ترجمة: أحمد شافعي

تحتدم حاليا التوترات في فرنسا حول الموقف من تصاعد معاداة السامية؛ فقد قوبل مشروع قانون مدعوم من الحكومة بشأن هذه المشكلة بإدانة مستحقة باعتبار أنه يمثل هجوما على حرية التعبير قبل أن تجمده الحكومة بهدوء الشهر الماضي.

كانت كاترين يدان عضو الجمعية الوطنية قد تقدمت بالمشروع في عام 2024 بهدف مواجهة «أشكال جديدة من معاداة السامية».

لكن في الوقت الذي أثارت فيه مذكرته التفسيرية مخاوف مشروعة من الارتفاع الحاد في وقائع معاداة السامية المسجلة منذ مجازر حماس في إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، فإن صياغة المشروع انحرفت سريعا إلى هدف مغاير هو تقييد انتقاد إسرائيل.

لا بد أن يكون بالإمكان إدانة الجرائم الكثيرة للغاية ـ والموثقة تماما ـ من جانب إسرائيل، وأن يجري ذلك مرارا دونما خوف من عقوبات.وحرية التعبير في فرنسا تسمح للأفراد بالجهر بأي نوع من المشاعر حيال أي بلد ما لم ينطو ذلك على تحريض على العنف.

لكن الغرض من مشروع يدان بدا واضحا؛ إذ اقترح توسيع نطاق جريمة قائمة هي «تمجيد الإرهاب» بحيث تتسنى معاقبة «التحريض غير المباشر». وطرح مشروع القانون تجريما جديدا لفعل «التحريض على التدمير دولة أو إنكار وجودها».

كان حزب إيمانويل ماكرون قد انتخب يدان في الأصل لتمثيل المواطنين الفرنسيين في الخارج بما في ذلك إسرائيل وفلسطين، لكن يدان ابتعدت عن حركة الرئيس السياسية في العام الماضي بعد أن أعلن اعتراف فرنسا بدولة فلسطينية. وأثار قانونها المقترح مخاوف على مستويات عدة؛ فأولا من شأن استحداث جرائم «غير مباشرة» و«خبيثة»، ثم هي ضمنية ـ باسم جرائم تمجيد الإرهاب أن يرغم المحاكم على استنتاج نوايا الناس،

وهذه مهمة مستحيلة. ومن شأن هذا أيضا -حسبما نبّه قاضي التحقيق السابق في قضايا مكافحة الإرهاب مارك تريفيديك- أن يؤدي إلى «تعسف مطلق»؛ فكيف لأحد أن يثبت ما يقترحه آخر ضمنيا؟

وبالمثل؛ يتعارض منع «التحريض على تدمير دولة أو إنكار وجودها» مع الحق الأساسي في إنهاء الاستعمار. فكيف إذن سيكون التعامل مع الاعتراضات على توسع المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية ـ أو الدعوة إلى إقامة دولة واحدة «ثنائية القومية»؟

بموجب الإطار القانوني المقترح ما الحال بشأن حدود فرنسا نفسها؟ فالأقاليم الفرنسية الخارجية في ما وراء البحار هي عبارة عن مستعمرات سابقة في الكاريبي والمحيط الهادئ والمحيط الهندي، وحركات الاستقلال في هذه المناطق لم تختف. نشر موقع الجمعية الوطنية على الإنترنت بيان اعتراض على مشروع القانون، فجمع سبعمائة ألف توقيع، وحذرت جهات حقوقية من المسار غير الليبرالي الخطير الذي يتخذه القانون المقترح. ورأت رابطة حقوق الإنسان أن نصه يمثل نصه محاولة مزعجة لـ«تحصين دولة إسرائيل من النقد المرتبط بانتهاكاتها الصارخة المتكررة للقانون الدولي». ووجّه خمسة من مقرري حقوق الإنسان الخاصين في الأمم المتحدة رسالة مفتوحة للتعبير عن قلقهم من أن مشروع القانون يهدد «ممارسة الحقوق المصونة، وبخاصة حق حرية التعبير، ومن ضمنها حرية الإعلام». ووجه مكتب المفوضية الوطنية لحقوق الإنسان تحذيرا لأعضاء البرلمان من «مخاطر هذه البنود على حرية التعبير والحرية الأكاديمية بسبب غموضها وافتقارها إلى الدقة». وبرغم رفض الحكومة النظر في البيان الشعبي؛ فقد سحبت فجأة مشروع قانون يدان في اللحظة الأخيرة.

