تحقيق - عهود الجيلاني وليلى الحسني


تؤكد أمهات لأطفال مصابين باضطراب طيف التوحد ممن تجاوزوا سن الثامنة عشرة أن رحلتهن اليومية مع أبنائهن مليئة بالتحديات النفسية والاجتماعية والمادية، في ظل محدودية الخدمات التأهيلية المتخصصة وضعف برامج الدعم الموجهة لهذه الفئة. وتروي الأمهات معاناة يومية في توفير الرعاية والتأهيل والتدريب المناسب لأبنائهن، في ظل غياب المراكز المتكاملة وارتفاع الأعباء المالية، وهو ما يزيد من صعوبة دمج أبنائهن في المجتمع، ويضاعف من حجم المسؤولية الواقعة على كاهل الأسر، وسط مطالب متكررة بتعزيز الخدمات الصحية والتعليمية والتأهيلية، وتوفير بيئة أكثر احتواءً وشمولًا تضمن لهم حياة أكثر استقرارًا واستقلالية وكرامة إنسانية.
وكشف تحقيق صحفي أجرته صحيفة "عُمان" الحاجة الملحة إلى تكامل الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بعد سن الثامنة عشرة، مع التأكيد على أهمية توسيع رقعة الخدمات خارج محافظة مسقط، واستحداث برامج انتقالية واضحة تُسهم في سد الفجوة بين مرحلتي الطفولة والرشد. ورغم الجهود المبذولة من قبل الجهات الحكومية والأهلية، فإن الواقع يشير إلى أن الوضع لا يزال يتطلب بلورة رؤية وطنية شاملة، تدعم الأسر، وتضمن استدامة الخدمات، وتعزز فرص التمكين الحقيقي والاندماج الكامل لهذه الفئة في المجتمع، بوصفها جزءًا فاعلًا لا يتجزأ من نسيج التنمية الوطنية.
وتشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن إجمالي عدد حالات طيف التوحد بلغ 3976 حالة، منها 3854 حالة من العمانيين، يشكلون نسبة 97% من المصابين، فيما بلغ عدد الوافدين 122 حالة يشكلون نسبة 3%. وشكل الذكور ما نسبته 79% بعدد 3138 حالة، بينما وصل عدد الإناث إلى 838 حالة بنسبة 21%.
كما تشير الإحصائيات إلى أن الفئات الأعلى والمسجلة في البيانات الوطنية بعمر 5–9 سنوات بلغت 1450 حالة، وأن أكثر من 60% من الحالات تتركز بين 5 و14 سنة، وفي الفئة العمرية 15-19 سنة تشكل النسبة 20% بعدد 793 حالة، أما من هم بعمر 20 سنة فأكثر فبلغ عددهم 239 حالة، شكلوا ما نسبته 6%.
وبحسب المحافظات، تشير الإحصائيات إلى أن أكثر الحالات تتركز في محافظة مسقط بعدد 1295 حالة بنسبة 33%، تليها محافظة شمال الباطنة بنسبة 19% بـ765 حالة، وجنوب الباطنة بـ498 حالة بنسبة 13%، وفي محافظة ظفار 350 حالة، والداخلية 320 حالة، بينما سجلت بقية المحافظات أعدادًا أقل من حالات طيف التوحد، حيث سجلت محافظة الوسطى 23 حالة، فيما بلغت الحالات في محافظة مسندم 26 حالة، ومحافظة البريمي سجلت 88 حالة، وفي محافظة شمال الشرقية بلغت الحالات 161 حالة، ومحافظة جنوب الشرقية 294 حالة، ومحافظة الظاهرة 156 حالة، وقد يشير ارتفاع الحالات في محافظتي مسقط وشمال الباطنة إلى الكثافة السكانية أو توفر خدمات التشخيص أو الوعي الأسري.

تجارب الأمهات
تتحدث أم آلاء وطاهر الوهيبي عن تجربتها اليومية في التعامل مع ابنيها من ذوي اضطراب طيف التوحد، موضحةً أنها تبذل جهدًا كبيرًا في تربيتهما رغم محدودية الإمكانيات. فهي تحرص على احتضانهما والتقرب منهما والتواصل معهما بكل الطرق الممكنة، حتى إنها أحيانًا تبكي أمامهما وتشاركهما مشاعرها في محاولة لفهمهما ومساعدتهما والتخفيف من الضغوط التي يعيشانها.
وتشير إلى التحديات السلوكية التي تواجهها، حيث تعاني ابنتها من نوبات غضب مفاجئة نتيجة عدم قدرتها على الخروج أو ممارسة الأنشطة التي تحبها مثل الرحلات والسباحة، بينما يظهر ابنها فرحًا شديدًا عند إتاحة فرصة بسيطة للعب، وهو ما يعكس حاجتهما الكبيرة إلى الترفيه والتفريغ النفسي، إلا أن الظروف المادية لا تسمح بتوفير ذلك بشكل مستمر.
كما تعبّر الأم عن معاناتها في جانب التدريب والتأهيل؛ إذ تعتمد بشكل كبير على نفسها في تعليم أطفالها بسبب عدم توفر برامج تدريبية كافية أو مراكز متخصصة ذات جودة عالية، إلى جانب شعورها بنقص الخبرة والمعرفة في كيفية التعامل الصحيح معهما، خاصة مع تقدمهما في العمر وتزايد احتياجاتهما.
وتنتقد اعتماد بعض الجهات الصحية على الأدوية المهدئة بوصفها حلًا أساسيًا، معتبرةً أن ذلك قد يضر الأطفال أكثر مما ينفعهم، مؤكدة أنهم بحاجة إلى برامج تدريب وتأهيل متخصصة بديلة عن الإفراط في استخدام الأدوية.
