استعادت جلسة حوارية نظمها النادي الثقافي مساء أمس ملامح مرحلة ارتبطت ببدايات التحولات الطبية والتعليمية في عُمان من خلال تتبع حضور الإرسالية العربية وما تركته من أثر اجتماعي وإنساني امتد في الذاكرة المحلية، وذلك في أمسية حملت عنوان "من الطبيب توماس إلى التعايش، ترأسها الدكتور علي الريامي وشارك فيها الدكتور ناصر الصقري ومحمد الشعيلي وأنور الخنجري، وفي تقديمه للجلسة استحضر الدكتور علي الريامي الإهداء الوارد في كتاب "الحكيم طومس.. سيرة واقعية لزمن منسي من عمر الجزيرة العربية" باعتباره مدخلا لاستعادة أصوات وأشخاص ظلوا في أطراف السرد التاريخي رغم ارتباطهم بمحطات إنسانية مؤثرة، مشيرا إلى أن الجلسة تفتح نافذة على فصل من فصول التاريخ العماني الحديث والمعاصر عبر قراءة تجربة الإرسالية العربية وما ارتبط بها من بدايات للتعليم والخدمات الطبية والتواصل الإنساني، وصولا إلى امتدادات هذه التجربة في الحاضر من خلال قيم الحوار والتفاهم والتعايش.
الجذور التاريخية للإرسالية
بعدها قدم الدكتور ناصر الصقري ورقته متناولا الجذور التاريخية للإرسالية العربية الأمريكية في المنطقة، مشيرا إلى أن فهم نشأتها يقتضي العودة إلى ما سبق تأسيسها والوقوف عند محاولات النشاط التبشيري المبكرة في الخليج وعُمان، وقال: إن بدايات هذا الحضور تعود إلى فترات أسبق ارتبطت بمجيء البرتغاليين، ثم ظهرت محاولات أخرى خلال بدايات القرن التاسع عشر عند زيارة القس البريطاني هنري مارتين إلى عُمان عام 1811 أثناء عمله على ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية ورغبته في التعرف إلى طبيعة المجتمع العماني وثقافته، وأن تلك المحاولات الأولى لم تنجح في تحقيق امتداد واسع بسبب غياب التنظيم والتخطيط، رغم أنها أسهمت في لفت انتباه مؤسسات لاحقة تبنت مشاريع أكثر تنظيما واستمرارية.
وبيّن "الصقري" أن التأسيس الفعلي للإرسالية الأمريكية بدأ عام 1888 في ولاية نيوجيرسي الأمريكية على يد ثلاثة شبان تخرجوا في كلية متخصصة في الدراسات اللاهوتية، هم جيمس كانتين وصموئيل زويمر وفيليب فليبس، لافتا إلى أن صموئيل زويمر كان الأبرز بينهم لما عُرف به من نشاط واسع ومؤلفات وتأثير فكري امتد خلال النصف الأول من القرن العشرين، وأن أول مراكز الإرسالية أُسس في البصرة عام 1891، ثم افتُتح مركز آخر في المنامة عام 1893، وفي العام نفسه شهدت مسقط تأسيس مقر للإرسالية على يد القس بيتر زويمر شقيق صموئيل زويمر. وأرجع اختيار مسقط إلى جملة من العوامل، من بينها الحضور البريطاني السياسي في المنطقة، والعلاقات المبكرة بين سلطنة عمان والولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب ما عُرف عن المجتمع العماني من انفتاح وتسامح مع الآخر، كما أن نشاط الإرسالية اعتمد بصورة رئيسية على التعليم والخدمات الطبية، وهما المجالان اللذان شكلا المدخل الأبرز لحضورها وتأثيرها في المجتمع خلال تلك المرحلة.
