هناك سنتان ونصف قادمة على العالم أن يتحمل أو يتعايش مع رئيس أمريكي عجزت عن تحليل سلوكه السياسي حتى الكثير من مراكز البحوث والدراسات الأمريكية ووسائل الإعلام وحتى الرأي العام العالمي من خلال سلوكه اليومي وتناقضات تصريحاته بين ساعة وأخرى.
ومن هنا فإن العالم أمام حالة غير مسبوقة في تاريخ قيادة البيت الأبيض، وهي حالة أقرب إلى الحالة السيكولوجية التي ترى بأن السلوك السياسي الذي ينفذه هو الصحيح، وأن الإنجازات التي تحققت لم يسبق لها مثيل في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية رغم أن المؤشرات الاقتصادية وارتفاع الدين العام والتضخم لا توحي بذلك علاوة على أن استخدام القوة العسكرية لتحقيق الأهداف السياسية هي نظرية فشلت حتى مع أعتى الجيوش في العالم.
ولعل نموذج الغزو السوفييتي لأفغانستان فشل فشلا ذريعا، بل تسبب في تفكيك الاتحاد السوفيتي السابق، كما أن الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان دمر البلدين، بل إن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان كما شاهده العالم كان انسحابا مذلا. وعلى ضوء تلك المعطيات فإن القوة العسكرية كأداة لتحقيق الأهداف الكلية خاصة مع دول حضارية عريقة مثل إيران لا يمكن أن تتحقق، ولعل الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أثبتت ذلك.
إذن الحالة الراهنة في المنطقة تتراوح بين تهديد الرئيس الأمريكي ترامب بشن الحرب مجددا ضد إيران وبتحريض من نتنياهو، وبين تحذير من قيادات المنطقة من خطورة عودة الحرب إلى المنطقة في ظل أضرار اقتصادية تكبدتها دول المنطقة خلال حرب الأيام الأربعين.
السؤال الأهم في نظرية السلوك السياسي للرئيس الأمريكي ترامب: هل يهتم الرجل أساسا بمصالح دول مجلس التعاون الخليجي، خاصة بعد الأضرار الكبيرة التي نتجت عن شن الحرب، وضرب القواعد العسكرية الأمريكية في عدد من دول المنطقة؟
والإجابة الواضحة أن الرجل لا يهتم سوى بمصالحه الشخصية، وتحقيق رؤية اللوبي الصهيوني الذي أوصله للبيت الأبيض من خلال الدعم المالي الكبير خلال الانتخابات.
إذن مصالح دول المنطقة وأمنها واستقرارها ليست من اهتمامات الرئيس الأمريكي، بل إن مسألة الحماية الأمريكية لدول المنطقة قد سقطت، وأصبحت الحماية الأمريكية الوحيدة هي للكيان الصهيوني. وهذا درس بليغ على دول المنطقة أن تقيمه بشكل موضوعي ودقيق في ظل التوازنات الإقليمية والدولية والتي سوف تشهد تغييرات كبيرة من خلال ملامح النظام الدولي متعدد الأقطاب أو من خلال بروز إيران كدولة كبيرة وذات بعد استراتيجي لا يمكن إنكاره. عودة إلى الرئيس الأمريكي ترامب وما بقي من ولايته الثانية، ورغم وعوده الانتخابية بانهاء الحروب، إلا أنه أسهم في دعم حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة من خلال الدعم العسكري والاقتصادي والاستخباراتي غير المسبوق، وهو الأمر الذي مارسه معظم رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية منذ نكبة فلسطين عام ١٩٤٨.
والسؤال هنا مجددا: هل يحتمل العالم المزيد من مغامرات الرجل وتناقضاته سواء في منطقة الشرق الأوسط أو في أمريكا اللاتينية حيث أحداث فنزويلا وخطف الرئيس المنتخب مادورو وحديثه عن غزو كوبا بعد الانتهاء من حرب إيران؟
في تصوري أن الحالة الفريدة التي ينتظرها العالم حتى داخل الولايات المتحدة الأمريكية هي الانتخابات النصفية للكونجرس التي سوف تجري في شهر نوفمبر القادم، أي بعد خمسة أشهر من الآن؛ حيث تشير اتجاهات قياس الرأي العام أن خسارة الحزب الجمهوري للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ هي الأكثر ترجيحا على ضوء السلبيات الكبيرة لإدارة الرئيس الأمريكي ترامب.