كما تستشهد بتجارب أخرى سمعت عنها، تحسن خلالها بعض الأطفال من خلال الجلسات التأهيلية دون الحاجة إلى العلاج الدوائي.
كما تشتكي من ضعف الخدمات المقدمة في بعض المراكز، مثل ضيق المساحات وعدم توفر بيئة مناسبة، إلى جانب غياب الرقابة على بعض المختصين، وعدم مراعاة الاحتياجات النفسية والجسدية للأطفال، كالحاجة إلى اللعب والحركة في أماكن آمنة ومهيأة.
وتؤكد أن أطفال التوحد يمتلكون قدرات وذكاءً مميزًا، إلا أنهم بحاجة إلى من يفهمهم ويوجههم ويعمل على تطوير مهاراتهم بشكل علمي وصحيح.
وفي ختام حديثها، طالبت بتوفير مراكز متخصصة متكاملة، وتعزيز الرقابة على جودة الخدمات، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية فعالة تسهم في دعم الأطفال وأسرهم، وتمكّنهم من الاندماج في المجتمع وتحقيق مستقبل أكثر استقرارًا واستقلالية.

ضغوط نفسية ومادية
وفي قصة أخرى تكشف حجم المسؤولية التي تقع على أم البراء بن سالم الراسبي من محافظة جنوب الشرقية، والتي تقول: تجاوز ابني البراء عمر العشرين عامًا، وهو مصاب باضطراب طيف التوحد، وقد تم تشخيصه في سن متأخرة، وتلقّى التأهيل في أحد مراكز الأشخاص ذوي الإعاقة التي كانت تضم وحدة خاصة بالتوحد، إلا أن الخدمات توقفت بعد بلوغه سن التاسعة عشرة؛ بحجة انتقاله إلى مرحلة التأهيل والتدريب المهني. بعد ذلك، بقي في المنزل قرابة عامين دون أي برامج تأهيلية، ما شكّل تحديًا كبيرًا لنا نحن أسرته، واضطر والده إلى التقاعد لمتابعة حالته، وكان ذلك من أصعب القرارات لما ترتب عليه من ضغوط نفسية ومادية.
وتابعت بقولها: قررنا لاحقًا تسجيله في المركز الوطني للتوحد في مسقط، وقد تم قبوله، إلا أننا واجهنا تحديات جديدة، إذ اضطر والده إلى استئجار غرفة ليقيم فيها مع ابنه بالقرب من المركز، ما أدى إلى زيادة الأعباء المالية وترك آثار نفسية سلبية عليهما. كما حُرم البراء من دفء الأسرة ومن نمط حياته السابق، حيث كان يخرج مع إخوته ويشاركهم أنشطتهم، قبل أن ينتقل إلى بيئة مختلفة تمامًا من منزل واسع إلى غرفة صغيرة، وهو ما أسهم في ظهور سلوكيات مثل العصبية والتوتر وتقلب المزاج.
وتؤكد أن البراء في هذا العمر بحاجة ماسة إلى الاندماج في المجتمع، باعتباره جزءًا أساسيًا من مسار التأهيل، خاصة أن من أبرز تحديات التوحد ضعف التواصل الاجتماعي.
ومن أكبر التحديات التي تواجه الأسرة أيضًا مسألة التعليم، حيث لم تتح له فرصة التعليم الأساسي، ولا تزال هذه الفئة تعاني من حرمان نسبي من الحق في التعليم، رغم الإيمان بأن التعلم لا يرتبط بعمر محدد.
وتضيف: نطالب الجهات المختصة بإنشاء منظومة متكاملة تتبنى هذه الفئة، وتدعم أولياء الأمور في رسم مسار واضح لأبنائهم، بدءًا من التشخيص مرورًا بالتأهيل وصولًا إلى التوظيف والاستقلالية وتكوين أسرة. كما نأمل بوجود تنسيق فعّال بين الجهات المختلفة مثل وزارة الصحة ووزارة التنمية الاجتماعية ووزارة التربية والتعليم والأندية، لضمان تكامل الخدمات. كما نؤكد أهمية دعم الأهالي نفسيًا، فالأم التي لديها طفل من ذوي التوحد تواجه صعوبات كبيرة في المشاركة المجتمعية، ما يستدعي تعزيز التوعية المجتمعية لتقبّل هذه الفئة والتعامل الصحيح معها. ونطالب كذلك بفتح مراكز للتأهيل المهني في مختلف المحافظات، لتمكين هؤلاء الشباب من اكتساب مهارات تساعدهم على أن يكونوا أفرادًا منتجين ومستقلين وقادرين على حفظ كرامتهم، إلى جانب توفير فحوصات طبية دورية لهذه الفئة، نظرًا لصعوبة تعبيرهم عن الألم أو الشكوى في كثير من الأحيان.
وتصف أم شهد، والدة فتاة مصابة بالتوحد تبلغ من العمر 12 عامًا، هذه المرحلة بأنها الأصعب، إذ إن ابنتها التي كانت هادئة في طفولتها أصبحت مع التقدم في العمر أكثر صعوبة، وأحيانًا تُظهر سلوكيات عنيفة تجاه الآخرين. وقد دفعت هذه التغيرات الأسرة للبحث عن مراكز تأهيل متخصصة، خصوصًا في الفترات المسائية، في ظل صعوبة الحصول على خدمات مناسبة خلال هذا الوقت، بينما تذهب في الفترة الصباحية إلى مدرسة خاصة للتربية الخاصة.
