أجيال كثيرة من أبناء الخليج العربي ظلت تتغنى بنشيد (خليجنا واحد، ومصيرنا واحد) الذي انطلق مع ولادة مجلس التعاون لدول الخليج العربي؛ ذلك المجلس الذي خلق سردية خليجية واحدة تقوم على الوحدة والمصير المشترك.

صور متعددة للمحبة والأخوة الصادقة، خلقت صورا كثيرة، ولكن الصورة الكبيرة هي التي ظلت تتجلى من أوطان مزدهرة مستقرة.ومع مرور الكثير من السنوات برزت الكثير من الأسئلة، ولم يعد من يتحدث عن تلك السردية؛ فما جرى ويجري في المنطقة يطرح السؤال الأكبر والأهم بكل وضوح وجلاء، وهو: هل لا تزال السردية الوحدوية والمصير المشترك قائمين؟ وهل لا يزال خليج العربي خليجا واحدًا أم أصبح خلجانًا متعددة؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، ببساطة يكفي أن نلقي نظرة سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي لتنفجر في وجوهنا تلك الصورة القاتمة التي تتوالد وتتناسل إلى صورة متعددة، متبعثرة تحمل الشيء الكثير من التفرقة، والتشرذم تعكس المستوى الذي وصل إليه الواقع في المجتمع الخليجي؛ وهو في الحقيقة صورة مصغرة لصورة أكبر تعم كل الوطن العربي من محيطه إلى خليجه.

رغم أن تلك الوسائل قد لا تبنى عليها مواقف، إلا أنها تعطي مؤشرات للوضع القائم. شيء من اللامعقول والسوريالية وربما الميتافيزيقية وشيء من اللامتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.

ما بين صورة الواقع الخليجي وصورة دوريان في رواية (صورة دوريان غري) للكاتب الإيرلندي أوسكار وايلد الصادرة عام 1890 الكثير من التشابه؛ فكلتا الصورتين لا تعكسان الواقع، دوريان الذي اعتقد أن وسامته وشبابه دائمان، تفاجأ ذات يوم بأن الصورة التي رسمها له صديقه (باذل)، حولته إلى رجل عجوز مليء بالبشاعة والقبح، فغضب وقتل الرسام وانهال على اللوحة طعنًا بالسكين، لكن الطعن كان في جسده، ليسقط صريعًا مضرجًا بالدماء.

تلك الحكاية تحمل في طياتها كثير من المعاني، ولكن أكثر ما ترمز إليه هي أن الحقيقة لا يمكن حجبها، مهما حاولنا تجميل الصورة ودعكها بالكثير من الأصباغ والمكياجات لتخفي قبحها.

إن الانكشاف الفاضح الذي ظهر عليه المجتمع في الخليج كشف كل ما كان مخبأً ومغطى، وعجل من هذا الانكشاف طغيان المنصات الإعلامية بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي وتفاقم عنف تأثيرها.

فالصورة التي تتلألأ جمالا والتي حملتها الأجيال المتعاقبة بدأ بريقها يخفت، وبدأت في التلاشي والتآكل من الداخل، تداخلت فيها الألوان وسقطت الحدود. فضاءات تتراكم فوقها كثبان من الحقد والبغضاء.

صورة لا تحمل إلا القبح، تطفح بالشتم والحقد والضغائن والدسائس. لا كوابح تمنع ذلك، ولا اعتبار لدين أو ثقافة، أو عادات وتقاليد مشتركة. ليس إلا التفاهة والتهريج ومزيد من الفواحش. والفردانية المزعجة، هي ما يتصدر المشهد. سرديات كثيرة ومتباينة، لكل واحد منا سرديته الخاصة، وحاضره ومستقبله، سرديات تسقط فيها مقولات التاريخ المشترك والجغرافيا الواحدة.

