في مقال لي هذا الشهر ذكرتُ أن الصدامات حول كيفية تصحيح الاختلالات الخارجية ظلت تتكرر كل عشرين عاما تقريبا منذ الثمانينيات. وكان يلزمني أن أضيف أنها حدثت في العشرينيات والستينيات. (يقصد الكاتب بالصدامات النزاعات السياسية والاقتصادية بين دول العجز ودول الفائض في التجارة والتمويل الدوليين ومقاله الذي أشار إليه نشرته الفاينانشال تايمز بتاريخ 6 مايو تحت عنوان «عودة الاختلالات إلى الأجندة الدولية» (المترجم).
انتهى هذا الصدام الأخير (صدام الستينيات) بانهيار نظام بريتون وودز الخاص بأسعار الصرف الثابتة القابلة للتعديل، ثم في نهاية المطاف باستحداث أسعار الصرف المعوّمة أو المرنة (باستثناء منطقة اليورو)، أما صِدام عشرينيات القرن الماضي فقد انتهى بكساد اقتصادي عالمي وحرب عالمية، وإيجاد نظام بريتون وودز في عام 1944 من بين أشياء أخرى.
كان مولد صندوق النقد الدولي أحد «منتجات» هذا النظام ومهمته اليوم المساعدة في إدارة مثل هذه الاختلالات.
السؤال: لماذا إدارة اختلالات ميزان المدفوعات العالمي بهذه الصعوبة والأهمية؟ الإجابة القصيرة هي أنها تتموضع في النقطة التي يتقاطع عندها كل شيء مهم تقريبا في الاقتصاد والسياسة الدوليين كالنفوذ الوطني والتوظيف الكامل والقوة الاقتصادية والاستقرار المالي والسياسات المالية والنقدية وإدارة أسعار الصرف. باختصار هي تشكل جزءا كبيرا من العلاقات الدولية.
نحن الآن في عصر نزعة تجارية (ميركانتيلية) جديدة. كانت حقبة ميركانتيلية القرنين السادس عشر والسابع عشر والتي اعتُبرت فيها الفوائض التجارية للبلدين مقياسا لقوتها الاقتصادية حقبةَ حروب دائمة أيضا. واليوم تشكل الاختلالات الخارجية أيضا مصدرا قويا للاحتكاك.
كانت صدامات عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي درسا عمليا للكيفية التي يمكن أن تنفلت بها الأمور على نحو مثير؛ فبعد الحرب العالمية الأولى أصبحت الولايات المتحدة القوة الاقتصادية المهيمنة عالميا والبلد الدائن الرئيسي. أوجد ذلك هشاشة اقتصادية ومالية في البلدان الشريكة.
عادت بريطانيا إلى معيار الذهب عند سعر صرف ما قبل الحرب. وكانت النتيجة انكماش الأسعار. (كان تسعير الإسترليني بأعلى من قيمته الحقيقية ما أضعف تنافسية صادرات بريطانيا، واضطرها إلى خفض الأسعار والأجور وما ترتب عن ذلك من تراجع اقتصادي- المترجم). اتجه بنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي -لأسباب من بينها مساعدة بريطانيا- إلى تيسير السياسة النقدية في عام 1927. ترتب عن ذلك تضخيم الفقاعة المالية وأسعار الأسهم. ثم حدث الانهيار في عام 1929 وأعقبته رسوم سموت- هاولي الجمركية في الثلاثينيات، ثم ظهور أدولف هتلر مستشارا لألمانيا وسط الكساد العظيم عام 1933. تلك الحكاية الطويلة مرعبة على نحو فريد، لكن لديها أيضا أصداء لاحقة.
من بين هذه الأصداء أن بُلدانَ الفائض ليست في وضع مسيطر على النحو الذي قد يفترضه المرء. أحد أسباب ضعفها أنها ستتعرض إلى ضغوط خارجية وداخلية لتوسيع الطلب المحلي (كما في الولايات المتحدة في عشرينيات القرن الماضي)؛ وبالتالي تقلل ضغوط انكماش الأسعار على شركائها التجاريين.
حدث ذلك بالضبط لليابان في الثمانينيات وللصين بعد الأزمة المالية خلال 2007-2009. وفي كلا الحالين كانت النتيجة تشكُّل فقاعة عقارات غير قابلة للاستدامة انفجرت لاحقا.
