قبل شهر تقريبا من الآن عزا الرئيس دونالد ترامب تأجيله لضربة عسكرية كان قد أعلن عنها ضد إيران إلى طلب من الوسيط الباكستاني لإفساح الفرصة للمفاوضات ولمزيد من بذل الوقت للتوصل لاتفاق يتوافق مع مطالبه بخصوص البرنامج النووي الإيراني وفتح مضيق هرمز.

ومنتصف هذا الأسبوع أعلن الرئيس ترامب تأجيله للضربة العسكرية التي قال إنه حدد لها الثلاثاء الماضي. وعزا هذا التأجيل الثاني إلى طلب من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، وأن تأجيله للضربة جاء احتراما لطلب القادة الخليجيين الثلاثة الذين أكدوا له وجود فرصة حقيقية للتوصل إلى اتفاق يضمن استقرار المنطقة، ويمنع إيران من امتلاك سلاح نووي على حد تعبيره، مضيفا أن مفاوضات جادة تجري بشأن إيران، وأنه أطلع الجانب الإسرائيلي على قرار تأجيل الهجوم على إيران في ظل التنسيق المستمر بين بلاده وإسرائيل بشأن تطورات الملف الإيراني.

بعض التحليلات التي تناولت الموقف الأمريكي المفاجئ أثارت الشكوك حول قرار تأجيل الضربة، وعزته إلى أن ثمة عقبات لوجستية واقتصادية وجيوسياسية مضافا إليها اقتراب موعد انطلاق بطولة كأس العالم لكرة القدم التي تشارك الولايات المتحدة في تنظيمها الشهر المقبل وتريد بطبيعة الحال لها النجاح تقف حائلا دون تنفيذ الهجوم في التوقيت الذي أعلن عنه.

وتظل هذه الأسباب مجرد تكهنات لا يمكن الجزم بصحتها، ولكن الثابت والواضح والمعلن عنه هو أن التأجيل تم بسبب طلب القادة الخليجيين الثلاثة، وهو الأقرب إلى الواقع والأكثر منطقية واتساقا مع معطيات وحيثيات الوضع الراهن بالمنطقة والذي هو نتاج عملي وانعكاس مباشر لتداعيات الحرب وتأثيراتها على دول المنطقة وليس مجرد استنتاجات نظرية أو اجتهادات عُرضة للخطأ.

نزول الرئيس ترامب عند طلب القادة الخليجيين واستجابته لرغبتهم - وهم حلفاء له بالمنطقة - في عدم تأجيج الصراع من جديد والدخول في أتون حرب تزيد من تعقيد المشهد المعقد أصلا، ومنح فرصة جديدة للدبلوماسية قد تحدث فرقا واختراقا يفضي إلى اتفاق ينهي الأزمة وتسوية شاملة ترتضيها جميع الأطراف وتعيد الأمن والاستقرار إلى المنطقة خاصة أن مياها كثيرة جرت تحت جسر الأزمة منذ آخر هدنة تم التوصل إليها.

هذه الاستجابة من الرئيس ترامب هي في حقيقتها (عودة حميدة) إلى جادة الصواب وإلى الوجهة الصحيحة والطريق المؤدية إلى حل النزاع بطريقة سلسة وهادئة ومثمرة، وهو الطريق الذي سلكته سلطنة عمان منذ البداية وتصدت له بوساطتها المشهودة بين الطرفين، والتي بدأتها بنجاح واستطاعت السير فيها بجد ومثابرة، وقطعت فيها أشواطا مقدرة، وتجاوزت بها عقبات عديدة بحنكة واقتدار بفضل دبلوماسيتها الهادئة وإحاطتها الكاملة بجذور الأزمة ومعرفتها بكيفية وضعها على طريق الحل. وقد شهد العالم على نجاح الدبلوماسية العمانية في السير بالمفاوضات بتدرج وتأنٍ، حتى أوشكت تبلغ الهدف، وكانت قاب قوسين أو أدنى من التوصل لاتفاق يلبي مطالب جميع الأطراف، لكن هدمه الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المفاجئ على إيران؛ فمن ثَمَّ تفاقمت الأزمة وتعقدت، وقد كانت على مرمى حجر من الحل.

وها هي واشنطن تعود مرة أخرى بعد ما يقرب من ثلاثة أشهر إلى المسار ذاته الذي فارقته وسلكت مسار القوة التي ظنت خطأ أنه قد يختصر لها الطريق نحو هدفها، عاد الرئيس ترامب إلى النقطة الأولى ذاتها، إلى الوساطة الخليجية، وهي وساطة نوعية؛ كونها معنية بالأزمة أكثر من غيرها؛ لأنها جزء أصيل وفاعل في هذا الجزء المهم والحيوي من العالم.

