أنتسب إلى مدينةٍ يطيب فيها عيش المجانين، ويجدون فيها سَكنهم ومأكلهم وعناية الناس بهم، مدينة يرتحل إليها المجانين، ويقيمون فيها إلى نهاياتهم، ولذلك، فقد ألِفَت عيني منذ صغري أن أرى في كلّ حيّ وطريقٍ ومقهى ومطعم ومعهد ومدرسة مجنونًا له اختصاص ما، فمجانين مدينتي توقّفت عقولهم على أفعال يستعيدونها ويُعيدونها كل يوم وكلّ لحظة، ترى أحدهم توقّف عند حدثِ تنظيم حركة مرور الحافلات، يأمرها بالتوقّف والانطلاق، ويضبِط حركتها واصطفافها، وترى الآخر يخَاصِم الهواء، يُنازع الفضاء، يسبح فيه، يلطمه، يُمزِّقه إرَبًا، لا تعرف الكائنات التي يبقر بطونها، ويلوي أعناقها، وترى الآخر توقّف عند حالة من الضحك، يسير بسرعة مهولة وهو يُطلق الضحكات يمينا وشمالا،

وقس على ذلك من مشاهد رأيتها وما زالت عالقة بذهني، ومشاهد أخرى ما زلتُ أراها، وأشهد كلّ جديدها بحلول مجانين جدد يبزغون من الأرض، وكأنّهم مجانينها منذ أحقاب، ففي كل حين يظهر وجه جديد حاملٌ لفعلٍ حرّ يؤدّيه وهو طليق، فالمدن الساحليّة السياحيّة والاقتصاديّة المجاورة للقيروان تُوفِد مجانينها إلى القيروان، إذ كلّما جنَّ فيها إنسان وساح في الأنهج والطرقات قطعوا له تذكرة وأركبوه حافلةً إلى القيروان، وأوصوا عامل الحافلة أن يُنزله هناك، فإذا كان فوكو قد تحدث عن سفينة الحمقى في القرون الوسطى التي أركبوا فيها مجانين أوروبا لإبعادهم عن الأرض وعن عالم العقلاء، لعلّ عقولهم أن تُرَدَّ إليهم في عوالم المياه أو لعلّ عمقًا منها أن يأخذهم، فإنّ القيروان هي جنة الحمقى والمجانين، وأهلها يتضامنون بشكل لافت مع هذه الفئة، يُكرمون جوعهم ويروون عطشهم ويُهذّبون صرعهم وعنفهم.

لم تعنني هذه الأخلاط والأنواع كثيرًا، وقد تعودتُ مرآها والتعامل معها أحيانًا، ولكن كنتُ أنشدُّ إلى فئة منهم هم المجانين الأدباء والمجانين العقلاء والمجانين العلماء، أحدهم كان يجلس دومًا أمام معهد ثانويّ للبنات مجاور للمعهد الثانويّ الذي أدرس فيه، وكنت في سنّ الطفولة، وكان يجلس أمام المعهد يفكّ للبنات أسئلة الرياضيات ويُلقي دروسًا في الفيزياء ويتجلى أحيانا ليتحدث بعمق مذهل عن أحوالِ التصوف، جالسته مرارًا عندما بدأت أشبّ، وأدركتُ أنّ الرجل يُتقن خمس لغات أجنبية، بل الأدهى أنّه يُذْهب عقله بوعيٍ وإدراك، هو يختار أن يكون مجنونًا وأن يُقضّي فترة الشتاء تحت الجدران وفي العراء، وأن يكون متّسخ البدن، متحدِّثًا طوال الوقت مع نفسه، وهو في الصيف يعمل دليلاً سياحيّا في المدن السياحيّة الكبرى، يكون أنيق الملابس حليق الذقن، ولكن لا يفقد حالا من الحريّة يريدها، وقد رأيتُه بعد ذلك بسنوات يقود فريقًا سياحيّا أجنبيّا في مطعم راق يُشرف على البحر، يتحدَّث بلغة القوم، ويفيض في عرض المعلومات التاريخية، وعندما رآني أعرض عني بوجهه كأن لم يرني.

ولقد انتبهت العين الاستعمارية شديدة العقل أيّام الاستعمار الفرنسي لتونس إلى ظاهرة الجنون في مدينة القيروان، فأخرج الفرنسي جان أندريه كروزي فيلما موسيقيّا مبينًا عن تفرُّد المدينة باحتواء المجانين، في وقت مبكِّر، سنة 1939، عنوانه «مجنون القيروان – Le Fou de Kairouan».

تذكّرتُ هذا الموضوع وأنا أفكِّر في إشكاليّة الأدب والجنون، وفي صلة المثقّف بإراحة العقل، وإلقاء قيده، طوْعًا أو كرْهًا، وفي جنوح العقل الأدبيّ بدرجات متفاوتة إلى الانطلاق ومفارقة حدّ القيد، وفي عددٍ من مجانيننا العرب الذين عبّروا عبر التاريخ عن وعي عميق يتحقّق بتحرير العقل من رقابة المجتمع والأخلاق، ومن كلّ الضوابط التي يُمكن أن تسجن الإنسان.

مدينتي احتوت أعلامًا في الأدب من ابن رشيق وعلي الحصْري إلى منصف الوهايبي وحسونة المصباحي والحبيب السالمي، ولكنّها أيضًا ما زالت تضمّ نسبةً من أعلام الأدب المهمَّشين الذين لم يذكرهم التاريخ ولا الواقع، آثروا العيش على طريقتهم، لا ينشرون كتبًا وإن كانوا يلتهمون الكتب قراءةً واطّلاعًا، ولا يظهرون في وسائل الإعلام ولا يجنون مالا ولا حسَبًا ولا منزلةً اجتماعيّة، آثروا حياة الكتب، يعيشونها بكلّ تفاصيلها، زادهم الأساس ما يُقيم أصلابهم وما يروي عطشهم وما يُحرِّك أفئدتهم وما يُغذّي عقولهم التي يتّهمهم النّاس بأنّهم فقدوها، أجالس الكثيرين منهم وأتعلّم من حافظتهم ومن رؤيتهم للحياة، لا نميمة لديهم، ولا نزاع على نشْرٍ ولا على تحصيل مالٍ ولا على بناءِ ذِكْرٍ وتخليد اسمٍ، يكتبون بكلّ حريّة ويلقون ما يكتبونه، يُعبِّرون عن ذواتهم لذواتهم ويَضُنّون بأدبهم عن غير أهله، يعيشون في عالم يرونه، ويُحبُّون بصدق ويألمون بحقٍّ، ويتحدَّثون متى أرادوا ويصمتون متى أرادوا، فلا سلطة لأحدٍ على المجنون.