لم تعد البشرية بحاجة إلى حملات تذكير بما أحدثه فيروس كوفيد-19 من ظلام في حياة البشر على كوكب الأرض، فالدرس الماضي كان قاسيًا بما يكفي ليفهم الجميع أن موازين الحياة يمكن أن تنقلب رأسًا على عقب في أيام معدودة.
وفي المقابل، لم يعد الناس أنفسهم يحتملون جوائح جديدة تخبرهم بأن الأوبئة الصحية تعني الدخول في دوامة «العزلة والمرض والموت».
منذ أيام، انشغل العالم بمأساة السفينة السياحية التي انتشرت أخبار عن إصابة بعض ركابها بفيروس «هانتا»، الذي أودى حتى الآن بحياة عدة أشخاص وأصاب آخرين، مما أوجد حالة من القلق لدى المؤسسات الصحية والرقابية في بعض الدول، التي رفضت السماح للركاب بالنزول إلا بعد استكمال إجراءات الوقاية والتجهيزات المطلوبة.
وفي الأثناء، ارتجفت أقدام بعض الدول التي أغرقتها الجائحة الأولى في كابوس مخيف، فالتطور الجديد بدا وكأنه تجديد لسيناريو «كابوس الموت» مرة أخرى، خاصة أن بعض رعاياها المحاصرين كانوا من المصابين بالفيروس الجديد.
وفي الضفة الأخرى، أكد العديد من الاستشاريين في الأمراض الوبائية أن الحالة الحالية لن تصبح أكثر انتشارًا من جائحة كوفيد-19 التي غزت العالم، كما أوصى خبراء الصحة بعدم الهلع أو التكهن بأن هذا المرض سيتحول إلى جائحة صحية جديدة.
المقولة المشهورة تقول: «كذب المنجمون ولو صدقوا»، فقبل فترة وجيزة تنبأ بعض المنجمين بظهور جائحة صحية جديدة ستلقي بظلالها على العالم. وربما جاء الحديث الحالي من باب التوقعات، فالعالم يعج بالكثير من الأمراض والأوبئة منذ عقود، لكنها لم تخرج عن نطاق السيطرة كما حدث في زمن كورونا.
ومع أنباء ظهور إصابات بفيروس «هانتا»، اعتقد البعض أن أيام النكبة العالمية الماضية قد عادت من جديد، بسبب عدم الثقة في محدودية انتشار المرض القاتل. وفي وقت سابق، صرح خبراء صحيون في منظمة الصحة العالمية بأن الجوائح الكبرى تحدث «مرة كل قرن»، أي تقريبًا كل مائة عام، واستندوا في ذلك إلى وقائع ودراسات تاريخية، في رسالة طمأنة لسكان الأرض القلقين من تجدد الأمراض الخطيرة وسرعة انتقالها من بلد إلى آخر بوسائل متعددة.
ولهذا، لم تُنشر أخبار مؤكدة تدعو إلى الرعب بشأن المتحور الجديد من فصيلة «هانتا»، إذ أشارت بعض التقارير الطبية إلى أن الفيروس موجود بالفعل في العالم، ويتسبب سنويًا في وفاة أعداد من المصابين به. وبالتالي، فإن الإصابة بهذا الفيروس لا تعني بالضرورة مقدمة لجائحة عالمية جديدة، وإنما يعد من الأوبئة محدودة الانتشار نسبيًا.
وسكان الأرض مفهوم سبب قلقهم من أي أخبار متداولة حول الأمراض، فالصورة الذهنية أصبحت هشة للغاية عند سماع خبر ظهور أي مرض فيروسي، والسبب في ذلك هو ارتفاع كلفة الأوبئة على الاقتصاد وصحة البشر.
فبعد تجربة كوفيد-19، أصبح العالم أكثر قلقًا من أي مؤشرات تنذر بجائحة جديدة، لأن المرض لم يعد مرتبطًا بالصحة فقط، بل بالاقتصاد العالمي والحياة العامة أيضًا. وحتى اليوم، لم تتعافَ البشرية تمامًا من آثار جائحة كوفيد-19، التي أودت بحياة أعداد هائلة من المصابين، وألحقت خسائر مادية جسيمة قُدرت بمليارات الدولارات، وشملت مختلف القطاعات الحيوية، وعزلت دول العالم عن بعضها البعض.
لقد كان كوفيد بحق كارثة بيئية وصحية واقتصادية واجتماعية، ولا يمكن الجزم بعدم تكرار مثل هذه الكوارث مرة أخرى، خاصة مع عودة كثير من أنماط الحياة الخاطئة إلى الواجهة، في ظل استمرار التجاوزات الصحية والسلوكيات غير المنضبطة التي تهدد سلامة الإنسان والمجتمع. فالبشر لا يزالون يمارسون عادات غذائية وسلوكية تجلب الأمراض لهم، ويستهينون في كثير من الأحيان بأهمية الوقاية والرعاية الصحية، رغم ما شهدوه من مآسٍ وخسائر خلال السنوات الماضية. ومع علمهم بالمخاطر، فإنهم لا يكفون عن ارتكاب الأخطاء وممارسة سلوكيات غريبة لا يقبلها العقل ولا يصدقها الواقع، وكأن التجارب القاسية التي مر بها العالم لم تكن كافية لإحداث تغيير حقيقي في نمط الحياة أو ترسيخ ثقافة صحية أكثر وعيًا ومسؤولية.