وتلمح الحكومة إلى أنها سوف تأتي بدلا منه بتشريع أعم مناهض للعنصرية. وذهب رئيس الوزراء سيباستيان ليكورنو في خطاب حديث إلى أن معاداة الصهيونية قد أصبحت «قناعا تتخفى فيه معاداة السامية القديمة». ومن البديهي أنه لا يجب التسامح مع معاداة السامية حيثما تظهر سواء في المجتمع أم في المجال السياسي. أما مقترحات يدان فيجب النظر إليها باعتبارها جزءا من نمط أكبر لتجريم المناصرة الفلسطينية تجريما بنيويا. في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر حاول وزير الداخلية الفرنسي حظر مظاهرات التضامن الفلسطيني على أساس أنها «قد تحدث فوضى عامة»، وفشلت مساعيه بعد أن رفض مجلس الدولة الحظر الشامل، لكن ذلك الحكم لم يوقف الاتجاه إلى قمع الحركة.

إذ واجه طلبة الجامعة الذين احتشدوا رفضا لمشروع قانون يدان قمعا عنيفا من الشرطة. وأدان الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان والمنظمة العلمية لمناهضة التعذيب سلوك الشرطة باعتباره «خطوة إضافية مثيرة للقلق في تقييد حرية التعبير والتجمع السلمي في فرنسا».

ولقد تزايدت التحقيقات القضائية في قضايا تمجيد الإرهاب المزعوم منذ 2023 مستهدفة نطاقا عريضا من الأفراد من المؤثرين إلى الرياضيين إلى النشطاء النقابيين، بل إلى أعضاء البرلمان. وقد أشار منبر (أورينت إكس إكس آي) الإعلامي إلى أنه في حين أن بعض من تم التحقيق معهم وصفوا هجمات حماس والجهاد الإسلامي بأعمال المقاومة؛ «فقليلون هم من مجّدوا مجازر السابع من أكتوبر سنة 2023، أو ابتهجوا بموت المدنيين الإسرائيليين».

واتُهمت شخصيات رفيعة المقام من قبيل الأكاديمي فرانسوا بورجات بـ«الدفاع عن الإرهاب» قبل إطلاق سراحه في نهاية المطاف.

كما تعرضت للاعتقال الشهر الماضي عضوة البرلمان الأوروبي الفرنسية الفلسطينية ريما حسن من حزب (فرنسا الأبية) اليساري الراديكالي، وهي من الأصوات البارزة في الدفاع عن فلسطين، واقتادتها الشرطة؛ حيث سئلت عن «تمجيد الإرهاب». وكانت تهمتها المزعومة قائمة على منشور في موقع إكس (أزيل بعد ذلك) تستشهد فيه بقول كوزو أوكاموتو ـ الإرهابي الياباني الذي أدين بالهجوم سنة 1972 على مطار بن جوريون في تل أبيب مما أسفر عن مصرع ستة وعشرين شخصا.

ومن مظاهر الضغط الذي تعرضت له ريما حسن أن خبر اعتقالها تسرب في أثناء التحقيق وظهر في صحيفة (لو باريسيان) مشفوعا بمزاعم كاذبة عن العثور على مخدرات اصطناعية ضمن أغراضها الشخصية.

أسقط التحقيق تهمة المخدرات، لكن بعد أيام من التغطية الإعلامية السلبية. ونشرت (لو باريسيان) بعد ذلك اعترافا بأنها استبقت الأحداث، وأن ادعاء المخدرات لم يكن له أي أساس، ثم تبين من تحقيقات صحيفة ميديابارت الإلكترونية أن هاتف ريما حسن كان تحت مراقبة الشرطة منذ أول السنة دونما علم منها.

وتقول ريما حسن ـ المحامية واللاجئة الفلسطينية السابقة التي ستبدأ محاكمتها في يوليو بتهمة «الدفاع عن الإرهاب» عبر الإنترنت ـ: إنها تعتزم إحالة الأمر إلى مقرر حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة وإلى البرلمان الأوروبي. هذه المبالغة في رد الفعل على العمل السياسي المناصر للفلسطينيين في شأن تصفه جماعات حقوق إنسان بالإبادة الجماعية تثير أسئلة حول المساعي الرامية بوضوح إلى التضييق على أحد أشكال التعبير الأساسية في الديمقراطية.

لقد انتهى مشروع قانون يدان، لكن محض التفكير في البنود التي احتواها أمر تجب دراسته في سياق أوسع يسعى عمدا إلى الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية، ويضيق الحيز المشروع لأي خطاب مناصر للقضية الفلسطينية إن لم يقض عليه تماما.

رقية ديالو صحفية ومخرجة سينمائية وناشطة وكاتبة عمود في صحيفة الجارديان.