1. سيرة الخشب
لم ينسَ الكرسي غريزة الطَّعن في التَّتويج ولا موهبة الرَّفس عند الاغتيال، فصار يبتسم بفتور كلما أصبح عرشًا جديدًا.
2. صلاة الغائب
جاء الويل ساحقًا ماحقًا من حيض البحر الذي طوَّقنا من كل حدب وصوب، بما في ذلك الصحراء البعيدة التي لا شجر فيها ولا ضرع، وكان الثُّبور مصحوبًا برياح عاتية، وسيل عرمرم ترافقه بروق قاصفة، فحلَّ الوباء بنا، وانقصفت الأشجار القصيرة والطويلة عن بكرة أبيها وأمِّها، وغارت ملامح الطرقات، وانهدمت البيوت، وخرجت الجماجم والأجداث من تصدُّعات القبور وجرف اللحود، ونفقت المواشي والقطط والكلاب والضَّفادع وبنات آوى، وهلكنا عن بكرة أبينا، وخلَّدنا التَّاريخ.
3. أعراف
جالسٌ أنا إلى جانبه منذ أن كنت صبيًّا صغيرًا، وحتى أصبحت شابًّا ترك الدراسة قبل أن يُكمل التعليم الجامعي، وصرت بعد وفاة أمّي أساعده في تجارة التُّمور.
عيناي قلقتان، وأنا صامت تمامًا في الاضطرار، والعادة، والخوف الذي صار يتلبَّسني أكثر من أي مرة مضت. وقد كنت أحاول، بما أعرفه جيِّدًا عن سلوكه النَّزق ومزاجه المتقلِّب، فهم سبب سرعته الزائدة وتهوُّره في قيادة الشَّاحنة الصغيرة القديمة ذات نظام الدَّفع الرُّباعي والعجلات الممسوحة بالكامل تقريبًا، خاصة وأن الوقت كان ليلًا، والطَّريق الصَّحراوي غير المضاء وأُحادي المسار قد تراكمت عليه الرِّمال بسبب العواصف العاتية التي هبَّت قويَّة من جهة الغرب في الأيام الفائتة. زِد إلى هذا أن ذلك الطَّريق، حتى ولو لم تكن عليه كُثَيِّبات صغيرة من الرمل، فهو مأهول على طوله وعرضه بتشقُّقات عميقة، وحُفَر صغيرة وكبيرة، وذلك بسبب الانعدام الكامل للصِّيانة والتَّوسعة منذ أن بني قبل سنوات بعيدة. وفوق ذلك فإن قطعان المواشي والجِمال تعبره من جهتي الشرق والغرب لدى مروره بالنَّواحي الزِّراعيَّة والبدويَّة من البلاد، ما أدَّى إلى حوادث بشعة مات وجُرِح فيها كثيرون منذ أن أُنشِئ هذا الدَّرب سيئ السُّمعة قبل سنوات بعيدة. غير أني لا أرغب في نقل مخاوفي وتساؤلاتي إليه ولا أستطيع، فقد خِفْتُ أن يُثير أي حديث لي معه غضبه الجاهز دومًا للاندلاق، وسينتج من ذلك المزيد من التَّشَتُّت في قيادته المضطربة أصلًا. كما أنه -وهذا هو السَّبب الأهم- وعدني، بعد رفض كامل أولًا ثم لأي ثانٍ، بزيارة قبر أمي. وقد كانت تلك الزيارة المُرتَقَبة فوزي الكبير في كل هذه الرحلة المليئة بالمشاق، ولا أريد أن أعرِّض هذا المكسب لأي قول أو سلوك فيه مجازفة.
حين تمكن مصباح شاحنتنا الأيمن، بما يشبه المعجزة تقريبًا -إذ إن الأيسر كان معطوبًا- من التقاط حروف لافتة زرقاء مكتوب عليها اسم قريتنا، زال كثير من خوفي وتوتري، وتنفستُ الصّعداء أخيرًا، فقد أدركت أنه سينعطف ناحية الشرق إلى حيث يقع بيتنا على شاطئ البحر. لكن فاجأني وحيَّرني كثيرًا أنه اختار جهة الغرب للانعطاف، وقد فعل ذلك برعونة، فعاد إليَّ الخوف والتَّوتر، ولم أستَطِع أن أقول أي شيء، بل حاولت تحضير نفسي للقادم الأسوأ.
