يشهد سوق المواشي واللحوم في الأسواق خلال الفترة الحالية موجة ارتفاع ملحوظة في الأسعار تزامنًا مع اقتراب موسم عيد الأضحى المبارك، الأمر الذي أثار تساؤلات المستهلكين حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع، ومدى ارتباطه بالعوامل المحلية أو المتغيرات العالمية. وبينما يرى المواطن أن أسعار أضاحي العيد أصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على ميزانيته يؤكد الموردون وأصحاب المحلات أن الزيادة جاءت نتيجة سلسلة من التحديات المتراكمة تبدأ من دول التصدير، ولا تنتهي عند تكاليف النقل والأعلاف والتشغيل داخل السلطنة.
وفي هذا السياق أوضح أحد موردي المواشي بولاية سمائل -وهو من الجنسية اليمنية- أن الأسعار ارتفعت من المصدر الأساسي في كل من الصومال وإثيوبيا مشيرًا إلى أن دخول مستوردين جدد من دول عربية عدة، من بينها السعودية ومصر والعراق خلق منافسة قوية على شراء المواشي من تلك الأسواق، خصوصًا مع زيادة الطلب المرتبط بموسم الأضاحي. وأضاف أن هذه المنافسة رفعت القيمة الشرائية للمواشي بشكل ملحوظ قبل وصولها إلى الأسواق المحلية.
وبيّن الموّرد أن تكاليف الشحن البحري شهدت قفزة كبيرة خلال الفترة الأخيرة؛ حيث كانت تكلفة شحن الرأس الواحد تتراوح سابقًا بين 60 و70 دولارًا بينما تجاوزت حاليًا حاجز 100 دولار للرأس الواحد، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على الأسعار النهائية للمستهلك. كما أشار إلى أن ارتفاع تكاليف النقل الداخلي بين المحافظات أسهم بدوره في زيادة الأعباء؛ إذ ارتفعت أجرة نقل الشاحنات من صلالة إلى ولاية سمائل على سبيل المثال من نحو 180 ريالًا سابقًا إلى قرابة 280 ريالًا في الوقت الحالي.
ومن جانب آخر أشار بأن الأعلاف التحدي الأكبر الذي يواجه العاملين في قطاع المواشي موضحًا أن أسعار التبن المستورد من باكستان ارتفعت بصورة غير مسبوقة؛ حيث وصل سعر (البندل) الواحد إلى ثلاثة ريالات بعد أن كان أقل من ذلك بكثير خلال السنوات الماضية. كما ارتفعت أسعار بعض الأعلاف المستوردة من الإمارات، ومنها ما يعرف محليًا (بـالجانجوري) من 22 درهمًا إلى 36 درهمًا، الأمر الذي ضاعف تكاليف تربية المواشي وتسمينها قبل عرضها للبيع.
وأكد الموّرد أن موجة الغلاء الحالية ليست مقتصرة على سلطنة عُمان فقط، بل ترتبط بارتفاع عالمي في أسعار المواشي والشحن والتأمين والطاقة لافتًا إلى أن تداعيات الأوضاع السياسية والاقتصادية العالمية ألقت بظلالها على مختلف الأسواق. كما دعا إلى تنويع مصادر الاستيراد، وعدم الاعتماد على أسواق محددة، مقترحًا فتح المجال للاستيراد من أوروبا وأسواق أخرى بديلة إلى جانب دعم مشاريع إنتاج الأعلاف محليًا للحد من الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
من جانبه قال أحمد بن خميس العميري صاحب ملحمة نعيم سمائل: إن الارتفاع الفعلي في الأسعار بدأ بعد عيد الفطر المبارك رادا ذلك إلى زيادة الطلب من الدول الإسلامية والعربية استعدادًا لعيد الأضحى بالإضافة إلى الطلب الكبير من المملكة العربية السعودية لتوفير الأضاحي الخاصة بالحجاج. وأضاف أن الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة، ومنها التوترات المتعلقة بالممرات البحرية وارتفاع تكاليف التأمين والشحن والطاقة أسهمت بشكل مباشر في ارتفاع أسعار الأعلاف والنقل والمواشي بشكل عام.
وأوضح العميري أن أسعار الشراء من الموردين ارتفعت بصورة كبيرة مؤكدًا أن نسبة الزيادة قاربت 40 بالمائة، وهو ما شكّل عبئًا ثقيلًا على أصحاب المحلات والمستهلكين في آنٍ واحد. وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في نقص المعروض من المواشي؛ فالمواشي لا تزال متوفرة في الأسواق، إلا أن الارتفاع طال الأسعار عالميًا، ولم يعد مقتصرًا على دولة بعينها.
