ما يطلبه ناريندرا مودي من الهنود يحصل عليه في الغالب. فأثناء الجائحة ناشد رئيس الوزراء الهندي مواطنيه بالبقاء في المنازل وطرق أواني الطبخ دعما للعاملين في القطاع الصحي. فعلوا ذلك. وفي 10 مايو طلب من الهنود استنساخ بعض ذلك الانضباط الذي أبدوه في فترة كوفيد-19. فقد دعاهم الى العمل من البيت ما أمكن وتقليل السفر الى الخارج.


جاءت مناشدة مودي وسط صدمة طاقة تزداد سوءا. وسببها الحرب في إيران. حافظت الحكومة الهندية على أسعار الوقود لأسابيع وأجبرت شركات النفط المملوكة للحكومة على تحمُّل الارتفاع في تكلفة النفط المستورد. (اضطرت شركاتها أخيرا الى رفع سعر الوقود مرتين خلال أسبوع، في 15 مايو بنسبة تزيد عن 3% ثم في 19 مايو بنسبة أقل قليلا من 1% - المترجم).
الهند هي الأخيرة من بين بلدان آسيوية عديدة تطلب من مواطنيها شد الأحزمة. لكن حتى تلك البلدان التي تحركت مبكرا لضبط استخدام الطاقة كتايلاند والفلبين تدخل الآن في "منطقة خطرة." فآثار الحرب تهدد بقلب اقتصادات (وسياسة) القارة رأسا على عقب.


في البلدان التي لا توجد بها سقوفات على سعر الوقود مثل باكستان والفلبين ارتفعت الأسعار بشدة. لكن تتزايد الخشية خصوصا في بلدان آسيا النامية من نضوب الإمدادات ببساطة. لقد ذُكِر أن اندونيسيا لديها وقود يكفي لثلاثة أسابيع وفيتنام أقل من شهر (هذه التقديرات في 14 مايو- المترجم.)


وفي باكستان وبنغلاديش وهما تعتمدان على استيراد الغاز الطبيعي من الخليج عانى الناس من انقطاعات طويلة في الإمداد الكهربائي. كما انعدم الوقود في مضخات البنزين بالمناطق الريفية. يقول ميزان الرحمن وهو مزارع في بنجلاديش "نحن نستيقظ عند الثانية صباحا وكثيرا ما ننتظر 24 ساعة لكي نحصل على لترين فقط من وقود الديزل."


تشير محنة ميزان الرحمن الى المعاناة في قطاع الزراعة خصوصا. فإلى جانب شُح الديزل يواجه المزارعون نقصا في الأسمدة. لقد ارتفع سعر سماد اليوربا الذي ينتج الكثير منه في الخليج بنسبة 50% منذ بداية الحرب. وبدأ الملايين من المزارعين في آسيا زراعة الأرز لكنهم الآن يقلصون استخدام المخصبات بسبب ارتفاع التكلفة.
يقول أليشير ميرزابييف الباحث بالمعهد الدولي لأبحاث الأرز في الفلبين " الأرز الآن مشكلة ربحية. لكن إذا استمرت الحرب سيتحول إلى مشكلة أمن غذائي."


الشركات الصناعية أصابها الذعر أيضا. فمصانع النسيج في بنجلاديش تساهم بحوالي 13% من الناتج المحلي الإجمالي. ويقول مسئولوها أن تكلفة مدخلاتها ارتفعت بنسبة 10% الى 15% بسبب ارتفاع أسعار الديزل والأصباغ التي يرتكز انتاجها على البتروكيماويات. وتقول هيئة في هذا القطاع أن إجمالي انتاج مصانع بنجلاديش انخفض الآن بحوالي 30% الى 40%.
في اليابان، استبدلت شركة الأطعمة الخفيفة "كالبي" الأغلفة الملونة لمنتجاتها بأخرى بيضاء وسوداء لارتفاع تكلفة النافتا. وهي مادة بتروكيماوية تستورد بكميات كبيرة من الخليج. كما أجبرت ندرة النافتا شركات بلاستيك عديدة في آسيا على تفعيل بند "القوة القاهرة" في عقود توريداتها.


في الفلبين قفز معدل التضخم الى 7.2% على أساس سنوي حتى شهر أبريل. وتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من هذا العام الى 2.8%. وهذا أدنى معدل له منذ الجائحة.
إنه نذير بالقادم. فالأمم المتحدة تعتقد أن استمرار الحرب لفترة طويلة سيقتطع نسبة 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في جنوب آسيا. ويمكن أن يتخطى التضخم في أسعار الغذاء في الهند وباكستان وسريلانكا هذا العام نسبة 10%، حسب معهد الأبحاث الألماني "كيل."