قاد الشاحنة على الرمال ببطء، بينما كان هناك ضوء بعيد يلوح بين الكثبان البعيدة وأنا أكاد أختنق انتظارًا وخوفًا. وحين وصلنا إلى حيث ذلك الضوء رأيت رجلًا مُسِنًّا أبيض الثوب وطويل اللحية البيضاء. كان هذا مضطجعًا على حصيرة مهترئة يقعي إلى جانبها كوز ماء وقفيرًا مليئًا بالتمر قرب «دلَّة» قهوة نحاسيَّة فوق الجمر. نهض الرجل هاشًّا باشًّا ووضع بين يديه عدة تمرات تأمَّلها على ضوء الجمر المُتَّقد، وسأل بابتسامة فيها تذاكٍ ومواربة: «تُرى، أتعرفان ما نوع هذا التمر»؟!
رفع سبَّابته آمرًا إيايَ بركوب الشاحنة التي أدار محرِّكها قائلًا باقتضابٍ ضَجِر: «أتمنى أن تكون أُمَّك قد طبخت لنا عشاءً شهيًّا في هذه الليلة».
4. فوَّهة المسدس الساخنة
لم يكف أبي يومًا عن إلقاء اللوم عليَّ بسبب فشله أو فشلنا في تجارة الأثاث المستعمل بعد أن غادرنا البلاد قبل حوالي عشر سنوات إلى الولايات المتحدة، على إثر الإخفاق في تجارة التُّمور، وذلك بحثًا عن وضع اقتصاديٍّ أفضل.
قال آمرًا وغاضبًا: «أنت السَّبب في كل شيء! لا يحدث شيء سيئ في هذه الدُّنيا إلا وأنت وراءه! فلنجرب حظَّنا في مدينة أخرى»! استأجرنا شاحنة صغيرة لتقلَّنا إلى تلك المدينة الأخرى التي تكتَّم على ذكرها، ووضعنا فيها أثاثنا وأمتعتنا القليلة.
توقفنا عند محطة للتزود بالوقود، قبل أن نواصل القيادة في الطريق المقفر الذي بدأ الليل يخيِّم عليه. ترجَّلتُ وذهبت إلى دورة المياه التي كان بابها المتهالك بضلفتيه بالكاد يوارب مرحاضًا وجدته في غاية القذارة. ما إن هممت بقضاء حاجتي حتى اندلع صوت رصاص، فخرجت على عجل، ورأيت أحدهم يركض شاهرًا مسدَّسه نحو مكتب المحطة. كان الأمر واضحًا جدًا لي؛ فهذه عمليَّة سطو مُسَلَّح مما يحدث كثيرًا في هذه البلاد، وإن لم أكن أتوقع أن أكون مشمولًا في تفاصيلها إلى هذه الدرجة من القُرب.
عدت بسرعة إلى دورة المياه محاولًا الاختباء قدر الإمكان خلف بابها المتداعي. وبعد برهة من توقف إطلاق النار منحتني ما يكفي من الطمأنينة خرجت لاستطلاع الأمر عن كثب. لكنني ما إن تجاوزتُ منطقة دورة المياه إلى المساحة الصغيرة المطلَّة على مكتب المحطَّة حتى وضع أحدهم فوهة مسدَّسه السَّاخنة وما يخرج منها من رائحة البارود على صدغي مباشرة، وقال بنبرة شامتة ومتشفيَّة بإنجليزية تشوبها لكنة أجنبيَّة غليظة عبر أنفاسه المتقطِّعة: «آه يا هذا! أين كنت؟! هو أنت من أبحث عنه كل هذا الزمن! لقد وجدتك أخيرًا»!
ولم يكن أبي هناك.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني