ماذا أقول لكاتب في مقتبل العمر يطلب رأيا في نصّه؟
كنت في آخر العشرينيات أعمل محررا ثقافيا، بعد أن رشحني المرحوم الدكتور عزت الغزاويّ رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين لهذا العمل لرئيس التحرير الأستاذ حافظ البرغوثي. ويبدو أن المرحوم الغزاويّ قد شعر بشغفي النقديّ بعد أن نشرت سلسلة مقالات في النقد الأدبيّ والفنيّ فيما توفّر من صحف ومجلات؛ فكان أن أصبحت المحرر والكاتب أيضا في الصفحة الثقافيّة والملحق الثقافيّ لجريدة الحياة الجديدة.


كنت قد تخرجت حديثا من مصر التي كانت حاضنتي الثقافيّة والفنيّة، فرحت مدفوعا بهذا الاهتمام أتابع ما كنت أفعله فتى قبل السفر وأثناء التعليم الجامعيّ: القراءة والكتابة. أما القراءة فقد امتزجت رغبة الاطلاع الحرّ على الأعمال الأدبية والفنية بالدراسة الأكاديميّة المنظّمة في كلية الآداب. كان ذلك جميلا ومفيدا كوني قد اخترت الأدب العربي عن وعي وشعور. أما الكتابة، فتنوعت ما بين النصوص الأدبية ومحاولات بسيطة للكتابة من منطلق التأثر والتذوّق الأدبيّ والفنيّ، من بينها نصّ عن مسرحيّة عرضت ضمن أسبوع فلسطين الثقافيّ. ولعلي أضيف أمرا يتعلق بالاهتمام بقراءة الصحف والمجلات والبرامج الثقافية في القناتين الأولى والثانية، ولعل ذلك يظهر يوما في سيرتي إن قدّر لي كتابتها.


وكوني المحرّر الثقافيّ، فقد كنت أنشر ما أكتبه عن النشاطات الثقافية، والتي كان من بينها أعمال مسرحية وأفلام ومعارض فنية، بالإضافة إلى اهتماميّ في النقد الأدبيّ الذي بدأته فور تخرجي من الجامعة. كانت ردود الفعل مشجعة لي بالاستمرار، لكنّني وجدت نفسي، وأنا المتابع للمجلات الثقافية والفنية، أقف قليلا لأعيد النظر في اتجاهات كتاباتي، خصوصا بعد أن صرت أقارن ما أكتبه وما يكتبه آخرون محترفون ومتخصصون. وكان أن التقيت بالدكتور حسين البرغوثي، الكاتب والمفكّر المعروف رحمه الله، وذكرت له ما أعانيه من شعور مقارنة ما أكتبه بما أقرأ لنقاد كبار، فدعاني للقاء واستمع لي بعمق، وما زلت أذكر إصغاءه الشديد، من خلال تركيز عينيه، فأعلمني أنه يتابع الصحيفة، خصوصا الصفحة الثقافيّة.
-..........
-اسمع يا تحسين، أقرأ ما تكتبه وهو جيّد.
-...................................
-ماذا تفعل؟
-أقرأ كثيرا، وأكتب.
-ابق هكذا، فقط تابع القراءة في مجالات اهتمامك، اقرأ من كتب ومجلات، واستمر.
-والكتابة؟
-استمرّ، وستجد أنك من خلالها والقراءة تكتسب وعيا متجددا.
رحم الله حسين البرغوثي الذي أكّد لي بأنّ القراءة والمشاهدة هي "دينامو" الكتابة، وهو الذي عمّق لديّ بأن تطوير الكتابة لا يكون فقط بالقراءة بل بممارستها فعليا دون تأجيل؛ فمن خلال فعل الكتابة يتم الاستدعاء الحيويّ للمعرفة، التي تستدعي خلالها تدفّقا غريبا للأفكار والمشاعر.
وجدت نفسي من خلال ممارسة القراءة والمشاهدة والاستماع، أكثر دقة في التعبير عن الأفكار. وصرت فيما بعد كلما قرأت كثيرا كتبت قليلا، من منطلق الحرص على الإضافة، وتجنب الاجترار والمحاكاة وتكرار الذات.


