ولن تخلو حياتنا بالمطلق، من وجود صراع ما نعيشه، وما نكاد ننهي صراعا معينا إلا وندخل في صراع آخر بإرادتنا أو بغير حول منا، وكما يقال أيضا: «الخير في بطن الشر» فحتى يستقيم أمرك في شيء ما عليك أن تنظف كل العوالق التي تحيط بك، لتصل إلى شيء من السلام مع نفسك فتستقر، ومن يشعر نفسه أنه لا يعيش صراعا عليه أن يراجع نفسه، فذلك ليس من الأمر الطبيعي، فيبدو أن هناك فاصلًا نفسيًا يحول بينه وبين حقيقة نفسه، ولأن المسألة الوجودية في حياتنا مرتبطة بصراع ما، فإن منشأ الصراعات -كما تقدم - هي الذات الإنسانية قبل كل شيء، ثم تأتي مجموعة الأسباب بعضها مادي وبعضها الآخر معنوي، لتؤجج هذا الصراع أو ذاك، فالرزق صراع،
والمرض صراع، والعلاقات مع الآخر صراع، وتعيش بين أهلك صراع، وتربية أطفالك صراع، وعلاقتك بربك صراع، وتأدية الواجبات تجاه الآخر صغيرها وكبيرها صراع، وفي صداقاتك صراع، وفي نزاعاتك مع الآخر صراع، وبالمجمل فحياتك التي تعيشها مجموعة صراعات متفاوتة الأثر والتأثير، قد لا تفصل بينها فواصل زمنية، وإن وجدت في لحظة ما فواصل مادية.
وهناك من يتفاجأ أو ينزعج أو يعد حدوث صراع أمرا بالغ الخطورة، وأن الحياة سوف تفقد بريقها بوجود هذا الصراع أو ذاك، وهذا تصور خاطئ، فالمسألة ــ في كل صراع ــ مرتبطة بلحظة زمنية، ليس شرطا أن تكون فارقة، لأن بعض الصراعات تصبح نمطية، ولا يجب أن توضع لها الحسابات الدقيقة أو الكبيرة، فهي صراعات بفعل حركة الحياة سواء لدى الإنسان -وهو منشأ الصراعات- أو لدى الحيوان، أو الصراعات الطبيعية، كالبراكين، والأعاصير، مع التأكيد الجازم أن ذلك يحدث بأمر الله عز وجل، لحكمة يعلمها الله تعالى في تدبير شؤون عباده، ولكنها تظل في مفهومنا القاصر أنها صراعات لها نتائج على الواقع، وتأثيراتها غير منكورة، وبعض نتائجها قاسية على النفس الإنسانية،
ولذلك ينظر إليها بكثير من الاهتمام، وبكثير من القلق، وبكثير من الأمل أيضا، فمسألة الصراعات، على الرغم من معناها الظاهر أنها قاسية، إلا أن لها عوائد تغير كثيرا من أوجه الحياة، ومن مراجعة الأفكار، ومن تغيير القناعات، وتحث على تبني أفكارا، ربما، غير مطروحة قبل نشوء هذا الصراع أو ذاك.