تتحرك الترتيبات المتعلقة بالمرحلة الثانية من الخطة الأمريكية بشأن قطاع غزة في مسار بالغ التعقيد والخطورة الميدانية والسياسية. وتكشف المعطيات الصادرة عن مصادر فلسطينية وغربية متقاطعة أن ممثل قطاع غزة في مجلس السلام، نيكولاي ميلادينوف، ينخرط في مناقشات مكثفة مع الجانب الإسرائيلي لبحث خيارات مستحدثة تهدف إلى إدخال «لجنة إدارة غزة» برئاسة علي شعث إلى المناطق التي يعيد جيش الاحتلال الإسرائيلي تموضعه فيها أو ينسحب منها جزئيًّا داخل القطاع.


ووفقًا لهذه المقترحات، تُمنح اللجنة مسؤولية إدارة الشؤون المدنية والحياتية، بالتزامن مع نشر قوة شرطية جديدة مستندة إلى دعم عربي إقليمي. هذا الحراك يعكس تحولًا جوهريًّا في طبيعة النقاش الإقليمي والدولي؛ إذ لم يعد مقتصرًا على الشكل النظري للإدارة المقبلة، بل بات يتركز عمليًّا على كيفية ملء الفراغ السيادي والأمني في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الحالية.


وتكتسب هذه التحركات خطورة استثنائية بالنظر إلى الوقائع الميدانية؛ إذ تشير التقديرات الراهنة إلى أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي ما زالت تبسط سيطرتها العسكرية على نحو «55%» من المساحة الإجمالية لقطاع غزة، وتحديدًا في المنطقة الواقعة شرق ما يُعرف بـ«الخط الأصفر». ويمثل هذا الخط الحد الفاصل غير المعلن بين مناطق النفوذ المتبقية لحركة حماس غربًا والمناطق الخاضعة للتوغل والسيطرة الإسرائيلية شرقًا.


وفي خضم هذا الواقع المأزوم، يبرز تساؤل مركزي حول مساعي إدخال اللجنة المدنية إلى هذه الجيوب الجغرافية: هل يمثل هذا الحراك تمهيدًا حقيقيًّا لمرحلة انتقالية منظمة، أم أنه محاولة لفرض ترتيبات إدارية وأمنية قسرية في الميدان دون توافق مع القوى المحلية أو تنسيق مسبق مع حركة حماس؟


مخاض «اليوم التالي»
يأتي هذا الحراك الميداني والدبلوماسي بعد أشهر من دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، وهو الاتفاق الذي تلاه تصاعد حاد في الجدل السياسي حول مفهوم «اليوم التالي» للحرب في غزة. وتراوحت الطروحات الدولية بين تشكيل إدارة مدنية تكنوقراطية مؤقتة، ووضع ترتيبات أمنية إقليمية، وسط خلافات عميقة وجذرية تتعلق بملفات نزع السلاح، وانسحاب قوات الاحتلال، وتحديد الجهة الشرعية المؤهلة لإدارة الأرض والكتلة البشرية الضخمة في القطاع.


وفي محاولة لتجاوز الاستعصاء السياسي، جرى الدفع بمقترح تشكيل لجنة تكنوقراط فلسطينية أو «لجنة إدارة مدنية» تتولى تسيير الشؤون الحياتية والخدمية الملحة للسكان خلال المرحلة الانتقالية.
لكن هذا المسار سرعان ما ارتطم بجدار من العقبات السياسية والأمنية المتشابكة؛ فالجانب الإسرائيلي أبدى تحفظات واعتراضات واسعة على تركيبة اللجنة وخلفيات أعضائها، في حين تمسكت حركة حماس بموقف مبدئي لا يناهض فكرة الإدارة المدنية كأداة لتأمين استقرار القطاع، بل يشترط تراتبية تنفيذية حاسمة؛ تقضي بأن أي ترتيبات إدارية أو سياسية داخلية يجب أن تنطلق أولًا من التزام كامل باستحقاقات المرحلة الأولى، وعلى رأسها الانسحاب الشامل للاحتلال الإسرائيلي وتلبية المطالب الإنسانية والإغاثية العاجلة.


