كلما استعرضت مؤشر الابتكار العالمي لعام ٢٠٢٥، وتنقلت من خلاله عبر القارات تتبدل في ذهني معالم خارطة العالم.

أراها بعين تقيس حجم الابتكار لا مقدار المساحة، فتتسع في تصوري مساحات وتنكمش أخرى، كل بحسب ما يرصده مؤشر الابتكار العالمي. فتتبادى في أطلس الابتكار الذي صنعته مخيلتي، سنغافورة أكبر من حدودها الضيقة.

أما إستونيا فتبدو كاقتصاد شاهق فهي متجاوزة المتوقع منها. وأسمع هذه الخريطة تنطق في خلجاتي بفكرة واضحة: الجغرافيا لم تعد تحدد مكان الدول ولا مكانتها، بل تحددها كفاءة الاستثمار في ممكنات الابتكار، تلك الممكنات الكفيلة بمد الجسر للضفة الأخرى.

وكأن الخارطة تريد أن تقول إن معيار الحاضر والمستقبل هو عدد الأفكار التي عبرت للسوق لتلبي حاجة اجتماعية أو اقتصادية.

في المقال الماضي وقفنا أمام وادي الموت تلك المنطقة التي تمثل الثقب الأسود الذي تختفي الأفكار قي غيابته؛ لا لعيب فيها، بل لجسر لم يكتمل.

وفي مقالنا هذا سنمهد للإبحار في تجارب من عبروا الوادي، ووسعوا حدودهم في «أطلس الابتكار».

يقيس المؤشر العالمي للابتكار قدرة الدول على تحويل المعرفة إلى قيمة. وهو لا يكتفي بتصنيف الدول وترتيبها. بل يكشف عما هو أهم؛ الفجوة بين ما تستثمره الدول في بناء منظومة الابتكار، وما تنتجه من معرفة وتقنية وابداع.

هذه الفجوة ليست مجرد رقم، إنما هي قصة غير مكتملة؛ لذا لا ينبغي النظر إلى مؤشر الابتكار العالمي على أنه مجرد جداول أرقام، بل باعتباره بوصلة يمكن من خلالها استشراف ملامح المستقبل.

يتكون المؤشر من مدخلات تقيس ممكنات الابتكار، ومخرجات تترجم تلك الممكنات إلى ابتكار يعبر للسوق. وتشمل المدخلات خمسة محاور: قوة المؤسسات، ورأس المال البشري، والبنية الأساسية والرقمية، وتطور السوق، ونضج الأعمال.

وتمثل هذه المحاور الأسس التي تهيئ المناخ المناسب للابتكار، وذلك من خلال ما تضعه الدول من سياسات واستثمارات في التعليم والبحث والتطوير والتمويل. أما مخرجات المؤشر فتتناول مخرجات المعرفة والتكنولوجيا مثل براءات الاختراع والصادرات العالية التقنية والنشر العلمي. وذلك إلى جانب المخرجات الإبداعية المتمثلة في العلامات التجارية والتصاميم على سبيل المثال.

الفكرة التي يقوم عليها المؤشر تبدو بديهية الدول التي تستثمر في التعليم والبحث والبنية التحتية يفترض أن ترى نتائج ذلك في منتجات وتقنيات وشركات جديدة. لكن الواقع أكثر تعقيدا؛ فالعلاقة بين المدخلات والمخرجات ليست خطية، ولا تعطي نتيجة فورية. وغالبا ما تفصل بينهم سنوات طويلة.

وفي الوضع المثالي يفترض أن يمثل ارتفاع تصنيف دولة ما في المخرجات انعكاسا لكفاءة استثمارها في المدخلات.

أما إذا رجحت كفة المدخلات على كفة المخرجات فإننا نكون أمام فجوة تمثل الوجه الآخر لـ «وادي الموت» الذي تناولناه الأسبوع الماضي؛ حيث تتوافر الممكنات، ولكن أثرها لا يكتمل في صورة ابتكار يعبر إلى السوق.

ويمكننا القول بأن الحالات التي يتقدم فيها تصنيفات المدخلات على المخرجات تكشف أن الجسر لم يبلغ الضفة الأخرى.

ولا يكفي للقارئ والمحلل في بيانات مؤشر الابتكار العالمي أن يقف عند حدود الأرقام والتصنيف، بل لابد أن يذهب لما هو أعمق؛ تحديدا قراءة العلاقة بين مدخلات الابتكار ومخرجاته من جانب، ومن الجانب الآخر مقارنة الاقتصادات المتشابهة والمختلفة من حيث القدرة على تحويل ما يستثمر في الممكنات إلى أثر اقتصادي. تلك القراءة هي التي تلهمنا استشراف مستقبل مسيرة الابتكار، وتعزيز نقله وترجمته؛ ليصبح منتجا وخدمات تغزو الأسواق.

