شهدت بورصة مسقط خلال الجلسات الأخيرة موجة تراجعات متسارعة دفعت المؤشر الرئيسي للتراجع من مستوى 8178 نقطة في 13 مايو الجاري إلى 7487 نقطة بنهاية جلسة 19 مايو، فاقدًا نحو 691 نقطة خلال فترة قصيرة، وذلك بعد المكاسب القوية التي سجلتها السوق منذ العام الماضي ووصول المؤشر إلى مستويات تجاوزت 8 آلاف نقطة للمرة الأولى منذ سنوات.
وفي استطلاع ميداني أجرته "عُمان" ، أكد رؤساء شركات وساطة وخدمات مالية ومختصون في أسواق المال أن التراجعات التي شهدتها بورصة مسقط خلال الجلسات الأخيرة تمثل حركة "تصحيح طبيعية" عقب موجة الصعود القوية التي حققتها السوق خلال العام الماضي والعام الجاري، والتي تجاوزت مكاسبها 90% من القاع إلى القمة خلال عام واحد.
وأشاروا إلى أن الضغوط البيعية الأخيرة ارتبطت بعوامل نفسية وحالة ترقب لدى المستثمرين، إلى جانب تأثيرات التوترات الجيوسياسية في المنطقة، ما دفع بعض المستثمرين إلى جني الأرباح وتقليص المخاطر، خاصة في الحسابات المكشوفة.
وأكدوا أن أحجام التداول والسيولة ما تزال عند مستويات مرتفعة مقارنة بالعديد من أسواق المنطقة، وهو ما يعكس استمرار النشاط الاستثماري وثقة المستثمرين بالسوق على المدى المتوسط والطويل.
وقالوا لـ"عمان" أن الأسواق المالية بطبيعتها لا تتحرك في اتجاه صاعد بشكل مستمر، وإنما تمر بدورات من الصعود والتصحيح والاستقرار.
ورجّحوا أن تشهد السوق خلال الفترة المقبلة مرحلة من التوازن التدريجي واستعادة الثقة، مدعومة بنتائج الشركات والتوقعات الإيجابية للاقتصاد الوطني.
التخارج المؤقت
وأكد غسان بن خميس الحشار، ورئيس مجلس إدارة مسقط للمقاصة والإيداع والرئيس التنفيذي للمالية في عُمانتل، أن وصول مؤشر بورصة مسقط إلى مستوى 8 آلاف نقطة خلال العام الجاري يعكس ثقة المستثمرين في قوة أداء الشركات المدرجة وآفاق النمو الاقتصادي خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن الأسواق المالية بطبيعتها لا تتحرك في اتجاه صاعد بشكل مستمر، وإنما تشهد بين فترة وأخرى عمليات جني أرباح من قبل بعض المستثمرين الذين يحققون مستهدفاتهم السعرية ويتجهون إلى التخارج المؤقت انتظارًا للعودة عند مستويات سعرية أقل، مشيراً إلى أن هذه الممارسات تعد سلوكاً طبيعياً في مختلف الأسواق.
وأضاف أن العامل الأهم في المرحلة المقبلة يتمثل في قدرة الشركات المدرجة على تحقيق معدلات نمو تتوافق مع توقعات المستثمرين، مبينا أن نتائج أداء الشركات القادمة ستكون المحرك الرئيسي لاتجاهات السوق خلال الفترة المقبلة.
وأشار الحشار إلى أن التوترات الجيوسياسية الحالية لها تأثير غير مباشر على الأسواق، لافتاً في الوقت ذاته إلى أن بعض القطاعات قد تستفيد من هذه المتغيرات.
ولفت إلى أن الموقع الجغرافي لـسلطنة عُمان يمنحها قدرة على التعامل مع الأزمات الإقليمية، موضحاً أن استمرار النمو الاقتصادي يظل العامل الأبرز الداعم لأداء البورصة والأسهم.
موجات تصحيح
وفي سياق متصل قال محمد بن خليفة الصبحي، مدير الاستثمار في أوبار كابيتال: إن التراجع الذي تشهده بورصة مسقط خلال الفترة الحالية يعد "حركة تصحيح طبيعية" بعد المكاسب الكبيرة التي حققتها السوق خلال العام الماضي والعام الجاري ، والتي تجاوزت 90% تقريباً من القاع إلى القمة.