وتشير أم شهد إلى أن بعض المراكز التأهيلية لا تقدم مستوى الخدمة المأمول رغم ما تروّج له من برامج تأهيلية وتمكينية، ما يشكل عبئًا إضافيًا على الأسرة. ومن جهة أخرى، تعاني المراكز الحكومية من محدودية العدد والخدمات، خصوصًا لفئة البالغين، ما يترك فجوة واضحة في منظومة الدعم المقدمة لهذه الفئة.
وتعبر الأم عن قلقها من بلوغ ابنتها سن الثامنة عشرة والانتقال من خدمات الطفولة إلى خدمات البالغين، وما يرافق ذلك من بحث عن برامج تأهيلية متخصصة تركز على تنمية مهارات الاستقلالية والاندماج المجتمعي، مما يثير مخاوفها من عدم حصول ابنتها على الدعم والتأهيل المناسب مستقبلًا. كما تدعو إلى توفير المزيد من الدعم للأسر لمساعدتها على فهم التغيرات النفسية والعاطفية التي تصاحب المصابين بطيف التوحد، في ظل شعور كثير من الأسر بالعزلة نتيجة نقص التوجيه والإرشاد.

واقع الجمعيات الأهلية
وقالت الدكتورة علية بنت سالم الغابشي، رئيسة مجلس إدارة الجمعية العُمانية للتوحد: إن الخدمات المقدمة للبالغين من ذوي اضطراب طيف التوحد لا تزال محدودة ولا تواكب الاحتياج الفعلي والمتزايد لهذه الفئة، حيث تتركز بعض الخدمات في نطاق جغرافي ضيق، وعلى رأسها المركز الوطني للتوحد في مسقط، الأمر الذي يضع قيودًا على إمكانية الوصول ويحدّ من الاستفادة على مستوى المحافظات.
وأضافت أن برامج التدريب المهني المتوفرة في مراكز الوفاء التابعة لوزارة التنمية الاجتماعية، رغم أهميتها، لا تزال محدودة من حيث التنوع والتخصصات، كما أنها لا ترتبط في كثير من الحالات بمسارات واضحة ومضمونة تقود إلى التوظيف الفعلي والاستدامة المهنية، وهو ما يُبقي الخريجين في دائرة الانتظار بدل الانتقال إلى سوق العمل.
وبشكل عام، تشير الغابشي إلى وجود فجوة واضحة في المنظومة الحالية الموجهة للبالغين، إذ تغيب منظومة متكاملة تشمل التعليم المستمر، والتأهيل المهني المتخصص، والرعاية الصحية والسلوكية طويلة الأمد، إضافة إلى برامج الاستقلال المعيشي وجودة الحياة، وهي عناصر تُعد أساسية لضمان دمج حقيقي ومستدام لهذه الفئة في المجتمع.
وعن الفجوات بين خدمات الأطفال والبالغين، أوضحت أن خدمات الطفولة تتميز بكونها أكثر تنظيمًا وتنوعًا، بينما يحدث تراجع ملحوظ في حجم ونوعية الخدمات بعد سن الثامنة عشرة، في ظل غياب مسارات انتقالية واضحة ومهيكلة نحو التعليم المستمر أو التدريب المهني أو التوظيف. هذا الانقطاع المفاجئ في الخدمة يضع الأسر أمام مرحلة حرجة تتسم بالفراغ الخدمي وغياب البدائل.
كما لفتت إلى أن خدمات الاستقلال المعيشي، والدعم الصحي والسلوكي المستمر، والأنشطة الاجتماعية الموجهة للبالغين لا تزال محدودة للغاية، وهو ما ينعكس مباشرة على جودة حياة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد ويحد من فرص اندماجهم الفعلي في المجتمع.
وأضافت أن أبرز التحديات تتمثل في غياب البدائل بعد انتهاء مرحلة التعليم أو التأهيل، مما يضع الأسر أمام مسؤولية كاملة وشبه منفردة في إدارة مختلف جوانب الحياة اليومية لأبنائهم، في ظل نقص الخدمات المساندة. وتزداد هذه التحديات تعقيدًا مع محدودية البرامج الداعمة، ما يضاعف الأعباء النفسية والاجتماعية والاقتصادية على الأسرة.
أما فيما يتعلق بخدمات الاستقلال المعيشي والسكن، فأكدت أنها شبه غائبة في المنظومة الحالية، رغم كونها من أكثر الاحتياجات إلحاحًا لدى الأسر، خصوصًا للحالات التي تتطلب دعمًا مستمرًا. ويشكّل هذا الغياب تحديًا ممتدًا قد يدفع بعض الأسر إلى البحث عن بدائل خارجية، رغم ما يرافق ذلك من كلفة مادية ونفسية مرتفعة، ما يبرز الحاجة الملحة إلى تطوير هذه الخدمات محليًا بشكل مؤسسي ومستدام.
وحول العقبات التمويلية والتشغيلية، أفادت بأن توسيع خدمات البالغين يتطلب تمويلًا مستدامًا يتناسب مع طبيعتها طويلة الأمد، إلى جانب الحاجة إلى كوادر بشرية متخصصة ومؤهلة في الجوانب التعليمية والصحية والتأهيلية، بما يضمن تقديم خدمات نوعية قادرة على إحداث أثر حقيقي وملموس.
وأضافت: إن التحدي لا يكمن في غياب المبادرات، بل في غياب مسار متكامل يمتد مع الفرد بعد سن الثامنة عشرة، وهو ما يجعلنا في حاجة ماسة إلى حلول تدريجية ومترابطة تُبنى على مراحل، وتستهدف تكوين حياة متكاملة للبالغين من ذوي اضطراب طيف التوحد.