وحين نقرأ المؤشر عبر الزمن لا عبر سنة واحدة تظهر حقيقة واحدة: الاستثمار في محاور مدخلات الابتكار الخمسة غير متكافئ في زمن تحقيق المردود منه؛ فالاستثمار في رأس المال البشري والبحث العلمي هو استثمار طويل الأمد. أثره يتراكم بهدوء قبل أن يظهر بوضوح. قد يحتاج عقدا أو أكثر قبل أن يحدث تقدم في مخرجات مؤشر الابتكار العالمي.

وفي المقابل فإن تطوير المدخلات الأخرى؛ كالبنية الأساسية والسوق وبيئة الأعمال وتفعيل رأس المال المغامر يترك أثرا أسرع، ويحدث فارقا مباشرا في قدرة الابتكار على «عبور الوادي» والتحول لمنتج يصل إلى السوق.

ولا يفترض أن تقودنا هذه المفاضلة إلى التساؤل حول أي الاستثمارين أولى بالاختيار والأسبقية؛ فالدول التي رسخت حضورها على خارطة الابتكار لم تبني تقدمها على مسار دون الأخر، بل حققت تلك الدول تكاملا بين الاستثمار طويل الأمد في الإنسان والمعرفة والبحث، والاستثمار السريع الأثر في تطوير البنية الأساسية والسوق وبيئة الأعمال.

وبقراءة متأنية لمؤشر الابتكار العالمي لعام ٢٠٢٥ نكتشف مفارقة بين دول تمتلك موارد ضخمة، لكنها لم تنجح في تحقيق التحول المأمول في الابتكار، ودول محدودة الموارد استطاعت أن تحتل الصفوف الأولى عالميا.

فسنغافورة كما نعلم جميعا تقدم نموذجا لدولة أدركت مبكرا أن الاستثمار في رأس المال البشري والتعليم والبحث العلمي هو الطريق لبناء اقتصاد يقوم على المعرفة.

فمنذ سنواتها الأولى راهنت سنغافورة على التعليم معززة التركيز على العلوم والرياضيات والتعليم المهني التقني.

لم تكن لهذه التحولات نتائجها الفورية، لكن مع مرور الوقت انتقلت سنغافورة تدريجيا نحو الاقتصاد المعرفي؛ حيث شكلت الاستثمارات التي خصصتها سنغافورة للبرامج المتتالية لدعم الابتكار الركيزة لقدرتها التنافسية الحالية.

اليوم تظهر نتائج هذا المسار بوضوح؛ إذ تحافظ سنغافورة على موقعها ضمن الدول الرائدة عالميا في مدخلات الابتكار وتحقق أداء قويا في مخرجاته في ذات الوقت.

وهنا نتفق جميعا على أن القراءة الأهم ليست في ترتيب سنة بعينها، بل في الاستمرارية التي يتسم بها تصنيف سنغافورة.

وبذات النظرة التحليلية نتوجه نحو إستونيا التي ركزت على البنية الرقمية ونشر التكنولوجيا في مؤسسات التعليم منذ التسعينات من القرن الماضي.

كما قامت ببناء ثقافة جديدة وقتئذ على مجتمعها تقوم على المعرفة والتحول الرقمي. ولم تكتف إستونيا بذلك، بل عملت بالتوازي على تطوير السوق وبيئة الأعمال. واستطاعت أن تثبت أن التحول الرقمي وتطوير السوق والأعمال يمكن أن يصنع قفزات سريعة في مخرجات الابتكار.

المقارنة بين سنغافورة وإستونيا تتفق في محدودية الموارد لكليهما، وتكشف سمة مشتركة أخرى، تتمثل في إعطاء أولوية مبكرة للاستثمار في الإنسان والمعرفة.

دعوة للتفاؤل: نحن وخريطة العالم للابتكار، لسنا خارجها، وما نراه من فجوة بين مدخلات ومخرجات المؤشر لا أحسبه خللا بقدر ما هو مرحلة.

ما تقوله التجارب الناجحة واضح: الوقت عنصر حاسم، ولا يمكن إعادة تدويره.الإنفاق على التعليم والبحث لن يؤتي حصاده غدا، وزيادته ليست بيت القصيد، إنما الكفاءة في توظيفه. تطوير السوق والأعمال ورأس المال المغامر من الأهمية بمكان لاستقبال الابتكار الذي ينتجه تعليم نوعي وبحوث تطبيقية.

وفي القادم سنقترب من تجارب أخرى نفكك تفاصيلها، ونستشرف كيف يمكن تحويل دروسها لمسارات تناسب واقعنا.

ماجدة الهنائي باحثة وأكاديمية عمانية