وبناءً على ذلك، رفضت الحركة صيغ المقترحات الخارجية التي تحاول القفز فوق هذه الأساسيات لفرض إدارات بديلة تُسقط من الخارج دون توافق وطني. وبين هذين الموقفين المتعارضين، ظل مشروع اللجنة يتأرجح في الفضاء السياسي بوصفه بالون اختبار ومناورة سياسية معقدة، بدلًا من كونه قرارًا تنفيذيًّا قابلًا للتطبيق على أرض الواقع.


هندسة أمنية أم مناورة؟
الأهمية الحقيقية للتسريبات الأخيرة المحيطة بتحركات ميلادينوف لا تكمن في البُعد الإداري أو الخدمي المحض للجنة المقترحة، بل في الترتيبات العملياتية المقترنة بها. فالحديث لا يدور عن بلديات أو مؤسسات خدمية تقليدية، وإنما عن خطة لإحلال هذه اللجنة في مناطق حيوية من المفترض أن يخليها جيش الاحتلال، على أن تترافق هذه العملية مع نشر عناصر شرطية جديدة كليًّا وبغطاء ودعم مالي وسياسي عربي. هذه الصياغة المتقدمة تكشف بوضوح أن المشروع المطروح يتجاوز تقديم المساعدات إلى محاولة هندسة أمنية واجتماعية واسعة النطاق، تهدف إلى إعادة صياغة نمط الحكم والسيطرة في المناطق التي يُعاد تعريف مكانتها العسكرية.


من ناحية أخرى، فإن الإشارات المتواترة إلى إمكانية تمرير هذا المسار وتطبيقه دون تنسيق أو موافقة من حركة حماس تمنح التطورات الأخيرة بعدًا سياسيًّا بالغ الحساسية؛ إذ إن الجوهر هنا لا يتعلق بآليات تنسيق تقني، بل بمحاولة حثيثة لإعادة تعريف مركز القرار السياسي والسيادي داخل قطاع غزة. ومن هذا المنظور التحليلي، يتحول التسريب الراهن إلى اختبار عملي مبكر لمدى قابلية تطبيق المرحلة الثانية من خطة ترامب، ومدى القدرة الدولية والإقليمية على فرض وقائع ميدانية وإدارية جديدة ومستدامة على الأرض قبل نضوج أو اكتمال التفاهمات السياسية الشاملة بين الأطراف الرئيسية.


«وهم سياسي»
في سياق تفكيك هذه التحركات، تكتسب الأطروحة، التي قدمها المحلل السياسي الفلسطيني مأمون أبو عامر، لـ«عُمان»، أهمية خاصة، لكونها تضع الإصبع على العصب الحساس للمسألة برمتها. يرى أبو عامر أن أي انتقال للجنة الإدارة المدنية إلى المناطق الشرقية أو إلى رفح، عقب أي انسحاب إسرائيلي محتمل، لا يمكن أن ينفصل عن ترتيبات أمنية صارمة ومحددة، ووجود مظلة دولية حقيقية، وضمن تسلسل إجرائي منظم لا يمكن تجاوزه أو القفز فوق محدداته. وبناءً على ذلك، فإن القراءات التي تروج لإمكانية إقصاء السلطة الفلسطينية بالكامل أو القفز التام فوق حضور حركة حماس الميداني والسياسي لا تعدو كونها جزءًا من «وهم سياسي» ومقاربات غير واقعية تُدار بها المرحلة الانتقالية المرتبكة.


ويؤسس أبو عامر قراءته بالعودة إلى المرجعية النصية الأوضح في هذا النقاش، وهي «البند رقم 17 من خطة ترامب»، والذي ينص حرفيًّا على أنه: «في حال قيام حماس بتأخير أو رفض هذا الاقتراح، فإن ما سبق ذكره، بما في ذلك عملية المساعدات الموسعة، ستستمر في المناطق الخالية من الإرهاب التي تم تسليمها من جيش الدفاع الإسرائيلي إلى القوات الدولية المتعددة الجنسيات». هذا النص يكشف بدقة عن ثغرة تطبيقية خطيرة في تحركات ميلادينوف الحالية؛ فالخطة تشترط صراحةً أن يتم تسليم هذه المناطق إلى قوات دولية متعددة الجنسيات لتتولى العمل تحت مظلتها وتوفير الحماية اللازمة لها، بعيدًا عن الوجود المباشر للاحتلال.


