أليسا بافيا و كيت ويلدون -
ترجمة أحمد شافعي -
لا يكاد يمكن التعرف اليوم على السياسة الخارجية التركية بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل خمس سنوات لا أكثر.
فبعد أن قضت تركيا أغلب العقد الماضي في عزلة إقليمية متزايدة بدأ الشرق الأوسط يشهد تغيرات دبلوماسية هائلة من أنقرة التي تعلي اليوم من شأن الواقعية والبرجماتية والمشاركة أكثر من ذي قبل.
ويتضح هذا التغير على أوضح نحو في سياسة تركيا تجاه ليبيا؛ فبعد أن كانت تدعم حكومة الوفاق الوطني (GNA) القائمة في طرابلس يبدو الآن أن تركيا اتجهت أيضا إلى دعم الحكومة المنافسة، وهي حكومة المشير خليفة حفتر في طبرق.
وبعد بضع سنوات قليلات من معاونة الطائرة المسيرة المصنعة في تركيا لحكومة الوفاق في كسر حصار حفتر لطرابلس تباع الآن هذه الطائرات نفسها مباشرة لقوات حفتر. لم تكن الأيدي الممدودة والمبادرات الدبلوماسية هي دأب تركيا تاريخيا؛ فقد كانت السياسة الخارجية التاريخية في العقد الثاني من هذا القرن مثيرة للجدل بالنسبة للمنطقة، وأسفرت عن توترات دبلوماسية مستمرة مع الجيران.
إذ انجذب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى إحياء الحضارة الإسلامية العثمانية، وسعى إلى أهدافه من خلال دعم الأحزاب الإسلامية في أرجاء المنطقة، فكان من ذلك دعمه لمحمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين في مصر وحركة النهضة في تونس.
وازداد شعور بعض اللاعبين من أمثال مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بالتهديد المتزايد من سلوك أردوغان الذي رأوه شعبويا ومتناقضا مع تأويلات هذه الدول للإسلام السني.
وفي سوريا أدى عزم أردوغان على تسليح الجهاديين إلى تفاقم هذه التوترات.
وفي نطاقات أخرى أيضا نادرا ما كبتت تركيا جماح نفسها مراعاة للعلاقات الدبلوماسية؛ فالتصعيدات التركية في شرق المتوسط سنة 2019 وسنة 2020 أوشكت أن تفضي إلى مصادمات مع اليونان وقبرص وفرنسا.
كما أدى دعم أنقرة لحكومة الوفاق في ليبيا إلى مواجهة غير مباشرة وإن تكن حاسمة بين تركيا ومصر؛ فضلا عن داعمي حفتر الكثيرين في أرجاء المنطقة. وفي الوقت نفسه لم تزد عمليات أنقرة المستمرة، والوحشية في الغالب ضد الجماعات الكردية في سوريا من أمثال وحدة حماية الشعب (YPG) وقوات سوريا الديمقراطية (SDF) ـ التي تعدها أنقرة داعمة للإرهاب ـ إلا إلى زيادة التوترات بين تركيا وحلفائها في الناتو.
الكثير من هذا يبدو الآن ذكريات بعيدة؛ فأنقرة الآن على سبيل المثال تجري أشمل مفاوضات السلام وأرجاها مع حزب العمال الكردستاني بهدف تيسير القيود السياسية المحلية وتوسيع ائتلاف أردوغان في الوقت الذي يستعد فيه لتجاوز عام 2028. وبرغم تصوير هذه المفاوضات باعتبارها سعيًا إلى إنهاء صراع قديم مع حزب العمال الكردستاني فإن أهداف أردوغان الحقيقية أعمق من محض المصالحة وكاشفة عن مصالح شخصية.
فلكي يترشح مرة أخرى يحتاج أردوغان إلى الالتفاف على شرط المدتين الرئاسيتين في الدستور بما يستوجب على الأرجح دعما برلمانيا من حزب المساواة والديمقراطية للشعب الكردي الذي يشغل في البرلمان أربعة وستين مقعدا.
وفي المقابل وعد أردوغان بإصلاحات داخلية تدمج الأكراد الأتراك في المجتمع السياسي، ومن هذه الإصلاحات إطلاق سراح زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان المسجون مدى الحياة.
وخارج الحدود أيضا تبدي أنقرة أداء رائعا؛ ففي انقلاب دبلوماسي أحيا أردوغان علاقات أنقرة بالقاهرة، وزار مصر أربع مرات في سنتين بعد جمود دام اثني عشر عاما. وبالمثل استأنفت أنقرة الدبلوماسية مع الرياض وأبو ظبي في عام 2022 منهية الفجوة التالية لاغتيال جمال خاشقجي سنة 2018.
وبالإضافة إلى رمزية هذه الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، وهي رمزية واضحة، تضمنت المحادثات اتفاقات مهمة في التعاون الاقتصادي والأمني ما كان يمكن تصورها من قبل. وفي ليبيا اتخذ موقف أردوغان من الصراع الأهلي القائم والمستمر في تقسيم البلد وعزله بعدا جديدا برغم أن أهداف أنقرة ومصالحها لا تزال على حالها إلى حد كبير. وبرغم أن انخراط تركيا في ليبيا يضرب بجذوره في علاقات تاريخية؛ فعلى مدى قرابة أربعمائة سنة كانت ولاية طرابلس مركزا للقرصنة العثمانية وقوتها البحرية، وأسهمت في إثراء القسطنطينية، وساعدتها على بسط نفوذها في أرجاء البحر المتوسط.
