واشنطن "د. ب. أ": يعيش العالم على إيقاع حربين كبيرتين الأولى التي شنتها روسيا ضد أوكرانيا منذ فبراير 2022 وفي الشهر نفسه لكن بعد مرور 4 سنوات شنت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب الثانية ضد إيران.


وبعد مرور أكثر من سنوات على بدء حرب أوكرانيا ونحو ثلاثة أشهر على بدء حرب إيران تجسدت أوجه الشبه بين حرب إيران وحرب فيتنام وبين حرب أوكرانيا والحرب الكورية.
وفي تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية يتوقع جيدون روس الباحث الزميل في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي تشابه نهاية حرب أوكرانيا مع الحرب الكورية ونهاية الحرب الأمريكية الإيرانية مع الحرب الفيتنامية انطلاقا مما يقوله بأن "الحروب المتماثلة تنتهي بطرق متماثلة".


- تبادل الاتهامات بين صناعة القرار-
وفي تحليله يقول روس إن إدارة الرئيس الأمريكي الراحل ليندون جونسون احتاجت خمس سنوات لكي تنتقل من بدء الحرب في فيتنام إلى التفاوض لإنهائها مرورا بالتصعيد وجمود الموقف المثير للإحباط، لكن إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تحتاج في حربها ضد إيران إلى أكثر من شهرين لكي تختزل كل مراحل حرب جونسون في فيتنام وتصل إلى مرحلة إدارة الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون في فيتنام التي بدأت بالتهديدات النارية، ثم الإدراك التدريجي لضرورة الانسحاب من فيتنام عبر اتفاق غير مرض. وإذا استمر تحرك ترامب في الأزمة الإيرانية بهذه الوتيرة، فقد ينتهي التدخل الأمريكي في إيران خلال بضعة أشهر، وعندها سيبدأ تبادل الاتهامات بين دوائر صناعة القرار الأمريكي بسبب فشل الحرب.


ويرجح روس مؤلف كتاب "كيف تنتهي الحروب" انتهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران كما انتهت حرب فيتنام عام ١٩٧٣، بتسوية هشة تعالج بعض القضايا، وتبقي قضايا أخرى مهمة دون حل.
وكما حدث عندما تم ترك تحديد مصير فيتنام الجنوبية إلى وقت لاحق، سيتأجل تحديد مصير الجمهورية الإسلامية وبرنامجها النووي إلى وقت لاحق. في المقابل فقد تنتهي الحرب الروسية الأوكرانية نفس نهاية الحرب الكورية، عبر تسوية تفرض هدنة مستقرة ترسخ خطوط المواجهة الحالية، واحتفاظ روسيا بما استولت عليه من أراض أوكرانية.


في نوفمبر 1963، تم اغتيال رئيسي الولايات المتحدة جون كيندي وفيتنام الجنوبية نجو دينه ديم، ليتولى نائب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون رئاسة الولايات المتحدة ويجد نفسه مسؤولا عن بلدين يمران بأزمة. وقرر جونسون زيادة الدعم لفيتنام الجنوبية على أمل أن يؤدي استعراض القوة إلى تراجع جارتها فيتنام الشمالية عن هجومها الكبير عليها. في البداية، تمثل ذلك في إرسال مساعدات اقتصادية ومستشارين عسكريين. ثم تحول إلى قصف جوي أمريكي لقوات فيتنام الشمالية. ثم إلى إرسال قوات برية إلى فيتنام. ومع ذلك، تمسكت هانوي بأهدافها الأساسية ورفضت الاستسلام.


وبحلول عام 1968، كانت الحرب تستنزف الكثير من الأرواح والأموال وتسبب اضطرابات داخلية هائلة، مما دفع واشنطن إلى البحث عن مخرج. لم يقبل جونسون نفسه بالهزيمة قط، لكنه وضع حدا لتصعيد الحرب، وأعلن وقفا أحاديا للقصف، وانسحب من الحياة السياسية، وألقى بالمشكلة على عاتق خليفته. وكان خليفته هو ريتشارد نيكسون، الذي ورث، مع مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر، مهمة أساسية وهي إنهاء الحرب.