وأوضحت أن هذه الحلول يمكن تصنيفها إلى ثلاث مستويات:
1- قصيرة المدى: وتتمثل في تفعيل التدريب أثناء العمل، وتوفير برامج يومية منظمة لتنمية المهارات الحياتية، مع ضمان استمرار الدعم الصحي والسلوكي وعدم انقطاعه، باعتباره الأساس في استقرار الحالة.
2- متوسطة المدى: وتشمل تطوير برامج انتقالية حقيقية تربط بين التأهيل المهني وفرص العمل الفعلية، إلى جانب دعم الأفراد في مساراتهم المختلفة، سواء في التعليم العالي أو المسار المهني، بما يضمن استمرارية النمو والتكيف بدل التوقف المفاجئ عند نهاية مرحلة التعليم.
3- طويلة المدى: وتتمثل في بناء منظومة وطنية متكاملة تشمل التعليم والصحة والتأهيل والتوظيف، مع توفير بيئة داعمة للاستقلال المعيشي داخل الأسرة، إضافة إلى توفير سكن تأهيلي أو مدعوم للحالات التي تحتاج إلى مستويات دعم عالية، بما يضمن جودة حياة كريمة ومستدامة.
وأكدت أن هذا التصور لا يهدف فقط إلى تقديم خدمات، بل إلى إعادة صياغة مفهوم الرعاية ليصبح “تمكينًا مستمرًا” يرافق الفرد طوال حياته.
ومن جانبها، قالت خديجة بنت ناصر الساعاتي، رئيسة مجلس إدارة جمعية الأطفال ذوي الإعاقة، إن الجمعية تُعد إحدى الجهات الفاعلة في سلطنة عُمان في مجالات الدعم والتأهيل والتدريب للأطفال من ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم، مشيرة إلى أن لديها ثمانية فروع في مختلف الولايات، تسعى من خلالها إلى توسيع نطاق الخدمات وضمان وصولها إلى أكبر شريحة ممكنة.
ورغم هذا الانتشار، أوضحت الساعاتي أن الجمعية تواجه تحديات متعددة تؤثر على جودة وكفاءة المتابعة، خاصة في الولايات البعيدة، الأمر الذي يفرض تحديًا دائمًا في تحقيق العدالة في تقديم الخدمة بين المركز الرئيسي في مسقط والفروع في الولايات.
وأضافت أن المركز الرئيسي غالبًا ما يشكل نقطة انطلاق للمبادرات والبرامج النوعية، بينما تعمل الفروع كأذرع تنفيذية تسعى إلى محاكاة هذا المستوى رغم التحديات اللوجستية والبشرية، بهدف ضمان وصول الخدمة لكل طفل بغض النظر عن موقعه الجغرافي، وهو ما يتطلب جهودًا مضاعفة للحفاظ على مستوى موحد من الجودة.
وفيما يتعلق بحجم التحديات الميدانية، قالت الساعاتي إن التحديات في الجمعية مركبة؛ فمن جهة هناك بُعد المسافات بين التجمعات السكانية ومواقع بعض المراكز، ما يجعل وصول الطفل إلى جلساته التأهيلية عملية مرهقة قد تؤثر على انتظامه واستمراريته العلاجية.
ومن جهة أخرى، يبرز تحدي الوعي المجتمعي في بعض الولايات، إذ رغم الجهود الكبيرة المبذولة في التوعية والتثقيف، لا تزال هناك حاجة لتعزيز الفهم بأهمية التدخل المبكر والكشف المبكر والاستمرارية في التأهيل، باعتبارها عناصر حاسمة في تحسين نتائج الأطفال على المدى البعيد.
وأكدت أن نقص الكوادر المتخصصة في بعض المناطق، خاصة البعيدة، يمثل أحد أبرز التحديات، حيث يؤدي إلى زيادة الضغط على المختصين الحاليين وارتفاع قوائم الانتظار، وقد يحدّ من تنوع وجودة الجلسات التأهيلية، خصوصًا في مجالات مثل علاج النطق والعلاج الوظيفي وتحليل السلوك التطبيقي.
وأشارت إلى أن الجمعية تعمل على مواجهة هذا النقص عبر برامج تدريبية نوعية ومكثفة، وإطلاق مبادرات تأهيلية مبتكرة مثل برامج المهارات الحياتية، والألعاب التعليمية، والأنشطة التقنية والرياضية والمهنية، إلا أن الحاجة لا تزال قائمة لاستقطاب كوادر متخصصة قادرة على العمل والاستقرار في الولايات.
وأضافت أن ضعف خدمات النقل في بعض الولايات يشكل عائقًا إضافيًا أمام انتظام الحالات في الجلسات، حيث لا تمتلك الجمعية القدرة الكافية على تغطية جميع المناطق بخدمات نقل منتظمة، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على استمرارية التأهيل، التي تُعد عنصرًا أساسيًا في نجاح أي برنامج علاجي.
واختتمت بالتأكيد على تطلع الجمعية إلى دعم يركز على استدامة الخدمات، وتطوير منظومة نقل شاملة تغطي مختلف المناطق، إلى جانب تقديم حوافز جاذبة لاستقطاب الكوادر المتخصصة للعمل في الولايات البعيدة، وتعزيز الشراكات المجتمعية في حملات التوعية، بما يسهم في بناء بيئة أكثر احتواءً ودعمًا للأطفال من ذوي الإعاقة وأسرهم.