ذلك الإرث الرمزي جعل لليبيا مكانة جوهرية في رؤية أردوغان الموسومة بالعثمانية الجديدة التي يسعى من خلالها إلى استرداد النفوذ الثقافي والسياسي والعسكري التركي في أرجاء الأراضي التي كانت تابعة للعثمانيين.
ومن خلال تدخله لإنقاذ حكومة الوفاق وإلحاق الهزيمة بقوات خليفة حفتر المدعومة من مصر والإمارات العربية المتحدة برع أردوغان في وضع تركيا في مكانة اللاعب الرائد في شمال إفريقيا معززا رؤيته للعثمانية الجديدة ومضعفا منافسيه في المنطقة في الوقت نفسه.
وتتيح جغرافيا ليبيا السياسية لمحة أخرى لمصلحة أنقرة في تلك المستعمرة العثمانية الغابرة؛ فمنذ عام 2003 أصبح شرق المتوسط مسرحا لنزاعات بحرية محتدمة بين بلاد متلهفة إلى السيطرة على احتياطيات النفط والغاز حديثة الاكتشاف.
ونظرا لقلة مواردها الطبيعية تحرص أنقرة حرصا أكيدا على ذلك شأنها شأن غيرها، غير أنه حتى الآن يجري استبعادها من أي تعاون هيدروكربوني إقليمي مهم بسبب صراعها القديم مع قبرص.
في الوقت نفسه تنخرط مصر وإسرائيل وقبرص ولبنان في تعاونات ثنائية لتقسيم خريطة المنطقة والتنقيب فيها. وقد جاء اكتشاف احتياطيات الغاز قبالة سواحل قبرص في العقد الثاني من هذا القرن ليزيد من الخطر، مؤديا إلى عمل عسكري تركي منع شركة إيني الإيطالية للطاقة من أنشطة التنقيب في عام 2018.
وبعد ذلك بفترة قصيرة استمرت أنقرة في تصعيداتها بتوقيع اتفاقية بحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية لتأسيس منطقة اقتصادية خالصة (EEZ) كسرت عزلة تركيا. ولقد أنشأت هذه المنطقة ممرا بحريا بين المياه الإقليمية والتركية في خرق مباشر للقانون البحري الدولي والاتفاقات المماثلة بين قبرص وإسرائيل واليونان. لكن نجاعة المنطقة الاقتصادية الخالصة كانت محدودة؛ إذ بقيت ليبيا منقسمة بين شرق وغرب، فلم يلق ممر أنقرة البحري القبول اللازم من خليفة حفتر. وتغير ذلك ابتداء من عام 2023 حينما استقبل أردوغان رئيس مجلس النواب الليبي في الشرق عقيلة صالح، فكان ذلك مؤشرا لذوبان الجليد مع حفتر. فكان من أشكال التقارب التي أعقبت ذلك اجتماعات ثنائية لمسؤولين عسكريين أتراك رفيعي المستوى مع صدام حفتر، وإعادة فتح القنصلية التركية في بنغازي، ومناورات بحرية مشتركة، وأخيرا لقاء بين رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي إبراهيم جالن وخليفة حفتر لمناقشة التصديق على اتفاقية المنطقة الاقتصادية الخالصة لعام 2019. فضلا عن أن نهج أنقرة العسكري يشير إلى الاستعداد لتجاوز الضغط الدبلوماسي البسيط في ما يتعلق بحقول الغاز؛ فمن الإمداد بطائرات بيرقدار المسيرة إلى تيسير المناورات العسكرية المشتركة مع شخص وصفه أردوغان يوما بمدبر الانقلاب تشهد أهداف أنقرة الاستراتيجية في ليبيا تحولا من غضون كسر العزلة إلى تعظيم بسط نفوذها. وفي محض سنوات قلائل وسعت أنقرة موطئ قدمها في ليبيا لتصبح لاعبا رائدا في توحدها المحتمل بما يزيد من النفوذ التركي في إفريقيا. يظهر من تحول تركيا إلى البرجماتية أن أنقرة قادرة على تجاوز تحالفاتها الأيديولوجية البسيطة لتعانق منافسين سابقين بما يحقق مصلحتها، وهذه مأثرة دأبت قوى إقليمية أخرى من أمثال مصر وقطر والإمارات العربية المتحدة على العجز عن تحقيقها.
فبعد عقد من دعم الإسلاميين في أنحاء المنطقة لا تقوم تحالفات تركيا اليوم على أيديولوجية اللاعبين؛ إذ إن منافسين سابقين في أرجاء المنطقة، وبعضهم لديه ضغائن تاريخية من قبيل حفتر ومصر والمملكة العربية السعودية يحظون الآن بنظرة ثانية، لكن ليبيا بصفة خاصة تبين عزم تركيا الجديد على الموازنة بين البرجماتية والأيديولوجية، والإزالة الخلاقة للحواجز الدبلوماسية، وتحقيق أهداف السياسة الخارجية. لتصبح الدولة الوريثة للإمبراطورية العثمانية غابرة العظمة على مسار التحول إلى قوة إقليمية كبيرة ذات نفوذ فعلي لا هامشي.
أليسا بافيا زميلة برنامج الشرق الأوسط غير المقيمة في المجلس الأطلنطي وطالبة ماجستير في معهد واشنطن وبرنامج دراسات سياسات الشرق الأوسط بجامعة بيبردين.
كيت ويلدون محلل سياسات أمريكي بريطاني واستشاري في الشؤون الأمريكية. والعلاقات الأوروبية وأمن الشرق الأوسط.
الترجمة عن ذي ناشونال إنتريست