الخدمات الطبية
من جانبه تناول أنور الخنجري بدايات الخدمات الطبية في عُمان موضحا أن تطورها ارتبط بحضور البعثات التبشيرية في مطلع القرن العشرين، وأن أولى الخطوات العملية بدأت من مبادرات بسيطة سبقت إنشاء المؤسسات الطبية المنظمة، إذ افتُتحت أول عيادة صغيرة في مسقط عام 1904 لتقديم خدمات مرتبطة برعاية النساء والولادة، قبل أن تتوسع الخدمات تدريجيا مع وصول كوادر طبية متخصصة، كما أن مرحلة تأسيس أول مستشفى في عُمان كان قرار إنشائه اتُّخذ خلال المؤتمر السنوي للإرسالية في البحرين عام 1907، حيث أُوكلت المهمة إلى الطبيب شارون توماس الذي واجه تحديات وصعوبات في تأسيس المشروع، من بينها تحفظات مرتبطة بالتوازنات السياسية والنفوذ القائم في المنطقة آنذاك، وأضاف أن الإرسالية استعانت بالاتفاقية التجارية الموقعة بين سلطنة عمان والولايات المتحدة الأمريكية عام 1833، قبل أن يُفتتح المستشفى في مطرح داخل مبنى مستأجر عُرف ببيت البرندة.
كما استعرض "الخنجري" سيرة الطبيب ويلز توماس، المعروف في الذاكرة العمانية باسم "الحكيم طومس"، موضحا أنه عاد إلى المنطقة بعد استكمال دراسته الطبية وتخصصه في طب العيون، وأنه وصل إلى عُمان عام 1939 ليستمر في العمل الطبي قرابة ثلاثة عقود، وأن دوره لم يقتصر على العمل داخل المستشفى، وإنما امتد إلى جولات علاجية في مناطق مختلفة من سلطنة عمان شملت الباطنة والداخلية والمنطقة الشرقية وظفار، حيث قدم خدماته لمختلف فئات المجتمع دون تمييز.
وأشار "الخنجري" إلى أن نشاط الإرسالية الطبية شهد توسعا ملحوظا خلال الفترات اللاحقة، وفرضت الحرب العالمية الثانية تحديات كبيرة تمثلت في صعوبة التنقل والحصول على الأدوية، الأمر الذي دفع العاملين إلى البحث عن بدائل مختلفة لضمان استمرار الخدمات الطبية، بما في ذلك الاستفادة من حركة السفن الخشبية العمانية في نقل بعض الاحتياجات الطبية خلال تلك المرحلة.
مركز أمانة
وحول "مركز الأمانة" وخلفيته التاريخية وعلاقته بالمراحل اللاحقة لحضور الإرسالية في سلطنة عمان أوضح محمد الشعيلي أن مرحلة التحول بدأت مع مطلع السبعينيات، إذ اتجهت الإرسالية الأمريكية بعد قيام النهضة إلى نقل مسؤولية مؤسساتها وخدماتها إلى الدولة، وأنها اختارت في سلطنة عمان التبرع بممتلكاتها ومرافقها، خلافا لما جرى في بعض دول المنطقة التي بيعت فيها تلك الأصول، كما أن بعض الشخصيات الطبية واصلت العمل خلال تلك المرحلة وأسهمت في دعم البنية الصحية الناشئة.
وأشار "الشعيلي" إلى أن مدرسة الأمانة كانت آخر المؤسسات التابعة للإرسالية التي استمرت في أداء دورها حتى عام 1987، وأن المرحلة التالية طرحت تساؤلات حول طبيعة الدور المستقبلي للإرسالية بعد انتقال مسؤوليات التعليم والخدمات الطبية إلى مؤسسات الدولة، وأضاف أن الأصول المتبقية ومنها المنزل المرتبط بالدكتور توماس والدكتور دونالد باش، تحولت لاحقا إلى نواة لنشاط مجتمعي تطوعي، قبل أن يتأسس مركز الأمانة بصورة رسمية عام 2001 كمؤسسة غير ربحية تعمل تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية.