وبيّن الصبحي أن الأسواق المالية العالمية، سواء في الأسواق الحدودية أو الناشئة أو المتقدمة، تشهد عادة موجات تصحيح عقب الارتفاعات القوية والسريعة، مشيرًا إلى أن ما يحدث حالياً في بورصة مسقط لا يعكس وجود أسباب جوهرية تدعو للقلق أو انهيار في أساسيات السوق، وإنما يأتي ضمن دورة طبيعية تمر بها مختلف البورصات بعد الصعود القوي.
وأضاف أن السوق العُمانية انتقلت خلال السنوات الأخيرة من مستويات 4 و5 آلاف نقطة إلى 6 و7 ثم 8 آلاف نقطة، مدفوعة بارتفاع السيولة وتحسن البيئة الاستثمارية، مبينًا أن العديد من الأسهم كانت تتداول سابقاً دون قيمتها العادلة نتيجة ضعف السيولة، قبل أن تسهم الإصلاحات والتطويرات التي شهدتها السوق في إعادة تقييم الأسهم إلى مستوياتها العادلة.
وأشار الصبحي إلى أن المرحلة الحالية قد تشهد تدرجاً في عودة ثقة المستثمرين وصولاً إلى مرحلة الاستقرار، متوقعا أن تعود السوق إلى مسارها الصاعد بعد انتهاء موجة التصحيح الحالية، مؤكدا أن ما يحدث يعد سلوكا طبيعيا ومتكررا في مختلف الأسواق العالمية.
العرض والطلب
من جهته أوضح مصطفى أحمد بن سلمان اللواتي، الرئيس التنفيذي لشركة المتحدة للأوراق المالية، أن التراجع الذي شهدته بورصة مسقط خلال الأيام الماضية يأتي في إطار الحركة الطبيعية للأسواق المالية التي تحكمها عوامل العرض والطلب، مشيرًا إلى أن موجة البيع التي طالت عدداً من الأسهم خلقت حالة من التخوف لدى بعض المستثمرين، خصوصا أصحاب الحسابات المكشوفة الذين فضلوا تقليص المخاطر عبر البيع السريع.
وقال: إن الضغوط البيعية الحالية لا تعكس تراجعا في أساسيات السوق، مؤكدا أن نتائج الشركات المدرجة ما تزال جيدة ولم يطرأ عليها تغيير جوهري، إلى جانب استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، وهو ما يدعم الأداء الاقتصادي بشكل عام.
وتابع: الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة كان لها أيضًا دور في زيادة حالة الحذر لدى المستثمرين، ما انعكس على أداء السوق خلال الجلسات الأخيرة.
وأشار اللواتي إلى أن طبيعة الأسواق المالية تجعل المشترين يتريثون عند ظهور موجات بيع، انتظاراً لاقتناص فرص شراء عند مستويات سعرية أفضل، معتبرًا أن ما يحدث يعد حركة مؤقتة في السوق.
وأكد أن المؤشر الأهم حالياً يتمثل في استمرار قوة أحجام التداول وعدم تأثرها بصورة كبيرة، مبيناً أن السوق سجلت تداولات تقارب 78 مليون ريال عُماني في إحدى الجلسات الأخيرة، وهو ما يعكس استمرار النشاط والسيولة في السوق.
ولفت إلى أن بعض المستثمرين يتجهون للبيع بشكل متسرع، في حين كان بالإمكان تنفيذ صفقات بأسعار أفضل عبر التنسيق مع شركات الوساطة لإيجاد مشترين مناسبين لافتا إلى أن مقارنة أداء بورصة مسقط بأسواق الخليج تظهر أن السوق العُمانية ما تزال الأفضل من حيث مستويات التداول والسيولة، في وقت شهدت فيه العديد من بورصات المنطقة تراجعًا ملحوظًا في أحجام التداول.
وفي المجمل، تبقى حركة الأسواق خاضعة لتقلبات طبيعية ترتبط بعوامل فنية واستثمارية متعددة، إلا أن استمرار قوة التداولات يعكس وجود ثقة لدى المستثمرين وحالة من النشاط المستمر في السوق. ويرى مراقبون أن التراجعات المؤقتة قد تمثل مرحلة تصحيح طبيعية، تمهد لعودة المؤشر إلى مساره الإيجابي خلال الفترات المقبلة، مدعومًا بتحسن السيولة واستمرار الإقبال على التداول.