في البداية، حاولا تحقيق أهداف قديمة من خلال مزيج جديد من القوة والتهديد. كانا يأملان في إخضاع الفيتناميين الشماليين بقصف وحشي جديد وتهديدات عنيفة، وإقناع الاتحاد السوفيتي والصين بتقديم المساعدة، وتهدئة الرأي العام الأمريكي بتخفيضات طفيفة في القوات المنتشرة في ساحة المعركة، وأن يؤدي كل هذا معا إلى اتفاق يسمح بالانسحاب الأمريكي، مع بقاء نظام حكم فيتنام الجنوبية.
لكن هذه الاستراتيجية فشلت. ولم يستطع السوفيت أو لم يرغبوا في الضغط على الفيتناميين الشماليين بقوة كافية لحملهم على قبول تسوية، ولم ينهار الشيوعيون ولم يتراجعوا، واستمرت الحرب لفترة طويلة.


- ايران تعيد بناء قدراتها العسكرية -
كما فعل جونسون في فيتنام، ذهب الرئيس ترامب إلى حرب إيران لمنع تداعيات مقلقة. فقد ألحقت الغارات الجوية الإسرائيلية والأمريكية في يونيو 2025 أضرارا جسيمة بالبرنامج النووي الإيراني.
لكن بعد ذلك، بدأت طهران إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، وخشيت إسرائيل والولايات المتحدة من أن تمتلك طهران في نهاية المطاف درعا قويا، تستطيع من خلاله مواصلة مساعيها النووية. وقد اقتنع ترامب بتأكيدات إسرائيلية بأن ضربة قوية قاضية ستطيح بالنظام الإيراني وتحل المشكلة نهائيا، ووافق على هجوم مشترك للقوات الأمريكية والإسرائيلية في أواخر فبراير دمرت الغارات الجوية جزءا كبيرا من القدرات العسكرية الإيرانية وأودت بحياة العديد من المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي. لكن مجتبى بن خامنئي خلف والده، واستمر النظام الإيراني المتجذر في العمل. والأسوأ من ذلك، أنه رد بقصف جيرانه في الخليج وأغلق مضيق هرمز أمام تدفق إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال مما تسبب في أزمة طاقة يعاني منها العالم حاليا.


وفي أبريل الماضي تحول ترامب المحبط من نهج جونسون إلى نهج نيكسون، متبنيا استراتيجية جديدة تقوم على تصعيد الضغط، وإصدار الإنذارات والتهديدات، وتقديم عروض للتفاوض. أدى هذا الإحياء لنهج "الرجل المجنون" إلى وقف إطلاق النار في 8 أبريل، وبدء محادثات بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين بوساطة باكستانية، لكنها لم تحقق النتائج المرجوة، حيث بقي مضيق هرمز مغلقا وظلت مطالب الجانبين متباعدة. وبما أن ترامب لم يخطط لحرب طويلة، ومع ارتفاع الأسعار وتراجع شعبيته، فإنه يبحث الآن الآن بوضوح عن مخرج يحفظ ماء الوجه، تماما كما فعل نيكسون وكيسنجر في أوائل سبعينيات القرن الماضي.


لكن الإيرانيين، مثل الفيتناميين الشماليين، يظهرون عنادا واضحا، ويراهنون على قدرتهم على كسب معركة عض الأصابع. لذلك يرجح جيدوين روس التوصل إلى اتفاق يوقف القتال، ويسمح باستئناف الملاحة في مضيق هرمز، ويؤجل حل العديد من النقاط الخلافية الأخرى.


ومثل مصير فيتنام الجنوبية، فإن المصير النهائي للبرنامج النووي الإيراني، إلى جانب مصير النظام الإيراني نفسه، سيحسم في يوم آخر. وفي أوكرانيا، حيث تخوض القوات الكورية الشمالية المعارك إلى جانب القوات الروسية، تتكرر تجربة الحرب الكورية بين كوريا الجنوبية ومن ورائها الولايات المتحدة والدول الغربية من ناحية وكوريا الشمالية ومن ورائها الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في النصف الأول من خمسينيات القرن العشرين.