وعليه، فإن قيام ميلادينوف بالقفز فوق هذه الخطوة الجوهرية والاندفاع نحو الانتقال المباشر للجنة إلى المناطق الشرقية ورفح دون وجود حقيقي ومستقل لهذه القوات الدولية، يعني عمليًّا، وفقًا لأبو عامر، تعريض حياة المواطنين الفلسطينيين في غزة لخطر أمني داهم وللموت، فضلًا عن تصفية حقوقهم السياسية والقانونية، وهو ما يمثل مخالفة صريحة للشروط والآليات السيادية التي نصت عليها خطة ترامب ذاتها.


معضلة القوات الدولية
ولا يزال ملف مساهمة القوات الدولية في قطاع غزة يواجه تعقيدات ومشكلات بنيوية عميقة لم تجد طريقًا للحل حتى الآن، لا سيما في الجوانب المتعلقة بتحديد أهداف تلك القوات، ونطاق انتشارها الجغرافي، وطبيعة علاقتها بالأنشطة المسلحة والعمليات الحربية المستمرة التي لم تتوقف مسبباتها في الميدان.


وفي ظل هذه الضبابية، تصبح تصريحات المنسق الأممي السابق نيكولاي ميلادينوف الأخيرة بشأن الانهيار المتسارع للأوضاع الأمنية والإنسانية في القطاع مؤشرًا على تحركات تجري بكثافة خلف الكواليس، وتأكيدًا على أن المواقف المعلنة لا تصدر من فراغ بل تعكس محاولات جادة لإعادة ترتيب الأوراق، متقاطعة مع تساؤلات حتمية عما إذا كنا أمام بداية ضغوط دولية حقيقية لفرض وقائع جديدة.


وبناءً على هذه المعطيات، يمكن تقدير المشهد الراهن بأن النغمة المتصاعدة والتقارير المتواترة التي تتحدث عن قرب انتقال اللجنة المدنية للعمل في المناطق الشرقية والجنوبية تندرج في الوقت الحالي ضمن أدوات الضغط السياسي والنفسي المركّز على حركة حماس. وهدف هذا الضغط هو دفع الحركة لتقديم تنازلات في الملفات التفاوضية الأشمل، بانتظار اتضاح الصيغة النهائية لكيفية تسلم القوات الدولية لرفح والمناطق الشرقية من جيش الاحتلال الإسرائيلي بعد انسحابه منها. وحتى تتبلور تلك الآلية الأمنية الدولية، فإن التهديد بالانتقال الإداري سيبقى معلقًا في سياق المناورة السياسية قبل أن يتحول إلى واقع تطبيقي منجز.


آفاق التحول الفعلي
في المحصلة، لا يشير الحراك الأخير إلى عملية انتقال إداري تقليدية، بل إلى محاولة دولية وإقليمية حثيثة لبلورة وقائع جديدة في قطاع غزة تبدأ جغرافيًّا من المناطق التي قد ينسحب منها الاحتلال، وتُدار لاحقًا عبر صيغة هجينة تجمع بين اللجنة المدنية وقوة شرطية مدعومة عربيًّا.


ومع ذلك، فإن هذا السيناريو يظل محكومًا بحدود وموانع موضوعية بالغة التعقيد، أبرزها غياب تسوية نهائية وشاملة لملفات الأمن، والانسحاب الكامل، وشرعية التنفيذ على الأرض. وعليه، فإن قراءة هذه التطورات تضعها في سياق المقترحات الخاضعة للتفاوض والمناورة بين الأطراف؛ إذ ما لم تُحسم العناصر السيادية الكبرى، سيبقى انتقال اللجنة احتمالًا سياسيًّا مفتوحًا على كل السيناريوهات، بدلًا من كونه واقعًا منجزًا في الميدان.