ليس بيني وبين المطبخ صلة قوية، إلا عند حصول استثناءات ضاغطة، كالسفر للدراسة والإقامة في سكن الطالبات المغتربات، أو منع التجوال والخروج في الأيام التي أصاب العالم الوباء العالمي كوفيد- 19 أو كورونا. أتذكر في تلك الأيام وجودي في البيت وحيدة ولم يخفف عني عناء المرض سوى مجموعات الصديقات، اللواتي درسنا معا وجمعتنا مقاعد الدراسة وإعداد الخطط البحثية والنقاشات الكثيرة، ثم فرقتنا السنين كلٌّ في طريقه لنلتقي مجددا في مجموعة واتساب خصصنا جل الكلام فيه عن المطبخ والوجبات الدسمة اللذيذة، وأهم الحلويات في الشهر الفضيل.
لم يكن فيما أذكر، في سالف الزمان، حرصي على وجود ساعة في المطبخ؛ لأنني قليلا ما أطبخ طبخة لعدد كبير، أو أهتم بإعداد مقادير طبخة معينة، كان اعتدادي بنفسي عندما أدخل إلى المطبخ كان يكفي أن تشرح لي أمي الطريقة، أو ترشدني أختي، وهي طاهية محترفة، إلى مقادير المكونات وخطوات الإعداد، فأدخل إلى المطبخ وأحوله إلى مصنع للمطبوخات، وأزعم من باب الحقيقة أنني قادرة على إعدادها!
يضيف وجود الساعة في المطبخ ضبطا للذين يتفننون في صنع الطعام، ولدي اعتقاد أن ساعة اليد أو منبه الهاتف يكفيان لترتيب عناصر أي طبخة وضبط إيقاع النار لاستواء الطعام. وهذا ما خالجني عندما دخلت مطبخ بيتنا وجدت ساعة جدارية قديمة نسبيا، تستند إليها أختي في ضبط عالمها الخاص في المطبخ، مع رنين الصحون والملاعق والقدور الكبيرة.
هل يهرم زمن الطبخة؟
هل الطبخة نفسها تفقد خصائصها الأساسية، فتتطور عبر العصور كما يتطور الإنسان والدماغ، لتكتسب خصائص جديدة؟
سؤال صعب، يمكنُ للطباخ أن يَهرم، لكن طبخته التقليدية تتجاوز ذلك المعيار.
لكن، ساعة المطبخ الجدارية يمكن أن تتوقف عن العمل إذا انتهى زمن بطاريتها، والشيء الأجمل أن مَن يطهو يمتلك أزمنة خاصة لتاريخ كل طبخة أعدها، وأختي كذلك.
تنتظر عائلتنا اليوم الذي ستدخل فيه أختي نائفة إلى المطبخ لإعداد الطبق الرئيس، لنجد أنفسنا نتلذذ قبل الجلوس على المائدة الأرضية بمط شفاهنا، كلٌّ له صحنه وملعقته وشوكته، كما يقوم العقل بتخيل مكونات وجبة الطبق، الذي نعرف مسبقًا أنه لذيذ.
مِن المؤكد ألا أصاب بالخجل من نفسي؛ فلست ماهرة في المطبخ مثلها؛ لأنها تعمل جيدا بالوصية العاشرة في تدبير الصحة والطعام القائلة: «استعملي المكيال للطبخ فإن الطبخ عمل كيماوي يجب أن تكون مواده متناسبة ليكون صالحا ولذيذا»، أمّا أنا فلديّ الوصاية الخاصة بالكتابة، إنما بعد أيام خطر ببالي أن أسألها سؤالا مضحكا: هل سأكون مثلك ماهرة في الطبخ؟ قالت وهي تزن مقادير الطحين لوجبة تعدّها دون أن ترفع عينيها إليَّ: نعم تستطيعين، وسكتت سكوتا لا يليق بعقارب الساعة الجدارية التي صوت عقاربها يدق فوق رأسي كإيقاع طبل عسكري، يحثني لأعرف منها المزيد.
بفضل وسائل التواصل الاجتماعي انتشرت ظواهر كثيرة يصعب حصرها أو تناولها جميعا، لكن من بين الظواهر المتصلة بهذا المقال ظاهرة استعراض «انتقال الطبخ الأسري من المجال الخاص إلى الفضاء الرقمي؛ حيث يُصبح الطبخ فعلا يُقدَّم أمام جمهور بهدف المشاركة والتأثير وصناعة هوية جديدة وصورة اجتماعية متفاعلة».
يمكن تسجيل ملاحظات عدة، شخصيا لم أجرب طلب وجبة من مواقع الإنترنت، ولم أكلف نفسي عناء البحث، لقناعتي أن الطعام المطهو في مطبخ البيت هو الألذ والأوفر والصحي. لكن من باب التجربة، وددتُ أن أكلة تقليدية ما، تكتسب قواما مختلفا، ويدخل في إعدادها عناصر لا تمت للأصل بصلة؛ كأنْ تعلن الطاهية فلانة مثلا عن أكلة حلوى تقليدية تُعدّ بالنارجيل، يكون من بينها نكهات من دولة أخرى، وعند تناولها، يحار المرء في تذوقها، فلا هي أصلية تماما، ولا حداثية أيضا، في هذا السياق أتذكر البيتزا التي أعشقها، ثم انقطعتُ عنها مع أحداث حرب الإبادة على غزة. كنتُ أحار فعلا كلما تجولتُ في صلالة أرى مطاعم تعلن أنها تقدم البيتزا الإيطالية الأصلية، وأتساءل: كيف يكتسب الطعام هوية جديدة في مكان لم يزره طاهٍ من نابولي؟ عندها أدركت أن الطعام، مثل: النصوص، يسافر بعيدا عن منشئه، ويكتسب في كل أرض نكهة جديدة.