شيء يوجع القلب، مشهد وواقع مؤلم يعيشه أبناء الخليج؛ فهو لا يؤذي السمع أو العين فقط، بل يؤذي النفس ويخلق شرخًا كبيرًا.

هل كانت رسمت صورة جميلة بشكل مبالغ فيه؟ ولماذا وصل بنا الحال إلى ما هو عليه اليوم؟ هل نلوم التأسيس لأنه لم يؤسس على مبادئ أكثر شفافية وواقعية، مبادئ تستوعب التنوع والاختلاف، مبادئ المواطنة الحقة والتربية الصادقة، أم نقول إن العالم برمته تغير وتبدل، والزمن غير الكل، وجرف معه كل شيء، ولسنا الوحيدين الذين جرفهم التيار؟ أم نلوم الثقافة السائدة التي ستزداد تجذرا وترسيخا؟ أم نصب جام غضبنا ونقول: إن اللوم الأعظم للسلطات التي لم ترغب قط في ملامسة التطور الحقيقي، وظل مفهوم التقدم والتطور والتحديث محصورا في البنايات والشوارع والاستثمارات والتحالفات وتعمدت أو غيبت تطور البشر الذي هو عماد التقدم والحداثة والضمانة الحقيقية لدوام الأوطان.

الانفجار غير مسبوق لوسائل التواصل الاجتماعي، إذ أصبحت هذه المنصات وكأنها جيوش مدججة تستخدم كل ما أتيح لها من تقنية في السب والشتيمة والتشكيك والمذهبية والمناطقية، زراعة متقدمة ومتطورة لبث الفتنة.

فلسفة الانكشاف تحمل أيضًا معاني مزدوجة، بالإضافة إلى تبيان الحقيقة المخفية، هناك دور مهم تلعبه؛ فهي فرصة عظيمة لمراجعة ذلك القبح والتشويه وإعادة البناء من جديد ورسم صور حقيقية بعيدة عن الزيف.

الكارثة تحدث عندما يترك الحبل على الغارب، ودون وجود ضوابط تنظيمية للحد من تأثير هذه الوسائل، وتفاقم عنفها، يفتح المجال للتوغل أكثر في المجتمع. في نفس الوقت تراجع فيه تأثير مؤسسات المجتمع المدني التقليدية منها والحديثة، دون أن يقابل ذلك تحرك سياسي أو مدني كافٍ.

وضع تتآكل فيه البنى التي تحكم عرى الوشائج بين أبناء دول المجلس، ويعكس، ضعفًا واضحًا في الاستجابة للضوابط الأخلاقية والدينية ولعادات وتقاليد تربت أجيال عليها، مما قد يؤدي في حالة استمرارها إلى تفكك تدريجي في نظام الضوابط والتوازنات، وتراجع في أداء المؤسسات الرسمية التي أضحت عاجزة أو ربما تغض النظر.

هل هي لحظة تاريخيّة نقف على أعتابها؟ بلا شك إننا نقف بالفعل أمام لحظة فارقة تتجلى فيها الحقائق. فهل علينا اغتنامها والعمل على تصحيح الوضع وإعادة تدوير الآلة الإصلاحية وخلق دينامية مغايرة؟

ليس أمامنا إلا مقاربة الحقيقة وإعادة رسم الصورة التي تعكس الحقيقة، ولو كان مكلفًا في البداية، ومنها إعادة اللحمة المفتقدة بين أبناء المجتمع الخليجي، وتفعيل آليات تلجم ذلك الانفلات الذي استباح كل شيء.

أشياء كثيرة يجب عملها وإعادة جدولتها، لعلها تخرج من هذا القبح الذي يكتسي صورتنا وينعكس في ذواتنا، ونغادر مرحلة المراهقة والشباب والمنطقة الضبابية، لنعيد ذلك الألق والتجلي لصورتنا، وألا نترك مجالا لأولئك الذين يسعون لقتل الرسام، وتمزيق الصورة كما فعل دوريان، وتلك مصيبة كبيرة إن وقعت.