ماذا أقول لكاتب في مقتبل العمر يطلب رأيا في نصّه؟
هو ما قاله لي حسن البرغوثي، بعد أن أقرأ بعمق لما يقدمه الكتاب لي، ثم لأصغي لمن يمكن الإصغاء له.
-ماذا تفعل؟
-أقرأ وأكتب.
-إذن استمرّ!
في تدريبي للكتابة، أو خلال الحديث مع الكتاب على اختلاف أعمارهم، غالبا ما أبادرهم بسؤال عن أمرين:
الأول عن موقف معين شهدوه في حياتهم ما زالوا يتذكرونه.
والثاني عن نص أدبيّ أو فيلم ما زالوا متأثرين به.
وهنا، خلال استماع المجموعة لبعضها بعضا، يتبيّن لأفرادها في الوعي واللاوعيّ أن العمل الأدبيّ والفنيّ الصادق يعيش طويلا.
إن الكتابة بمعنى الاحتراف الأدبيّ والنقديّ تقتضي الإفادة من الآخرين لا محاكاتهم، والبدء من حيث انتهوا.


نقول هذا الكلام في زماننا هذا، لا تقييدا لهم، ولكن حرصا على أن يكون المنشور ذا قيمة يشجعنا كقراء على متابعة ناشره؛ فلا معنى للاستعجال بالنشر إن لم يكن النص ناضجا، ويستطيع الكاتب نفسه أن يكون أول متلق لنفسه وأول ناقد له، من خلال من يقرأ للآخرين، ولا يعني ذلك الزهد بالكتابة، بل الاستمرار بها. فمن يكتب القصة القصيرة والرواية، وغير ذلك من صنوف السرد، سيجد نفسه يكتب برويّة وهدوء، واختيار من يثق بهم كي يكونوا قراءه الأوائل.


إن قراءة الأدب والنقد بل والتاريخ والفلسفة، ومشاهدة الأفلام والمسرحيات، وزيارة المعارض الفنية، كلها تشكّل زاد المسافر في عالم الكتابة. وإن قراءة القصص والروايات شرط للكتابة، يتعلّم من خلال نفسه معنى الصدق الأدبيّ وتجنّب التكلّف والمبالغة والادعاء. وهكذا سنجد الكتاب بتفاوت مستوياتهم حريصين على تناول المضمون بمصداقيّة، تستدعي أسلوبا خاصا لها؛ فالمضمون الأدبي الإنسانيّ يخلق شكله الخاص به. أما ما هو خارج ذلك، فإنه لن يتجاوز المحاكاة أو تكلف كتابة ما نزهد بها ولا نتذكرها.


الكتابة عالم إنسانيّ أولا لا عالم بلاغيّ، بل إن البلاغة الإنسانية هي عمق الإنسان، فإذا زهدنا به مندفعين نحو الكتابة كسطح خارجيّ، فهي لا تتجاوز السمع والبصر نحو الفؤاد، بل سرعان ما تتبخّر.
لذلك، لا يلومنّ أحد علينا إن صدمناه برأي، وبخاصة ممن يتابعون إصدار الكتب دون أن يطوروا الكتابة، بل بالأحرى استفتاء قلوبهم إزاء ما يكتبونه ويقرؤونه، طارحين على أنفسهم سؤالنا البسيط عما تبقى من أثر لمن قرأ لهم، ومن كتب لهم أيضا.


إن الأدب الذي لا يلامسنا من داخل أنفسنا هو أدب لا يضيف للمكتبة غير الحيّز الفيزيقيّ، لا الفضاء الإنساني الرحب. لذلك قد تفيد المجاملة قليلا لكن لا تفيد كثيرا، فكم من كتاب قرأنا وأثّر فينا؟ الجواب قليل. وهكذا، فقد آن الأوان أن يكون الإبداع الحقيقيّ هو مقياسنا، والذي حين يصل العينين يصل القلب والعقل ويبقى، لذلك يعيش المبدعون أكثر طويلا من أعمارهم.