وجدت ألمانيا نفسها في وضع مماثل أثناء أزمة منطقة اليورو. لكن في سياق الاتحاد النقدي كان عليها إما تمويل البلدان التي تضررت من الأزمة وإما ترك العملة الموحدة تتشظى. اختارت ألمانيا التمويل، وذلك جزئيا عبر ما سُمِّي «التوازنات المستهدفة» داخل الاتحاد النقدي. وأصبح البنك المركزي الألماني ضامنا عملاقا.
يعني ذلك أن بلدان العجز رغم كونها أضعف ظاهريا لديها نفوذ أيضا. نعم يمكن وقف إقراضها، لكن البلدان التي لديها ادخارات هيكلية تفوق الاستثمار؛ وبالتالي فوائض خارجية (كالصين وألمانيا واليابان) أقامت اقتصاداتها حول فائض عرض السلع والخدمات القابلة للتداول. وفقدانها فجأة قد يؤدي إلى تدهور اقتصادي حاد. في الواقع يشكو «الأخلاقيون» في بلدان الفائض من تبذير بلدان العجز، لكنهم يحتاجون إليها.
الصعوبة هي في إيجاد بلدان عجز لا تحظى فقط بالقدر الكافي من الجدارة الائتمانية، بل تتوفر لديها القدرة على اقتراض مبالغ ضخمة (كالولايات المتحدة مثلا- المترجم).
حاولت بلدان صاعدة ونامية عديدة الاستدانة على نطاق واسع، لكن لزمها في الغالب استدانة قروض مقومة بعملة أجنبية. وهذا ينطوي على مخاطر بالنسبة لها؛ لأن بنوكها المركزية عند نشوب أزمة لا يمكنها إيجاد النقود التي يريدها الدائنون؛ لذلك تحتاج إلى منقذ خارجي. ولسوء الحظ؛ صندوق النقد الدولي غير قادر دائما على أداء هذه المهمة.
هكذا بعدما قضت أزمة منطقة اليورو على الجدارة الائتمانية لبلدان العجز بها أصبح بلد العجز المهيمن هو الولايات المتحدة وإلى حد أقل بكثير بريطانيا. ويمكن لكليهما حتى الآن الاقتراض دون قيد بعملتيهما (الدولار والإسترليني).
في الواقع العملي أصبحت الولايات المتحدة الموازنة المهيمنة لميزان المدفوعات العالمي. فعجوزاتها توازن الفوائض في البلدان الأخرى (بمعنى أنها تسجل عجزا تجاريا في السلع والخدمات تجاه بلدان الفائض التجاري الأخرى كالصين مثلا - المترجم.)
على أية حال؛ تميل بلدان العجز إلى الاتصاف بخصيصتين إشكاليتين هما التوسع الكبير في الاستدانة الداخلية، وضعف إنتاج السلع (والخدمات) القابلة للتداول، وهذا يوجد مشكلات سياسية في الداخل.
تتركز هذه المشكلات اليوم في الولايات المتحدة؛ فرئاسة دونالد ترامب وحروب رسومه الجمركية العنيفة ومساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحفاظ على الطلب العالمي على سندات الخزانة كلها أعراض لهذه المصاعب. وكذلك الهشاشة المالية المتفشية التي يشير إليها المراقبون القلقون.
النقطة الأساسية على نحو ما أكد جون مينارد كينز هي أن الأسواق لن تعالج تلقائيا أيا من هذه التحديات؛ يعود ذلك جزئيا إلى هشاشة الأسواق، وأيضا لأن أي شيء يؤثر على الازدهار المحلي والعالمي يشكل دائما مركز اهتمام السلطة السياسية.
كان ذلك دائما كذلك؛ فحتى القرن التاسع عشر والذي كان عصر حرية السوق «دعه يعمل دعه يمر» كان أيضا عصر إمبراطوريات.
إذا انتهى الآن عهد الرأسمالية الليبرالية فستكون هنالك حاجة إلى شيء ما يحل محله ولا يدمر اقتصاد العالم أيضا. لكن في الوقت الحالي نحن نمضي في مسار يقود إلى أزمات مالية متعلقة جزئيا بالاستمرار العنيد للاختلالات وبالأدوار الفريدة للولايات المتحدة (وبريطانيا) كمُوازنتين للنظام العالمي، والتي أعتقد أنها غير قابلة للاستدامة.
في نهاية المطاف سيتغير هذا، ويجب أن يتغير. كيف؟ هذا ما لا نعرفه حتى الآن.
مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة الفاينانشال تايمز