نقاشات وحوارات
بعد ذلك عاد النقاش إلى الجانب التعليمي للإرسالية حيث تناول الدكتور ناصر الصقري البدايات الأولى للنشاط التعليمي في مسقط، موضحا أن تأسيس المركز عام 1893 لم يقتصر على إنشاء مقر للإرسالية وإنما رافقه تفكير مبكر في إطلاق نشاط تعليمي، غير أن هذه المحاولات واجهت حالة من التردد والشكوك الاجتماعية التي جعلت استقطاب الطلبة في البداية أمرا صعبا، كما اتجهت الإرسالية لاحقا إلى تأسيس ما عُرف بالمدرسة الحرفية للعبيد المحررين التي استمرت لعدة سنوات قبل أن تظهر لاحقا مدرسة "بيتر زويمر التذكارية"، والتي تطورت فيما بعد إلى مدرسة الأمانة التي واصلت نشاطها حتى عام 1987، كما أن النشاط التعليمي للإرسالية يمثل أحد المكونات المهمة في قراءة تاريخ التعليم الحديث في سلطنة عمان، شأنه شأن الخدمات الطبية، موضحا أن المدارس التابعة للإرسالية قدمت أنماطا تعليمية حديثة اعتمدت على المناهج النظامية وتعليم اللغة الإنجليزية، كما فتحت المجال أمام تعليم الفتيات في وقت ظل فيه التعليم النظامي الرسمي مقتصرا على الذكور لفترة من الزمن، بعدها شهد النشاط التعليمي توسعا ملحوظا خلال النصف الثاني من القرن العشرين خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.
وفي سياق الحوار طرح الدكتور علي الريامي تساؤلات مرتبطة بامتداد حضور الإرسالية في بعض المناطق العمانية وطبيعة ما كانت تقدمه خلال تنقلاتها، حيث وضح "الصقري" أن مطرح اكتسبت أهمية خاصة بحكم كونها منفذا رئيسيا إلى مناطق الداخل، وأن الرحلات التي كانت تنظمها الإرسالية لم تقتصر على الخدمات الطبية، وإنما رافقتها أنشطة أخرى شملت توزيع الكتب وبعض الأنشطة المرتبطة بالتواصل المجتمعي، كما أشار إلى محاولة إنشاء مركز في ولاية نخل إلا أن المشروع واجه اعتراضات حالت دون استمراره، كما أشار "الصقري" إلى أن النشاط التعليمي لم يقتصر على المدارس التقليدية، وإنما امتد إلى مجالات أخرى شملت برامج لتأهيل العاملين في المجال الصحي عبر مدرسة للتمريض، إضافة إلى نشاطات مرتبطة بالحياكة وتعليم النساء والقراءة والكتابة من خلال لقاءات ومجالس تعليمية مختلفة.
وأورد الدكتور علي الريامي رواية متداولة حول طبيعة تواصل بعض أفراد الإرسالية مع الأهالي في نخل، مشيرا إلى أن أحاديثهم كانت تتناول موضوعات متنوعة تتعلق بالفلك والأنساب والموضوعات العامة، وأن بعضهم اتجه إلى بيع الأقلام والقرطاس التي كانت مطلوبة آنذاك، لافتا في الوقت نفسه إلى ما رافق تلك الزيارات من ملامح اجتماعية وإنسانية في التعامل مع السكان المحليين.
وحول نشاط الطبيب ويلز توماس خارج مسقط ومطرح، طرح الدكتور علي الريامي تساؤلات تتعلق بطبيعة علاقاته وزياراته إلى المناطق الداخلية، وما إذا كانت تلك التحركات قد أثارت حساسيات أو مخاوف سياسية خلال تلك المرحلة حيث أوضح أنور الخنجري أن حالة التوجس كانت قائمة من أكثر من طرف، إذ ارتبطت المخاوف البريطانية بهواجس سياسية تتعلق بإمكانية تنامي النفوذ الأمريكي وتوسيع شبكة العلاقات داخل المنطقة، في حين ارتبطت التحفظات لدى بعض الأطراف المحلية بمخاوف تتصل بالنشاط التبشيري في المناطق الداخلية.
وأشار "الخنجري" إلى أن الطبيب توماس كوّن خلال سنوات عمله شبكة واسعة من العلاقات مع شخصيات اجتماعية وسياسية مختلفة في الخليج وعُمان، موضحا أن حضوره لم يكن محصورا في الجانب الطبي وحده، وإنما نشأ أيضا من طبيعة التواصل الإنساني الذي رافق عمله الميداني وتنقلاته المتكررة بين المناطق المختلفة.