خطط توسع وبرامج انتقالية
من جانبها، توضح رؤى بنت خالد العامري، أخصائية تأهيل توحد بوزارة التنمية الاجتماعية، أن مرحلة ما بعد سن الثامنة عشرة تُعد محطة انتقالية مفصلية في حياة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد وأسرهم، إذ ينتقل الفرد من مرحلة المراهقة إلى الرشد، مصحوبًا بتحديات جديدة تتعلق بالاستقلالية والدعم الوظيفي والاجتماعي. وتعتمد الخدمات المقدمة في هذه المرحلة على مبدأ الفروقات الفردية بين الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، حيث تُقدم وزارة التنمية الاجتماعية جملة من الخدمات النفسية والسلوكية والمهنية لحالات اضطراب طيف التوحد في هذه المرحلة من خلال المراكز التابعة لها.
وحول التحديات التي تواجه الأسر بعد بلوغ أبنائهم المصابين بالتوحد سن الثامنة عشرة، تشير العامري إلى جملة من التحديات في هذه المرحلة، أبرزها كيفية التعامل مع التغيرات الطبيعية المصاحبة لمرحلة البلوغ، وفهم الضغوط النفسية والسلوكية التي قد تتضاعف نتيجة التغيرات الجسدية والعاطفية. ويزداد العبء على الوالدين مع الحاجة إلى إشراف ورعاية مستمرة، خاصة مع تزايد القوة الجسدية للأبناء وتقدم الوالدين في العمر، مما يشكل ضغطًا جسديًا ونفسيًا كبيرًا عليهما. كما تعاني الأسر من محدودية فرص التعليم العالي المهيأ، وصعوبة إيجاد فرص عمل داعمة أو الاستمرار فيها، الأمر الذي يستدعي توفير دعم انتقالي مكثف ومستدام.
وتضيف: تضطلع وزارة التنمية الاجتماعية بدور محوري في هذا الجانب، من خلال تنفيذ البرامج والمشاريع والمبادرات التشاركية بالتعاون مع مختلف الجهات الحكومية، بهدف تطوير السياسات وتحسين جودة الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد.
وتعمل الوزارة كذلك على تنفيذ التوجيهات السامية بإنشاء مركز لرعاية وتأهيل الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد بمحافظة مسقط، وتوسيع نطاق الخدمات في جميع محافظات السلطنة، فضلًا عن تعزيز الوعي بحقوق هذه الفئة عبر الملتقيات والفعاليات المجتمعية.
وتضيف: في ضوء السعي إلى تطوير الخدمات المقدمة للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد والرقي بها، عملت الوزارة في عام 2023 على تنفيذ مختبر تطوير خدمات وبرامج الأشخاص ذوي الإعاقة، وخرج المختبر بمبادرات متعددة من شأنها توفير خدمات تعليمية لحالات اضطراب طيف التوحد، كمبادرة شراء الخدمات التعليمية لحالات اضطراب طيف التوحد، وأيضًا مبادرة الدمج الشامل، ومبادرة توصيف الوظائف الخاصة بالأشخاص ذوي الإعاقة.
وحول كيف يمكن للمجتمع تحسين فهمه للتوحد ودعم الأشخاص المصابين وأسرهم، أجابت بأنه يتحقق من خلال تكثيف حملات التوعية المستمرة، وإطلاق مبادرات تعزز ثقافة القبول والاندماج المجتمعي، والتأكيد على أن العديد من الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد يمتلكون قدرات ومواهب متميزة في مجالات فنية وموسيقية ودينية وغيرها. كما يُعد تصحيح المفاهيم الخاطئة، وإدراج معلومات عن اضطراب طيف التوحد في المناهج الدراسية، وغرس قيم تقبل الاختلاف في نفوس الأطفال منذ الصغر، من الركائز الأساسية لبناء مجتمع داعم.
وحول اختلاف احتياجات البالغين المصابين بالتوحد بشكل كبير، أوضحت أن دور الوزارة يتمثل في الإرشاد والتوعية اللازمة للتعامل مع متطلبات هذه المرحلة، التي تشهد تغيرات جسدية ونفسية وعاطفية، وقد يصاحبها ظهور بعض السلوكيات غير المرغوبة. ويركز دور الوزارة على إعداد الإرشادات والخطط، وتصميم البرامج السلوكية والعلاجية المبنية على أسس علمية وفق كل مرحلة عمرية، لمساعدة الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد على تجاوز هذه المرحلة بنجاح.
وقد قدمت الوزارة عددًا من البرامج التدريبية في هذا المجال، أحدها برنامج تحليل السلوك التطبيقي، والذي جاء بهدف إكساب الأخصائيين العاملين في مراكز الوفاء لتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة الحكومية والمركز الوطني للتوحد ، كما أن مثل هذه البرامج التخصصية يتم تقديمها للأسر، كونهم الحاضن الأول لطفل التوحد، حيث تقوم الوزارة، من خلال مراكزها المنتشرة في كافة محافظات السلطنة، بتنفيذ البرامج الإرشادية للأسر بشكل مستمر، ومن هذه البرامج التي تم تقديمها، برنامج "الجلسات التدعيمية"، والذي يستهدف أمهات الملتحقين بالمركز الوطني للتوحد، لتقديم الدعم والمساندة المعلوماتية والاجتماعية والنفسية للأمهات، وتوجيههن وإرشادهن للتعامل مع أطفالهن بطريقة علمية.
مشيرة إلى أن أبرز الصعوبات المرصودة لدى الأسر بعد تجاوز أبنائهم سن الثامنة عشرة تتمثل في كيفية ضبط السلوك، وتعليم الأبناء التعامل السليم مع التغيرات المرتبطة بهذه المرحلة العمرية، إضافة إلى قلق الأسر بشأن مستقبل أبنائهم واستقلاليتهم، في ظل محدودية فرص التأهيل أو الاندماج في سوق العمل.