كل هذا يكيل الضربات للموازنات الحكومية. فالحفاظ على أسعار الوقود دون تغيير يكلف الهند حوالي 150 مليون دولار في اليوم تقريبا. وقد تنفق الحكومة أيضا 4.3 بليون دولار على دعم الأسمدة خلال بداية موسم الزراعة. من جانبها، تنفق اندونيسيا حوالي 60 مليون دولار في اليوم على دعم الطاقة. وإذا ظل سعر برميل النفط عند 100 دولار سيكلف الإبقاء على أسعار الوقود "عند المضخة" دون تغيير الحكوماتِ الآسيوية حوالي 1% من الناتج المحلي الإجمالي سنويا، حسب مركز التنمية العالمية في واشنطن.


قليلة هي البلدان الآسيوية التي يمكن أن تفعل ذلك. لكن ترك الأسعار ترتفع محفوف بالمخاطر. فالمزارعون في الهند يتوقعون استمرار الحكومة في دعم الأسمدة على الرغم من نداء مودي بخفض استخدامها الى النصف. وقد سبق أن أحبطت احتجاجات جماهيرية مساعيه لإصلاح الزراعة. ويشعر المسئولون حول آسيا بالقلق من أن يطلق ارتفاع الأسعار اضطرابات من ذلك النوع الذي أسقط حكومة سريلانكا في عام 2022. فمنذ بداية حرب إيران اندلعت عشرات المظاهرات في باكستان وبنجلاديش والفلبين وحتى في كوريا الجنوبية، وفقا لمنظمة رصد النزاعات "أكليد."


الى جانب الحث على تقليل استخدام الوقود والمواد الاستهلاكية الأخرى تبحث الحكومات عن امدادات بديلة. وقد تترتب عن ذلك تبعات تستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الحرب. فتايلاند تشتري المزيد من النفط من بلدان كالبرازيل وليبيا. وتزيد البلدان الاسيوية استخدامها للوقود الحيوي فيما يستثمر بعضها كسنغافورة في الموارد المتجددة.
تستفيد بعض البلدان الآسيوية من هذا التدافع نحو البدائل. فأستراليا وهي مصدر كبير للفحم الحجري والغاز الطبيعي تعزز مشترياتها من الوقود المكرر في مقابل تصدير المزيد من مواردها الطبيعية. لقد عقدت صفقات مع بروناي واليابان وماليزيا وسنغافورة وكوريا الجنوبية.


الصين بلد آخر يمكن أن يكون كاسبا نسبيا. فهي في وضع يمكنها ليس فقط من بيع المزيد من الالواح الكهروضوئية وتوربينات الرياح ولكنها أيضا تتمتع بنفوذ عبر مواردها من الوقود الأحفوري. فرغم كونها أكبر مستورد للنفط في العالم إلا أنها تملك احتياطيات نفطية ضخمة مما يشكل لها حماية كبيرة ونفوذا دبلوماسيا.
في هذا الشهر سمحت الصين لمصافيها بتصدير بنزين وديزل ووقود طائرات الى الخارج. وخففت بذلك حظرا فرضته في بداية الحرب. وتشير التقارير الى أن أولى الشحنات ستتجه الى فيتنام ولاوس. وهما بلدان لهما علاقات طيبة مع جارتيهما الشمالية. لكن حتى حلفاء الولايات المتحدة طرقوا باب الصين. ففي 29 أبريل عقدت بيني وونغ وزيرة خارجية استراليا صفقة حول وقود الطائرات أثناء زيارة لها الى بكين.


في الواقع ترى بلدان آسيوية كثيرة الآن فرصة في التقارب إلى بعضها البعض. ففي مؤتمر قمة عقد مؤخرا في الفلبين تحدث قادة جنوب شرق آسيا عن إيجاد مخزون وقود مشترك. وفي 3 مايو تعهد بنك التنمية الآسيوي بتدبير 50 بليون دولار بحلول عام 2035 للمساعدة في ربط شبكات الكهرباء الآسيوية. ومن شأن ذلك أن يخفض الأسعار ويعزز أمن الطاقة. يقول يوجين توه المسئول بهيئة سوق الطاقة في سنغافورة" كان من الممكن أن يؤدي ذلك الى تلطيف الأوضاع كثيرا في الشهرين الأخيرين."


ظلت الحكومات الاسيوية تتوجس على مدى فترة طويلة من مشاطرة الآخرين طاقتها الكهربائية. وتخشى من أي نظام يمكن أن يتيح للبلدان المجاورة السيطرة على إمداداتها. لكن الآن مع تحولها الى رهينة لأحداث تقع على بعد آلاف الأميال لم تعد المشادَّات التي تنشب كثيرا بين الجيران الاسيويين بمثل ذلك التهديد الذي كانت تبدو عليه في السابق.