وفي محور آخر تناولت الجلسة كتاب "الحكيم طومس.. سيرة واقعية لزمن منسي من عمر الجزيرة العربية" الصادر حديثا، حيث تحدث أنور الخنجري عن تجربته في ترجمة العمل، موضحا أن قراءته للنسخة الإنجليزية قادته إلى الاقتناع بأهمية نقل هذا المحتوى إلى العربية لما يتضمنه من تفاصيل توثق جوانب اجتماعية وطبية وتاريخية مرتبطة بعُمان والخليج خلال مرحلة سابقة لا تزال كثير من جوانبها بعيدة عن التوثيق، حيث أن الكتاب لا يتوقف عند السيرة الشخصية للطبيب ويلز توماس وإنما يتتبع أيضا تحولات اجتماعية وسرديات متصلة بالمجتمعات الخليجية قبل مرحلة النفط، اعتمادا على وثائق ومذكرات وشهادات متنوعة، وقد استغرقت عملية الترجمة استغرقت وقتا طويلا بسبب تنوع المادة العلمية والإنسانية التي يضمها الكتاب، وما يحتويه من مصطلحات مرتبطة بالسيرة الذاتية والأنثروبولوجيا والدراسات الدينية، حيث أن الجانب الوجداني والذاكرة الشخصية المرتبطة بالمستشفى والمرحلة التاريخية شكّلا دافعا إضافيا لإنجاز هذا العمل، و لم يقتصر الكتاب على الأرشيفات والوثائق، وإنما استند أيضا إلى مقابلات وشهادات مباشرة أضاءت كثيرا من التفاصيل الاجتماعية والإنسانية المرتبطة بتلك المرحلة.
مداخلات وشهادات
وشهدت الجلسة مداخلات وأسئلة من الحضور حيث استعاد بعض المتداخلين شهادات شخصية مرتبطة بفترة عمل الحكيم طومس ومستشفى الرحمة، بينما اتجهت مداخلات أخرى إلى مناقشة الأبعاد التاريخية والتعليمية والاجتماعية المرتبطة بحضور الإرسالية في سلطنة عمان، وتوقفت بعض الشهادات عند الأثر الإنساني للطبيب ويلز توماس، مستذكرة حضوره في الحياة اليومية خارج حدود العمل داخل المستشفى، من خلال انتقاله إلى المرضى في منازلهم وزياراته المستمرة لمناطق مختلفة في سلطنة عمان، كما استعاد عدد من الحضور ذكريات مرتبطة بالعمل في مستشفى الرحمة والعلاقة التي جمعت العاملين والأهالي بطومس، حيث صُوِّر في تلك الشهادات طبيبا تجاوز دوره المهني إلى حضور اجتماعي وإنساني أوسع.
وتناولت مداخلات أخرى قضايا مرتبطة بتاريخ التعليم والخدمات الصحية، إذ أشارت بعض الآراء إلى أهمية توسيع قراءة تاريخ التعليم في سلطنة عمان ليشمل أدوار المدارس الأهلية والجهود التعليمية المحلية، في حين دعت مداخلات أخرى إلى إعادة توثيق تاريخ الخدمات الصحية وحفظ الذاكرة المرتبطة بالمؤسسات الطبية القديمة، من خلال مبادرات بحثية أو متحفية تحفظ هذا الإرث وتعيد تقديمه للأجيال الجديدة، وأضيفت إشارات تتصل بالأبعاد البحثية والعلمية للحضور الأمريكي في المنطقة من خلال التذكير بأعمال بعثات علمية وأثرية أسهمت لاحقا في تشكيل مواد معرفية ودراسات مرتبطة بتاريخ جنوب الجزيرة العربية وسلطنة عمان، واختُتمت الجلسة بتأكيد المشاركين أهمية جمع الروايات الشفوية المتعلقة بتاريخ الخدمات الصحية والاجتماعية وتوثيقها، باعتبارها جزءا من الذاكرة المحلية التي ما تزال تحمل كثيرا من التفاصيل والشهادات القابلة للدراسة والبحث.