وعن المراكز المتاحة، توضح الأخصائية أن المركز الوطني للتوحد بمحافظة مسقط يأتي في مقدمة البرامج، وهو الأول من نوعه في سلطنة عُمان، حيث يضم أهم التجهيزات والمعدات الحديثة التي تقدم من خلالها مجموعة من الخدمات، وهي: العلاج السلوكي، وعلاج النطق واللغة، والعلاج الوظيفي، والتأهيل المهني للأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد.
وإلى جانب ذلك، تأتي مراكز الوفاء لتأهيل الأشخاص ذوي الإعاقة التي تقدم برامج الرعاية والتأهيل للأشخاص ذوي الإعاقة، وتشمل الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد، ومركز التأهيل المهني التابع لدائرة المراكز التخصصية، والذي يُعنى بتقديم برامج تدريبية ومهنية في مجالات متنوعة كالحرف اليدوية والنجارة والحدادة والخياطة والزراعة، كما تتوفر وحدات للتوحد في محافظة ظفار بولاية صلالة، ومحافظة جنوب الشرقية بولاية صور، ومحافظة شمال الباطنة بولاية صحار.
بالإضافة إلى ما سبق، تأتي مراكز التأهيل الخاصة، التي تقع تحت مظلة وزارة التنمية الاجتماعية، حيث تقوم الوزارة بشراء الخدمات التأهيلية من خلال هذه المراكز، والبالغ عددها 137 مركزًا حكوميًا وأهليًا وخاصًا.
وعن آلية تعامل الوزارة مع محدودية المراكز المتخصصة لمن هم فوق سن 18، أكدت الأخصائية أن الوزارة تعمل على إنشاء وتوسعة المراكز المتخصصة، وتحظى هذه الجهود باهتمام سامٍ، حيث صدرت أوامر سامية باعتماد مبلغ 7 ملايين ريال عُماني لإنشاء مركز اضطراب طيف التوحد للرعاية والتأهيل، بما يسهم في الارتقاء بجودة الخدمات.
كما دعمت الوزارة توفير خدمات التوحد عبر القطاع الخاص في المحافظات، واستكملت تنفيذ مشروع المجمع التأهيلي بمدينة السلطان هيثم، الذي يضم قسمًا خاصًا لتأهيل حالات اضطراب طيف التوحد. إضافة إلى ذلك، تشجع الوزارة القطاع الخاص على إنشاء مراكز متخصصة، وتقوم بشراء خدمات التأهيل للحالات على نفقة الوزارة.
ووجهت الأخصائية رسالة لأهالي المصابين بالتوحد القلقين على مستقبل أبنائهم بقولها: إن وزارة التنمية الاجتماعية تدرك حجم القلق الذي تعيشه الأسر، وتطمئنهم باستمرار دعمها لأبنائها حتى بعد مرحلة التعليم، من خلال تطوير برامج انتقالية وتأهيلية علمية دقيقة، تركز على تنمية المهارات الحياتية والاجتماعية والمهنية وفق قدراتهم واحتياجاتهم، إلى جانب توفير فرص التدريب والتأهيل المهني، ودعم مبادرات التشغيل والتوظيف، بما يضمن بيئة دامجة تعزز الاستقلالية والمشاركة المجتمعية.

التشخيص المبكر
وقالت الدكتورة عُلا بنت خالد السالمي، طبيبة اختصاصية في الطب النفسي للأطفال واليافعين، والاضطرابات النمائية والتوحد بمستشفى المسرة: يبرز الاهتمام باضطراب طيف التوحد في ظل تزايد الوعي المجتمعي، مشيرةً إلى أهمية توسيع نطاق الخدمات واستشراف مستقبل خدمات التوحد في السلطنة خلال السنوات القادمة، خاصة لفئة اليافعين والبالغين الذين يواجهون تحديات متعددة تتعلق بالتشخيص والاستقلالية والاندماج المجتمعي.
وأوضحت: من المعروف أنه لا يوجد علاجٌ شافٍ لاضطراب طيف التوحد، لكن هناك مجموعة من التدخلات المبنية على الأدلة التي تهدف إلى تحسين جودة الحياة والوظائف الحياتية اليومية لدى اليافعين والبالغين.
وتختلف التدخلات المُوصى بها بناءً على المرحلة العمرية وشدة الحالة، بالإضافة إلى الصعوبات والاضطرابات لكل حالة على حدة. ففي مرحلة الرشد نتحول من التركيز على أساسيات تعديل السلوك إلى مستوى التمكين الوظيفي والاستقلالية.
من أهم التدخلات العلاجية الدعم النفسي الموجّه، ويتمثل ذلك في العلاج المعرفي السلوكي المعدّل، وهو فعّال خصوصًا لعلاج القلق والاكتئاب، مع مراعاة أن يكون أسلوب المعالجة متوافقًا مع احتياجات المصابين بالتوحد، ومنسجمًا مع قدراتهم في استقبال وفهم المعلومة والقدرة على تطبيقها. وكذلك التدريب على المهارات الاجتماعية، ويهدف هذا التدخل إلى مساعدة الشخص على فهم الإشارات الاجتماعية وإدارة المواقف اليومية في بيئة العمل أو خلال لقاءاته بالآخرين وعند بناء العلاقات الاجتماعية. بالإضافة إلى الدعم الوظيفي والمهني من خلال برامج التوظيف المدعوم، وتكييف بيئة العمل بحيث يتم توضيح المهام وتقليل المثيرات الحسية وتوفير جداول عمل واضحة، وهو عامل حاسم في تحسين الاستقرار النفسي لدى المصاب باضطراب طيف التوحد.
