حاول الفيلسوف هانس يوناس مراعاة فطرة الإنسان في التخيل الرجائي لتسبيب فكرة تغيير العالم لمواجهة المخاطر التي تهدد الوجود الإنساني في ظل الآيديولوجيات المعقدة التي يواكبها من جهة، والتحديات التكنولوجية والبيئية والثقافية من جهة أخرى.

لذلك آمن يوناس بضرورة التغيير النابعة من الإنسان نفسه؛ فالعالم يتغير متجها إلى تغريب الإنسان في أرضه رغم ارتباطه تأسيسًا بكافة النظم المساندة للحياة. فحقيقة الإنسان مرتبطة بالحياة والوجود آخذين بالاعتبار محدودية الوضعية الإنسانية المقيدة بقرائن المكان والزمان.

إن التفكر في عصرنا الراهن يجعلنا نتساءل عن المحركات التي استندت عليها طاقات التغيير بين مدار الحركة والزمن: هل تأثر كوكبنا وإنسانيته برقميات المعلوماتية، ومشاريع الاستنساخ المدعومة بالتحسينات البيولوجية الإلكترونية، وعدم التعادل في التسليح التقليدي والذري وفكرة السيطرة من منطلقات سيادة لون البشرة أو العقيدة الدينية المقصية للآخر.

في عصر يتسم بالعولمة عدم المنهجية يصبح التكيف مهمة أساسية للمجتمعات، ولن يتأتى ذلك إلا بتبني ثقافة التعاون والعمل الجماعي، وتقديم الدعم وتبادل الخبرات لحل المشكلات الناتجة عن حركة العولمة؛ فالتكيف ليس ضعفا ولا استسلاما، بل هو دليل على القوة والنضج، وهو المهارة التي تجعلنا نصمد أمام العواصف والاضطرابات لنركز على بناء مستقبلنا وسط واقع الثابت فيه هو التغيير فقط. إن المستقبل هو رهان النهضة ومجالها الفعلي. ومن غير التفكير فيه والاستعداد لاحتمالاته فإن الواقع المعيش لن يتحول بقدرة قادر إلى نهضة وتقدم؛ فالماضي شكل واقعنا اليوم، والأمل يتجدد بجاهزيتنا للمستقبل.

من جانب آخر فقد طرح ليسلي أرميجو كتادا -وهو أستاذ في الاقتصاد السياسي- فكرة مهمة حول فن الإدارة الاقتصادية وطريقة استخدامها دفاعيا أو هجوميا لتكون جزءا مهما من أدوات القوة الاستراتيجية الوطنية خاصة إذا ربطت بالتوجهات والرؤية المستقبلية.

ففي ظل عالم متغير يشهد انقساما حول مفهوم القوة التي تمتلكها الدول وتقسيمها إلى قوة صلبة وأخرى ناعمة؛ حيث ظهر مفهوم القوة الناعمة مع أطروحات المفكر الأمريكي جوزيف ناي الذي رآها جاذبية ثقافية تميز دولة ما عن غيرها بكافة روافدها ومكوناتها وقيمها ومصداقيتها المتولدة عن ممارساتها المنسجمة مع هذه القيم.

وأشار إلى ضرورة عدم تجاهل هذا المكون الثقافي نتيجة التركيز على القوة الصلبة بروافدها العسكرية والسياسية والاقتصادية التي حظيت بمكانة محورية في أدبيات العلاقات الدولية والسياسة الخارجية.

والواقع السياسي الحالي يشير إلى أن النفوذ العالمي الحقيقي يتطلب استراتيجيات واضحة ومحددة متوازنة ومتكاملة لأحداث التأثير المطلوب.

إن القوة الناعمة ترتكز في تأثيرها على التأثير القيمي والثقافي لبناء المصداقية التي تؤدي لفرض الاحترام المتبادل والتفاهم العميق، وهي تلعب دورا محوريا في عالمنا اليوم.

إن مستقبل الأمم مرهون ببناء نفوذ ذكي عن طريق بناء سياسات خارجية فعالة، وهذا يتطلب بدوره بناء التحالفات، وتطوير استراتيجيات تعاون فعال مع الحلفاء والأصدقاء.

وقد أصبحت القوة الناعمة نهجاً عمانيا منذ سنوات عديدة للتأثير والتغيير من خلال تجسيد القيم والمبادئ العمانية المستندة إلى عراقة الحضارة؛ حيث عرفت عمان عبر التاريخ القديم بريادتها البحرية وصلاتها التاريخية الوثيقة مع حضارات العالم القديم.

وقد حظي التراث الثقافي المادي وغير المادي لسلطنة عمان باهتمام كبير منذ انطلاق مسيرة النهضة العمانية ومراحلها المتجددة.

ولقد أسهمت الدبلوماسية الرشيدة في زيادة الدور العماني متفاعلة مع الشأن الإنساني لتشكيل نموذج يحتذى به في الاحترام والتقدير لخصوصيات الدول والبعد عن التدخل في شؤونها الداخلية، وأصبحت القوة الناعمة العمانية وسيلة أساسية لاستقطاب احترام النخب العالمية عقولا وعواطف رغم التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.

هناك العديد من الفرص التي يمكن لسلطنة عمان استثمارها والبناء عليها لتطوير قوتها الناعمة من بينها تطوير قاعدة التعليم والبحث العلمي لإعداد المهارات وقوة العمل المُؤهلة، واستخدام التكنولوجيات المُتطورة لتحقيق الكفاءة الإنتاجية، وتحسين أداء الاقتصاد بكافة محاوره ومكوناته.

كذلك تعزيز الجهود لتحسين الصورة الذهنية الدولية لسلطنة عمان، وتعزيز التأثير الدبلوماسي في إيجاد الشركاء التجاريين والاقتصاديين، وتعزيز التبادل الثقافي وفتح أسواق جديدة مُتبادلة للصناعات الثقافية والإبداعية.

ولعل إطلاق البنك الإفريقي العماني يعتبر محطة جديدة في مسار تطوير العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عمان وأصدقائها في القارة الأفريقية للاستفادة من مرتكزات هامة تشهدها القارة على صعيد تنويع الاقتصاد، وتسريع برامج الخصخصة، وتطوير البنية الأساسية، وفتح القطاعات الإنتاجية أمام الاستثمار الدولي.

وجاء تصريح صاحب السمو السيد ذي يزن بن هيثم آل سعيد نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية لتأكيد نهج الدبلوماسية الاقتصادية الرامية إلى تعزيز الحضور الاستثماري والاقتصادي لسلطنة عُمان على الصعيد الدولي، وتأكيد دورها في الربط بين الأسواق العالمية، وترسيخ مكانتها بوصفها جسرًا استثماريًّا وماليًّا يربط الشرق الأوسط بالأسواق العالمية الصاعدة مستندةً في ذلك إلى ركائز الاستقرار والثقة والعلاقات الدولية الراسخة التي تتميز بها القوة الناعمة العمانية.

د. خالد الحمداني كاتب عماني