ولعل نتائج الحرب على إيران فيما يخص الطاقة هي مثال واضح. وإذا فقد ترامب الأغلبية في الكونجرس فإن موقفه سوف يصبح ضعيفا، ولا يمكنه تنفيذ أجندته المدمرة. أما إذا حدث العكس واحتفظ الحزب الجمهوري بالأغلبية في الكونجرس فإن العالم أمام موجة مخيفة من تصرفات ترامب المتناقضة، وقد يشهد العالم اندلاع الحرب في مكان جغرافي آخر وفق نظرية الرئيس الأمريكي ترامب، والتي تقوم على السيطرة على ثروات الشعوب بالقوة المسلحة؛ ولعل نظرية تغيير الأنظمة في فنزويلا وحتى في إيران تهدف إلى السيطرة على ثروة النفط، وهو سلوك ليس جديدا على عدد من رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية كالغزو الأمريكي على العراق عام ٢٠٠٣.
السياسة الخارجية الأمريكية في عهد الرئيس الأمريكي الحالي ترامب خاصة فترته الحالية شهدت تناقضات متعددة، وغموضا وعدم وضوح، وتضاربا بين المؤسسات الأمريكية نفسها مع صعود شخصيات متشددة وغياب المصداقية في المفاوضات الأمريكية الإيرانية؛ حيث تتواصل المفاوضات من جانب، وتعد خطط الحرب في عملية خداع واضحة سوف تكشفها الوثائق في الأعوام القادمة. الوضع في منطقة الخليج العربي في غاية الخطورة، خاصة إذا تواصلت الحرب مجددا وفشلت المفاوضات. ولعل تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب لإيران بشكل يكاد يكون يوميا رغم المساعي الدبلوماسية من باكستان والدول الفاعلة في موضوع الملف النووي الإيراني كبلادنا سلطنة عمان التي بذلت جهودا كبيرة لإنهاء التصعيد، والتوصل إلى اتفاق نووي عادل ومنصف ومستدام؛ إلا أن تلك التهديدات تخلق أجواء توتر، كما تحدث الرئيس الأمريكي ترامب عندما قال إنه أوقف الهجوم العسكري على إيران بعد أن طلب منه عدد من قادة دول المنطقة التريث.
وإذا لم تقبل إيران الشروط الأمريكية فإن هجوما كبيرا على إيران سوف ينفذ، ومن هنا فإن التهديدات عادة وفي ظل المساعي الدبلوماسية لا تعطي الفرصة لنجاح تلك المساعي والمفاوضات، بل تجعل الأمور أكثر صعوبة وتعقيدا، ومن هنا فإن الرئيس الأمريكي ترامب يتصرف بشكل غير مسؤول يتربع على أهم منصب قيادي في العالم، بل إنه تسبب من خلال سلوكه السياسي وانجراره للحرب التي لا تعنيه في تدني هيبة الدولة الأمريكية.
وقد شاهد العالم زيارته الأخيرة للصين وكيف أصبحت الدولة الآسيوية العملاقة ندًا للولايات المتحدة الأمريكية، وأصبحت جمهورية الصين الشعبية قوة كبرى لا تقل عن الدولة الأمريكية.
بل إن الصين التي تستخدم القوة الناعمة في علاقاتها الدبلوماسية، وهي الحوار والتجارة والتعاون مع دول العالم هي الدولة الأكثر قدرة على إيجاد التوازن في العلاقات الدولية. وقد حقق الاقتصاد الصيني طفرات ونموا غير مسبوق خلال العقود الأخيرة. وعلى ضوء ذلك فإن العالم ينتظر الانتخابات الأمريكية النصفية الخاصة بالكونجرس لإحداث التحول السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية على صعيد وقف السياسات التي تشن الحروب والصراعات، خاصة إذا فقد الحزب الجمهوري الأغلبية.
وحتى حدوث ذلك فإن المنطقة وشعوبها في حالة قلق من انزلاق الأمور وعودة الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني من جانب والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جانب آخر، وستشهد المنطقة المزيد من التصعيد والخسائر الاقتصادية، وربما أبعد من ذلك. وهنا سوف يعاني العالم الأمرين تجاريًا وعلى صعيد الطاقة وسلاسل الإمداد وتعقيد الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وربما مضيق باب المندب.