وأضافت: يُستخدم العلاج الدوائي عند الحاجة، فهو لا يعالج التوحد نفسه، لكنه يُستخدم لعلاج الحالات المصاحبة مثل القلق والاكتئاب أو اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو بعض الأمراض التي قد تكون مصاحبة مثل الصرع.
كما هناك الدعم والتنظيم الحسي الذي يتم عبر استراتيجيات عملية مثل توفير بيئات هادئة وأدوات حسية وتنظيم التعرض للمثيرات، لأن الاضطراب الحسي يستمر في كثير من الحالات خلال سن الرشد.
وبيّنت السالمي أن سمات التوحد لدى البالغين قد تكون أقل وضوحًا من مرحلة الطفولة، حيث تظهر في صورة صعوبات في التفاعل الاجتماعي وفهم الإشارات غير اللفظية والتمسك بالروتين، إلى جانب طريقة إدراك الأمور والأحداث، إذ يتبعون طريقة تفكير صارمة لا تتسم بالمرونة، مع وجود صعوبة في تقبل آراء الآخرين، وكثير منهم لا يمتلك مرونة في مناقشة الفكرة أو في التنازل عن آرائهم.
هذا بالإضافة إلى وجود أنماط متكررة من السلوكيات أو الممارسات اليومية وصعوبة في التكيف مع التغيير المفاجئ، والاختلافات الحسية التي تتمثل في وجود حساسية مفرطة للصوت أو الضوء أو الروائح، أو نقص في الحساسية للألم أو الجوع أو العطش. كما يمكن أن تتمثل الاختلافات الحسية في شكل بحث عن المؤثرات الحسية لإشباع الاحتياجات الحسية. كما يعاني بعضهم من الإرهاق الاجتماعي، ويتمثل ذلك في الشعور بالإجهاد بعد التفاعل الاجتماعي، خصوصًا لمن يستخدمون ما يُعرف بـ"التقنع الاجتماعي"، حيث يُلاحظ أن كثيرًا من البالغين، وخاصة ذوي الذكاء الجيد أو الإناث، يبدون متكيفين ظاهريًا لكنهم يعانون داخليًا من ضغط نفسي كبير.
وعن تطور الأعراض، أشارت إلى أن طبيعة التحديات تتغير مع التقدم في العمر؛ ففي مرحلة الطفولة تكون الأعراض أكثر وضوحًا مثل التأخر اللغوي وضعف التفاعل والتواصل ووجود سلوكيات متكررة. أما في مرحلة المراهقة فتزداد التحديات الاجتماعية ويظهر الوعي بالاختلاف، ما قد يؤدي إلى القلق أو الانسحاب. بينما في مرحلة البلوغ أو الرشد تتحسن بعض المهارات، خصوصًا اللغة لدى بعض الحالات، لكن تظهر تحديات جديدة مثل صعوبات في العلاقات والعمل وضغوط التكيف الاجتماعي وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب.
كما أوضحت أن إعادة تقييم التشخيص في مرحلة البلوغ يهدف إلى التقييم الشامل للصعوبات والاحتياجات، فالتوحد حالة نمائية تستمر مدى الحياة، لكن طريقة ظهوره وتأثيره تتغير مع تقدم العمر. لذلك فإن إعادة التقييم في مرحلة البلوغ تكون مهمة في مجموعة من الحالات، منها عندما لم يتم تشخيص الشخص في الطفولة، وهو ما يُعرف بـ"الجيل الضائع"، أي الجيل الذي فقد فرصة التشخيص بسبب نقص الخدمات التشخيصية أو عدم وعي الوالدين بالسمات والأعراض. وأحيانًا قد يكون السبب وجود أعراض طفيفة لم تُلاحظ في الطفولة، وغالبًا يكون ذلك في الحالات الأقل شدة.
وأضافت: قد يتأخر التشخيص كذلك في مرحلة الطفولة عندما تكون الصورة السريرية غير واضحة أو مختلطة مع اضطرابات أخرى مثل القلق أو الاكتئاب، وفي هذه الحالة يحتاج الشخص البالغ إلى تقييم شامل لتشخيص اضطراب طيف التوحد. كما يتم إعادة تقييم الشخص البالغ لتحديث فهم مستوى الأداء الوظيفي واحتياجات الدعم. وفي هذه المرحلة لا نركز فقط على وجود الأعراض بل على القدرة على الاستقلال والأداء المهني والعلاقات الاجتماعية، مشيرة إلى أن التقييم في البالغين المشخصين سابقًا يكون تقييمًا نفسيًا ووظيفيًا شاملًا أكثر منه تشخيصيًا بحتًا، بينما يحتاج غير المشخصين سابقًا إلى تقييم تشخيصي ثم تقييم وظيفي ونفسي لتحديد الصعوبات واحتياجات الدعم.
وأكدت الدكتورة أن دعم مهارات الحياة اليومية يتطلب نهجًا عمليًا تدريجيًا ومخصصًا لكل فرد، حيث تشمل الاستراتيجيات الفعّالة التعليم الممنهج وتقسيم المهام اليومية مثل العناية الشخصية وإدارة المال والتسوّق إلى خطوات واضحة ومبسطة، كما أن استخدام الوسائل البصرية والتنظيمية مثل الجداول والقوائم والتطبيقات الرقمية يمكن أن يساعد في التذكر والتنظيم. إن التدريب العملي، أي التعلم في البيئة الواقعية وليس فقط في الجلسات العلاجية، يساهم في تعزيز الاستقلال التدريجي.