وحول مدى تحمّل أصحاب المحلات جزءًا من هذه الزيادة أوضح العميري أن المحلات فوجئت بالارتفاع المفاجئ للأسعار، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تحمّل تلك الزيادات بسبب الالتزامات التشغيلية المتعلقة بالإيجارات ورواتب العمال والموظفين والمصاريف الأخرى مشيرًا إلى أن استمرار البيع بالأسعار السابقة كان سيؤدي إلى خسائر كبيرة وربما إغلاق بعض المحلات، ما اضطرهم إلى رفع الأسعار تدريجيًا مع تنبيه الزبائن عبر الإعلانات.
وقال خالد بن جمعه الهدابي أحد المستهلكين: إن الارتفاع المتواصل في أسعار المواشي واللحوم بات يشكل ضغطًا واضحًا على كثير من الأسر، خاصة مع اقتراب موسم عيد الأضحى وارتفاع الالتزامات المعيشية مشيرًا إلى أن العديد من المواطنين أصبحوا يواجهون صعوبة في شراء الأضاحي أو توفير احتياجاتهم من اللحوم بالكميات المعتادة.
وأضاف أن المستهلك اليوم يشعر بتأثير هذه الزيادات بصورة مباشرة على قدرته الشرائية، خصوصًا لدى أصحاب الدخل المتوسط والمحدود، لافتًا إلى أن تفاوت الأسعار وارتفاعها المتسارع خلال الفترة الأخيرة أثار حالة من القلق والتساؤلات بين المستهلكين حول إمكانية استقرار السوق خلال الفترة المقبلة.
وأشار الهدابي إلى أن ما يُتداول بين أصحاب المحلات والموردين أن الارتفاع في أسعار المواشي عائد إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن والأعلاف عالميًا، إلا أن المستهلك يبقى الطرف الأكثر تأثرًا بهذه المتغيرات.
وفي المقابل عبّر خالد بن حمدان الحراصي أحد المستهلكين عن قلقه من الارتفاع المتواصل في أسعار اللحوم والمواشي مؤكدًا أن هذه الزيادات أصبحت تشكل عبئًا إضافيًا على الأسر، لا سيما أصحاب الدخول المتوسطة والمنخفضة. وقال: إن ما يسمعه المستهلكون من أصحاب المحلات يشير إلى أن أسباب الغلاء تعود إلى الشركات والمصادر الخارجية المستوردة للحوم، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية للمواطنين، وأثر على إمكانية الحصول على اللحوم بما يتناسب مع مستوى الدخل.
هذا وأكد المهندس خلفان بن مطر الشرجي مدير عام الثروة الحيوانية بوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في لقاء إذاعي أن أسعار المواشي الصومالية تُبنى على الأوزان موضحًا أن الأسعار الحالية التي تتراوح بين 45 إلى 60 ريالًا تُعد مقبولة في ظل الظروف والتحديات المرتبطة بعمليات الاستيراد والمتغيرات التي تشهدها المنطقة.
وأشار إلى وجود تفاوت بسيط في الأسعار مقارنة بالأعوام الماضية، إلا أن الأسعار ما تزال ضمن الحدود المتوقعة والطبيعية في ظل المستجدات الراهنة التي تؤثر على حركة الأسواق والاستيراد.
وبيّن الشرجي أن بعض المواشي المستوردة تختلف قيمتها بحسب فترة الإعاشة والتغذية التي تخضع لها بعد وصولها، الأمر الذي ينعكس بشكل مباشر على قيمتها النهائية في الأسواق المحلية لافتًا إلى أن هذه الفروقات تبقى مرتبطة بجودة الرعاية والتكاليف التشغيلية المصاحبة لها.
وفي ظل هذه التحديات يبقى ملف أسعار المواشي واللحوم واحدًا من الملفات المرتبطة بجملة من العوامل العالمية والمحلية المتداخلة، ما بين ارتفاع الطلب الموسمي، وتكاليف الشحن والأعلاف، والأوضاع الاقتصادية الدولية. وبينما يترقب المستهلكون انفراجًا يعيد التوازن للأسعار يأمل العاملون في القطاع أن تسهم الحلول المقترحة -وفي مقدمتها تنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز الإنتاج المحلي للأعلاف- في تخفيف الضغوط، وتحقيق استقرار أكبر للسوق خلال الفترات المقبلة.