمر الدراسة لمدة أربع سنوات يتخرج الطالب بعدها حاصلًا على شهادة الثانوية العامة في الدراسات الإسلامية، ويحصل الأوائل على فرصة تكملة الدراسة الجامعية سواء في سلطنة عُمان أو في الدول العربية والأجنبية الأخرى.
وإضافةً إلى المعهد توجد مدرسة نظامية يلتحق بها الطلاب منذ الصف الأول الابتدائي، يدرسون المقررات الإسلامية واللغتين العربية والإنجليزية، والرياضيات والعلوم والجغرافيا والتربية الوطنية وغيرها من المواد المقررة من وزارة التعليم التنزانية.
ويُعَدُّ المعهد الرافد الأساس لتخريج حملة العلوم الشرعية والعلوم الأخرى في زنجبار، وله دور مشكور في أوساط الناس عامةً وفي أوساط الجالية العُمانية خاصة.
وحقيقة الأمر لقد انبهرْنا بما شاهدْنا، وكنتُ أتساءل: كم يمكن أن تتكلف مدينة علمية كهذه في الدول الخليجية؟ في قرارة نفسي تمنيتُ أن يزور الموقعَ كلُّ العُمانيين الذي قدّموا تبرعاتهم بسخاء لجمعية الاستقامة ليكونوا على يقين بأنّ تبرعاتهم لم تذهب سدى؛ بل الواجب يحتّم بذل المزيد من السخاء.
قُسِّمت المدينة التعليمية إلى قسمين يفصل بينهما شارع؛ قسم للذكور وآخر للإناث. وبعد النجاح الباهر لمعهد الاستقامة تتجه النية لدى القائمين على الجمعية، إلى ترفيعه إلى مستوى جامعة يُطلَق عليها لـ«جامعة الاستقامة».
هذا الطموح المستقبلي قادني لمشاهدة مقطع مصور للدكتور صالح بن سليمان الزهيمي الرئيس التنفيذي لجمعية الاستقامة، تحدّث فيه عن المرحلة القادمة والمستقبلية للجمعية، إذ قال إنّ التركيز سينصبّ على التعليم المتميّز المصاحب للإبداع والابتكار والمتسق مع التوجهات التعلمية عالميًّا؛ لذا فإنّ النية تتجه أيضًا إلى إنشاء مختبرات علمية وتقنية تعلّم الطلبة التدريب المهني لأهميته وجدواه في سد الثغرات الواضحة في المجتمع لمخرجات هذه النوع من التعليم.
وذكّرني هذا المسعى لتجويد التعليم بنجاح الشيخ ناصر بن سعيد الرواحي في تطوير «أكاديمية سمائل لعلوم القرآن» التي يشرف عليها في الجزيرة الخضراء، من مدرسة دينية في البداية إلى «كلية سمائل للعلوم والصناعة»، مع الاحتفاظ بتعليم الدين وعلوم القرآن والعربية للنشء. خلال زيارتي لمعهد الاستقامة في زنجبار، وقبلها لكلية سمائل للعلوم والصناعة في بيمبا، ازددتُ تقديرًا لهذا الجهد النبيل الذي بُذل بصمت وإخلاص؛ فما أنجزته الاستقامة، وما حققه ناصر الرواحي، إلى جانب إسهامات بعض الجمعيات الخيرية العُمانية الأخرى وعدد من الأفراد، يتجاوز في أثره ما حققته حكومات في بقاع مختلفة من العالم. هنا تتجلى بوضوح قوة عُمان الناعمة: قوة تعمل بصبر، وتؤتي ثمارها بتجرّد ونكران ذات، وهي جديرة بأن تحظى بالدعم والمؤازرة من الجميع وعلى مختلف المستويات.
ومن نافلة القول إنّ جمعية الاستقامة ظلت وفية لرسالتها القائمة على بذل المعروف من غير مَنٍّ ولا أذى، وعلى دعوة الناس بالحكمة والرفق، مبتعدة في عملها الميداني والاجتماعي عن كلِّ ما يبعث على الفرقة أو يورث النفور؛ لذلك التف حولها الأخيار والفضلاء، واتسع أثرها على نحو لافت في الواقع.
وكما ذكر لنا خليل الطيواني، فإنّ نسبة الطلبة العُمانيين لا تتجاوز 3% من إجمالي الطلبة، مع أنّ الجمعية أُسست أصلًا للحفاظ على هوية العُمانيين في شرق أفريقيا، غير أنّ رسالتها تجاوزت هذا الإطار، فأنشأت مؤسسات تعليمية ودعوية في أكثر من دولة، خدمةً للإسلام والمسلمين، حتى صارت اليوم ترعى ما يزيد على ثمانين ألف طالب في ثماني دول أفريقية، ضمن منظومة شملت بناء مدن تعليمية تمتد من الروضة إلى الجامعة.
هذه الإنجازات والخدمات الاجتماعية الجليلة لم تُنسِ الجمعية هدفها الأساس، وهو الحفاظ على الدين الإسلامي في بيئةٍ تتعرض فيها الهوية الإسلامية لتحديات متواصلة. ولطالما استوقفتني عبارة قالها لنا ناصر بن سعيد الرواحي: «لولا جهود الاستقامة، لرأينا الصلبان معلقة في البيوت في زنجبار»؛ ففي هذه الكلمات القليلة تكثيف بالغ لجوهر المسألة؛ إذ أسهمت جمعية الاستقامة - عبر حضورها التربوي والدعوي والاجتماعي - في الحد من نشاط التنصير الساعي إلى اقتلاع الهوية الإسلامية في أفريقيا، مستفيدًا من الفقر والجهل والحاجة، ومستثمرًا هشاشة الأوضاع المعيشية لدى الأجيال الجديدة، على نحو يعيد إنتاج ما جرى العمل عليه منذ قرون.
أعادنا خليل الطيواني إلى الفندق، وأنا لا أزال تحت تأثير الدهشة مما رأيت؛ فقد استحضرتُ البدايات الأولى لجمعية الاستقامة، حين كانت تخطو خطواتها المتعثرة كطفل يحبو ويتعلم المشي على الأرض.
يومها بدأت بإمكانات متواضعة للغاية: جمعِ الملابس المستعملة وبعضِ المصاحف التي يتبرع بها المحسنون. وما أكثر المرات التي زرتُ فيها الشيخ زاهر بن خليفة العلوي في مخزنه بوادي عدي في مسقط، وهو مع رفاقه ينكبّون على فرز تلك الملابس وتنظيفها وتوزيعها، مع أنّ كثيرًا منها لم يكن صالحًا للاستعمال الآدمي مرة أخرى.
غير أنّ المثابرة، وصدق النية والإخلاص في العمل، كانت جميعها كفيلة بأن تفتح لهم أبواب القبول، وأن تكتب لهذه البدايات الصغيرة ذلك النجاح الكبير.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.