وأشارت إلى أن تحسين التكيف الاجتماعي لا يعني تغيير الشخصية، بل فهم السياق الاجتماعي وتطوير أدوات للتعامل معه. ومن أبرز الاستراتيجيات تدريب الفرد على المهارات الاجتماعية بشكل واضح ومبسّط مثل تبادل الأدوار في الحديث وقراءة الإشارات غير اللفظية. كما تشمل الاستراتيجيات استخدام النمذجة والتمثيل لتدريب الفرد على مواقف الحياة الواقعية مثل المقابلات أو التفاعل في العمل. كذلك فإن تكييف البيئة الاجتماعية عبر تقليل الضغط الاجتماعي أو توفير بيئات أكثر تفهمًا يعد استراتيجية داعمة للتكيف الاجتماعي.
وتؤكد الدكتورة على أهمية تعزيز الوعي الذاتي من خلال مساعدة الشخص على فهم نقاط قوته وتحدياته. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الأفراد يستخدمون "التقنع الاجتماعي" لإخفاء صعوباتهم الاجتماعية، وقد يؤدي ذلك إلى عبء نفسي، لذلك يجب تحقيق توازن بين التكيف والحفاظ على الصحة النفسية.
وحول التحديات النفسية المشتركة لدى البالغين، يُذكر أن البالغين المصابين بالتوحد أكثر عرضة لعدة تحديات نفسية منها القلق (وخاصة القلق الاجتماعي) والاكتئاب والإرهاق النفسي. كما أن الشعور بالعزلة أو الاختلاف قد يؤدي إلى انخفاض تقدير الذات. ولا يعود ذلك إلى التوحد بحد ذاته فقط، بل أيضًا إلى صعوبات التكيف والتجارب الاجتماعية السلبية والجهد المستمر لفهم العالم الاجتماعي.
وترى الدكتورة علا أن التحديات التي تواجه الأسر بعد بلوغ الأبناء سن 18 تتركز في الانتقال من خدمات الطفولة إلى خدمات البالغين، والتي قد تكون أقل تنظيمًا أو أقل توفرًا حتى على المستوى الدولي، إضافة إلى التوازن بين تعزيز استقلالية الابن وتقديم الحماية والدعم. كما يمثل التعليم والعمل تحديًا آخر يتمثل في صعوبة الحصول على فرص مناسبة والحاجة إلى دعم مهني مستمر، إضافة إلى العبء النفسي على الأسرة، ونقص الخدمات المجتمعية مثل خدمات البالغين والتأهيل المهني والسكن المدعوم.
وتابعت: أن احتياجات البالغين المصابين باضطراب طيف التوحد تختلف بشكل كبير من حالة إلى أخرى تبعًا لشدة الاضطراب وطبيعة التحديات الفردية، وهو ما يجعل من الضروري تبنّي نموذج رعاية مرن يقوم على التقييم الفردي الدقيق بدلًا من القوالب العامة. فهذه الفئة ليست متجانسة، بل تضم طيفًا واسعًا من القدرات والاحتياجات التي تتطلب تدخلًا متخصصًا ومفصلًا لكل شخص على حدة.
وفي هذا السياق، يضطلع الأطباء بدور محوري يتجاوز التشخيص التقليدي، ليشمل تقديم تقييمات شاملة للمهارات الوظيفية والحياتية، وقياس مستوى الاستقلالية والقدرات المعرفية، إضافة إلى فهم التحديات النفسية والسلوكية المصاحبة. كما يمتد الدور إلى تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية المصاحبة مثل القلق والاكتئاب واضطرابات الانتباه، التي غالبًا ما تؤثر بشكل مباشر على جودة حياة الفرد.
وتؤكد السالمي أن الأهمية الحقيقية لهذا التقييم تكمن في كونه أساسًا لبناء خطط تدخل فردية متكاملة، تستهدف تمكين الشخص من الاندماج في التعليم أو سوق العمل، وتعزيز مهارات الحياة اليومية، وتحسين القدرة على التكيف الاجتماعي. هذه الخطط لا تُعد رفاهية علاجية، بل ضرورة أساسية لضمان انتقال آمن وفعّال من مرحلة الاعتماد إلى مرحلة الاستقلال النسبي، بما يحفظ كرامة الفرد ويعزز مشاركته في المجتمع.
وحول دور وزارة الصحة، أوضحت السالمي أن الوزارة تضطلع بدور استراتيجي محوري في هذا المجال، من خلال تنسيق الجهود الوطنية لتطوير سياسات قائمة على الأدلة العلمية، تسهم في تحسين التشخيص المبكر وتوسيع نطاق الخدمات التخصصية. كما تعمل على تعزيز التكامل بين الجهات الحكومية ذات العلاقة، بما يضمن تقديم خدمات مترابطة ومستمرة عبر مختلف المراحل العمرية دون انقطاع.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن مستقبل خدمات التوحد في سلطنة عُمان يتجه نحو بناء نظام وطني متكامل وشامل، يقوم على أسس علمية واضحة تبدأ من التشخيص المبكر وتوحيد معاييره على المستوى الوطني، مرورًا بتوسيع خدمات اليافعين والبالغين التي تُعد اليوم من أكثر الجوانب احتياجًا للتطوير، وصولًا إلى إنشاء مسارات انتقالية منظمة تضمن استمرارية الرعاية دون انقطاع بين المراحل العمرية المختلفة.

**media[]****media[3391957]**