أفلح -إن صدق- ترامب في عودته إلى مسار التفاوض عبر وساطة خليجية تعرف كيف تتعاطى مع الأزمة بحكم أنها في قلب العاصفة، ولديها من الحكمة ما يكفيها للانخراط في مساعٍ مكثفة مع الجانبين تتوج باتفاق ينزع فتيل الأزمة، وينهي الحرب بلا رجعة. لكن هذا النجاح لن يتم إذا لم تكبح واشنطن جماح حليفتها تل أبيب التي ظلت تدق طبول الحرب، وما تزال تسعى جاهدة لحمل واشنطن على الاستمرار في الأخذ بخيار الحرب ونبذ السلام والتهدئة؛ تحقيقا لمصالحها، وإنفاذا لأجندتها الهادفة لنشر الدمار والخراب، وزعزعة الاستقرار في المنطقة بأسرها.

إن استطاع ترامب لَجم نتنياهو فإن فرص نجاح الجهود الخليجية في التوصل لاتفاق تكون أكبر في حجمها وأوسع في نطاقها وأشمل في نتائجها، والعكس صحيح.

من ناحية أخرى فإن الجانب الإيراني هو أقرب ما يكون في الوقت الراهن إلى التهدئة والعودة للمسار التفاوضي؛ فدخول الرياض والدوحة وأبوظبي على خط التهدئة في هذا التوقيت، وتأكيد هذه العواصم على وجود فرص سانحة لنجاح المسار الدبلوماسي من الراجح أن يكون نتاجا لاتصالات ومشاورات تمت مع طهران كانت بمثابة ضوء أخضر لها بالانخراط في مساعٍ جديدة لا تَجُب الوساطة الباكستانية، لكنها تتكامل معها وتعطيها دفعة مهمة هي في أمس الحاجة إليها، بل أكثر من ذلك؛ فإن طرفي الحرب أمريكا وإيران كليهما في مأزق وفي أمسّ الحاجة لطرف ثالث يخرجهما منه؛ فواشنطن مضغوطة داخليا بأزمات اقتصادية ناتجة عن الحرب ومحاصرة بعامل الوقت، وطهران هي الأخرى تواجه شبح الانهيار الاقتصادي وتصدع الجبهة الداخلية، وفقدان السيطرة على دفة الأمور فيما لو عادت لخيار الحرب مرة أخرى إضافة إلى عامل مهم آخر، وهو إمكانية أن تستعيد علاقاتها مع جيرانها الخليجيين ورأب ما تصدع منها بسبب الحرب؛ هذه العلاقات التي تحتاج إليها إيران بشدة بعد الحرب، ولا يمكن أن تستغني عنها بحكم الجغرافيا وتشابك الروابط والعلائق والمصالح العريضة التي تجمعها بدول المنطقة عامة، والخليج خاصة.

ولكي تؤتي هذه المساعي الجديدة ثمارها لا بد للطرفين من التحلي بالصبر خاصة الطرف الأمريكي الذي لطالما كان دائما متعجلا. وهذه النقطة أشارت إليها الخارجية القطرية التي أشارت إلى أن المساعي الحالية تحتاج إلى مزيد من الوقت حتى تؤتي أكلها، وهي حقيقة لا جدال فيها؛ فالحرب (هدم)، والهدم يحدث في وقت وجيز بينما السلام (بناء)، والبناء يأخذ وقتا أطول، وعلى واشنطن أن تعطي اعتبارا خاصا لدول المنطقة وأن تراعي مصالحها، وتمنح مساعيها مساحة أكبر للحركة، ووقتا أطول؛ فهي مؤهلة تماما لإنجاز مهمة تحقيق السلام، وإنهاء الحرب، والعودة إلى الوضع الطبيعي.

ويبقى على الطرف الإيراني أن يعيد النظر في سياسته تجاه دول الجوار، ويظهر قدرا أكبر من الاحترام لسيادة هذه الدول، ومراعاة مبادئ حسن الجوار معها، واللجوء للوسائل السلمية لحل الخلافات، وترسيخ معاني الإخاء والتعاون وتغليب الحكمة، والابتعاد عن كل ما يؤدي إلى تعكير صفو العلاقات؛ لأن ذلك يحقق له مكاسب عديدة سيجني ثمارها في مرحلة ما بعد الحرب. ويمكن القول -ولكن بحذر-: إن النتائج ستكون إيجابية للغاية فيما لو أتيحت الفرصة كاملة للجهود والمساعي الخليجية لتتكامل مع جهود إسلام آباد مع توفر إرادة قوية ونوايا صادقة وعزم أكيد على إنهاء الحرب وإحلال السلام.