- إخضاع شبه الجزيرة الكورية -
ففي أواخر يونيو 1950، اجتاحت القوات الكورية الشمالية خط العرض 38 في هجوم مفاجئ بهدف إخضاع شبه الجزيرة الكورية بأكملها للسيطرة الشيوعية، في المقابل التزمت الولايات المتحدة بالدفاع عن كوريا الجنوبية، ورتبت لرعاية الأمم المتحدة لهذه الجهود. واصل الكوريون الشماليون تقدمهم خلال الصيف، حتى حاصروا قوات الأمم المتحدة في منطقة صغيرة حول ميناء بوسان الجنوبي الشرقي.
وفي سبتمبر، قلب إنزال الجنرال الأمريكي دوجلاس ماك آرثر البرمائي الناجح في ميناء إنشون خلف خطوط العدو موازين الحرب، وسرعان ما أصبحت قوات الأمم المتحدة هي التي تدفع الكوريين الشماليين إلى التراجع.


واستمر القتال بين أطراف الحرب حتى تم توقيع اتفاق هدنة في يوليو 1953 وفقا لخطوط القتال التي كانت قائمة في ذلك الوقت. ومرت العقود ولم يتغير الموقف على الأرض حتى الآن. إن أوجه التشابه بين الحربين في كوريا وأوكرانيا لافتة للنظر. بدأت الحرب الحالية في أوكرانيا بهجوم مفاجئ شنته القوات الروسية في أواخر فبراير 2022 وكما فعل الكوريون الشماليون عام 1950، حقق الروس تقدما كبيرا في محاولة لاستعادة ما اعتبروه أراض وطنية مفقودة، ومرة أخرى التزم المسؤولون الأمريكيون والأوروبيون بمساعدة ضحية العدوان.


وكما حدث في شبه الجزيرة الكورية، شهد العام الأول من الحرب في أوكرانيا تحولات عسكرية كبيرة وتحركات عملياتية واسعة النطاق، تلتها سنوات من الجمود الشديد على طول خطوط قتال تشهد ثباتا نسبيا. عندما تولى ترامب منصبه عام 2025، سعى لفرض تسوية للحرب، بإغراء روسيا بإمكانية احتفاظها بمكاسبها الإقليمية في أوكرانيا، والضغط على كييف بحجب الدعم عنها لتقديم تنازلات. لكن لم يكن أي من الطرفين مستعدا لقبول أي اتفاق، واستمر القتال. ومع ذلك، كلما ازداد إرهاق المتحاربين واستسلامهم، ازدادت احتمالية التوصل إلى تسوية ترسخ حالة الجمود الراهنة.


وكما هو الحال في الحرب الكورية، اتسمت الحرب في أوكرانيا بعنف استثنائي، حيث بلغ إجمالي القتلى في المعارك مئات الآلاف، والإصابات بالملايين، لذلك من غير المرجح أن يستأنف الأطراف القتال بمجرد توقفه أيا كانت شروط هذا الوقف للقتال. تعتبر سياسة حافة الهاوية النووية سمة مشتركة بين الحروب الأربعة. وإذا كانت الحرب الكورية، أول صراع في التاريخ تصبح فيه اندلاع حرب نووية شاملة احتمال وارد، فإن حربي أوكرانيا وفيتنام قد تفتحان الباب أمام الانتشار النووي وليس العكس.


ولا يخفى على أحد أن روسيا لم تهاجم أوكرانيا إلا بعد أن تخلت الأخيرة عن قدرتها النووية، وأن كوريا الشمالية النووية محصنة ضد أي عدوان بفضل ترسانتها النووية، بينما إيران غير النووية ترزح تحت وطأة الحرب الأمريكية الإسرائيلية المدمرة.


أخيرا فكما انتهت حربا كوريا وفيتنام ستنتهي حربا أوكرانيا وإيران. فرغم أن أوكرانيا تقاوم الضغوط الأمريكية للقبول بتسوية غير مرضية بالنسبة لها، فإنه إذا أبدت روسيا استعدادا لعقد اتفاق معقول، فستجد الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون سبلا لضمان قبول كييف له.


وينطبق الأمر نفسه على إيران: فبمجرد أن تجد إدارة ترامب أرضية مشتركة مع الجمهورية الإسلامية، ستتجاوز الولايات المتحدة رغبات إسرائيل ودول الجوار في التمسك بموقف أكثر تشددا تجاه طهران.