العُمانية: لم يعد مفهوم "النجاح المهني" لدى جيل الشباب مرهونًا بمسمّى وظيفي واحد أو مسار تقليدي ثابت، بل أخذ يتشكّل اليوم بوصفه تجربة متعدّدة الأبعاد، تتقاطع فيها الاهتمامات والمهارات بين الوظيفة الأساسيّة والمشروعات الإبداعيّة والأنشطة الرقميّة.
وفي ظل التحوّلات التي يشهدها سوق العمل وانتشار المنصات الرقمية، برز اتجاه متنامٍ بين الشباب نحو بناء “هويات مهنية مركّبة”، تجمع بين أكثر من دور في آنٍ واحد، في مشهد يعيد تعريف العلاقة بين الفرد وعمله.
ويرى مهتمون أن هذا التحول لا يعكس رفضًا للتخصص بقدر ما يعكس رفضًا “للانحصار” في تعريف واحد، إذ أصبح بالإمكان اليوم أن يكون الفرد موظفًا وصانع محتوى ورائد أعمال في الوقت نفسه، مُستفيدًا من أدوات رقميّة أتاحت له التعبير والإنتاج خارج الأطر التقليدية.
غير أن هذا التعدّد يطرح تساؤلات حول ما إذا كان يمثل قوة إنتاجيّة تعزّز فرص النجاح، أم حالة من التشتت المهني التي قد تضعف التركيز والاستقرار.

**media[3390237]**


وفي هذا السياق، يقول نايف بن إبراهيم العلوي، معلم كيمياء وصانع محتوى تعليمي: إن الجمع بين أكثر من مسار مهني لم يعد خيارًا ثانويًّا، بل ضرورة تفرضها طبيعة العصر، موضّحًا أنه لا يرى تعارضًا بين كونه معلمًا وصانع محتوى، بل هو تكامل يعزز أداءه في الجانبين كليهما.
ويشير إلى أن الميدان التعليمي يتيح له فهم احتياجات الطلبة وتحدياتهم بشكل مباشر، فيما تمنحه صناعة المحتوى مساحة أوسع للإبداع وتبسيط المعلومة بطرق مبتكرة، مؤكدًا على أن “التجربة الواقعية والمحتوى الرقمي يخدمان بعضهما البعض ويصنعان أثرًا أكبر لدى المتلقي".
ويضيف أن الانتقادات التي تُوجَّه أحيانًا لمن يتنقل بين مجالات متعددة، بوصفهم “مشتتين”، لا تعكس بالضرورة حقيقة هذا النمط الجديد، مبينًا أن التنوع في المهارات قد يكون مصدر قوة إذا أُحسن تنظيمه وإدارته.
ويرى أن وجود وظيفة أساسية مستقرة، إلى جانب مسارات أخرى قائمة على الشغف، يمثل نموذجًا متوازنًا يحقق الأمان المهني والتطور الشخصي في آنٍ واحد.

**media[3390238]**


من جانبها، تقدم شمايل الحوسني، طالبة بجامعة التقنية والعلوم التطبيقية بنزوى نموذجًا آخر لهذا التوجه، حيث ترى أن الحياة أوسع من أن تُختزل في مسار واحد، مؤكدة على أن التجربة والاستكشاف هما السبيل الحقيقي لاكتشاف الذات وتحديد الاتجاه المهني.
وتوضح أن تنقلها بين مجالات متعددة، من التصميم إلى الإعلام والمسرح والعمل التطوعي، أسهم في بناء وعي أعمق بذاتها وقدراتها، قائلة إن “التجارب المتنوعة فتحت أمامها آفاقًا جديدة، ومكّنتها من فهم ما تحب وما يمكن أن تبدع فيه فعلًا، بدل الالتزام المبكر بخيار قد لا يعكس حقيقتها”.وتشير إلى أن خوضها تجارب عملية في مجالات مختلفة، مثل العمل في الإنتاج الفني والتقديم الإعلامي والمشاركة في الفعاليات والمهرجانات، أتاح لها الاحتكاك المباشر بسوق العمل، مما أسهم في تشكيل تصور أكثر واقعية لمسارها المهني قبل التخرج.
وتلفت إلى أن المجتمع ما يزال يمارس ضغوطًا على الشباب لاختيار مسار واحد في سن مبكرة، بدءًا من الأسئلة التقليدية في الطفولة حول “ماذا تريد أن تكون؟”، وصولًا إلى التوقعات المرتبطة بالتخصص الجامعي وسوق العمل، معتبرة أن هذا النمط لا يواكب طبيعة العصر الذي يتيح إمكانات أوسع للتجربة والتنوع.
وتؤكد على أن رحلة البحث عن “المجال الحقيقي” ليست لحظة حاسمة بقدر ما هي مسار مستمر، مبينة أن الإحساس بالانتماء لمجال معين يتشكل تدريجيًّا من خلال التجربة والإنجاز، دون أن يلغي ذلك إمكانية استكشاف مجالات أخرى في المستقبل.
ويجمع مراقبون على أن التعدّد المهاري بات صفة بارزة في الجيل الجديد، مدفوعًا بعوامل عدة، من بينها التحول الرقمي، وتغير طبيعة الوظائف، إلى جانب الرغبة في تحقيق الذات بعيدًا عن القوالب التقليدية.
وفي المحصلة، يبدو أن الجيل الجديد لا يسعى إلى هدم فكرة التخصص، بل إلى إعادة صياغتها بما يتلاءم مع واقع أكثر مرونة وانفتاحًا، حيث لم يعد السؤال: “ماذا تعمل؟” كافيًا لتعريف الإنسان، بل أصبح الأجدر: “ماذا تستطيع أن تكون؟ في عالم تتعدّد فيه المسارات وتتقاطع فيه الهُويات.