من البديهي أن تكون علاقة الطاهي بوجبته متضمنة الأسرار والثقة إلى درجة الإصابة بالغرور. وهذا هو حال الأديب مع نصوصه السردية والمسرحية والشعرية. إن مكونات الطبخة في ذهن الطاهي لا تختلف عن مكونات المبدع في التخطيط لكتابة رواية أو مسرحية مثلا، الأول مادة وجبته اللحوم والخضراوات والبهارات، والثاني مادة روايته الكلمات، والأحداث، والشخصيات، والأزمنة. وظاهرة عرض الطعام عبر المنصات الرقمية، لها ما يوازيها في انتشار العديد من المنصات التي تعلم الهاوي/ المتدرب كيف يكتب رواية أو مسرحية أو سيناريو عمل درامي من خمس عشرة حلقة في أسبوع واحد! وهنا يُلاحظ ازدياد المشاركين في ورش التأليف التي يقدمها موظفون في الحكومة بوزارة المطبخ!
لكلِّ طبخة توابلها الخاصة، كما لها نكهتها وتاريخها. لا يبحث الشغوفون بالأكل -أولئك النهمون- عن علاقة التوابل مع الصحة. فالمعلومة التي تقول: «إن العديد من التوابل يفقد فعاليته بعد فترة من الزمن، لذلك تلجأ بعض الشركات إلى وضع عبارة «يفضل استخدامها قبل تاريخ الصلاحية»، لا أهمية لها عندهم، صحيح أتفق مع تلك العبارة، لكنني على يقين بأن الطاهي المحترف، كالكاتب العارف بصنعته يملك طاقة سحريّة يروج من خلالها لطبخته وأسرار طهيها الخاصة.
يعدُّ الفلفل الحار بأنواعه الأخضر والأحمر والأسود الجاف من أكثر أنواع التوابل التي يُحبها زبائن أختي في طلباتهم. لا شك، تستهويني أطباق معينة من يدها، إذا أكلتها تعيدني إلى عصور ازدهرت فيها مآسي التراجيديا، لكنني أقنع نفسي بالتوقف عن البحث حول معرفة الطعام الذي كانت تفضله أنتيجون مثلا؛ لاهتمام كتّاب التراجيديا الكبار بالقدر والمصير، ثم تأخذني توابل أكلة أخرى إلى فضاء العالم القديم على امتداد الصين والهند والجزيرة العربية؛ حيث الأكلات ذات الخليط المحضّر من بهارات متنوعة.
تمكنت أختي من تكوين خلطة بهارات لكل أكلة منفصلة عن الأخرى، فلكل خلطة جذورها وتوابلها الخاصة، ولكل صنف من التوابل تاريخه وثقافته المختلفة، وبمجرّد وضعها في مكانها المناسب، وبالمقدار المطلوب للطبخة، تنتج لنا أكلة محلية متنوعة الثقافات. ويذكرني هذا الخلط بثقافة «التعالق النصيّ في السرد؛ عندما جعل منه جيرار جينيت موضوع الإنشائية، معتبرا أن همها ليس دراسة النص في فرديته، بل الوقوف على مظاهر تفاعل النصّ مع ما سبقه ولحقه من نصوص أخرى».
من منا لا يذكر رواية مارسيل بروست البحث عن الزمن المفقود، التي ربط جزأها الأول (في جانب منزل سوان- 1913) بعوالم ذكرياته في طفولته التي تشكلّت مع قطعة من الكعك الجاف كان يغمسه في قدح من الشاي، منذ تلك اللحظة استعاد بروست الخواطر التي تعرفنا من خلالها على أفراد أسرته وشخصيات أخرى في الرواية.
وكذلك فعلت بدرية الشحي في روايتها الطواف حيث الجمر، حينما استدعت عن طريق تجارة القرنفل في زنجبار خلال القرن التاسع عشر، فضاء من التخييل السردي لحياة كاملة من البشر المنسحقين وطبقة التجار العمانيين الذين شكّلوا عبر العصور نخبة اقتصادية وسياسية نافذة.
ما زلت أظن أنني أقل مهارة من نائفة في التعامل مع المقادير، وإعداد الولائم العائلية، لكنها علمتني دون قصد أن الكتابة أيضا وصفة تحتاج إلى ميزان وصبر وإصغاء دقيق لما يحدث في الداخل. وإذا كان لها مطبخ تفوح منه رائحة التوابل، فإن لي مطبخا آخر أراقب فيه الكلمات وهي تنضج ببطء وتتحول إلى نص أطمئن إليه.