لا تُقاس حياة الإنسان بطول الأعوام، كما قال علي الطنطاوي، وإنما بعرض الأحداث. هذا ما خطر لي وأنا أقرأ سيرة إروين تشارجاف؛ العالم الذي عاش ستةً وتسعين عامًا، غير أن حياته اتسعت بما يتجاوز معنى العمر نفسه. أدهشتني سيرة هذا الرجل المتشرد بين الأمكنة والأفكار: عالمٍ متمرّد، حادّ المزاج، متّقد الذهن، ساخر، وانقلابيّ بالمعنى النبيل للكلمة؛ أي بالمعنى الذي يجعل الأفكار العلمية تثور على سابقاتها، وتعيد ترتيب النظر إلى العالم. 

**media[3389979]**

يرى توماس كون في كتابه الشهير «بنية الثورات العلمية» أن العلم لا يتقدم دائمًا بتراكم هادئ للنظريات، نظرية فوق أخرى، وإنما قد يتقدم عبر انقلابات كبرى تغيّر طريقة النظر إلى العالم. سمّى كون هذا التحوُّل «تغيُّر النموذج الإرشادي» أو «تحوُّل الإطار المعرفي». يطرح هذا الانقلاب إطارًا جديدًا كاملًا يغيّر الأسئلة والأدوات وطريقة تفسير الظواهر. فعلى سبيل المثال، ظلّ الحمض النووي DNA زمنًا طويلًا جزيئًا متهمًا بالبساطة. كان كثير من العلماء يظنون أن البروتينات أقدر منه على حمل الوراثة، لأنها أكثر تنوعًا في تركيبها. أما الحمض النووي، المؤلف من أربع قواعد نيتروجينية، فبدا كأنه جزيء فقير، مكرر، لا يصلح لحفظ أسرار الحياة. وكانت فرضية فويبوس ليفين عن «رباعي النيوكليوتيد» من أبرز أسباب هذا التصوُّر. افترض ليفين أن القواعد الأربع في الحمض النووي ـ الأدنين والثايمين والجوانين والسايتوسين ـ تتكرر بنسب متساوية في جميع الكائنات. 

ثم جاء إروين تشارجاف، وفي ذهنه سؤال بسيط: هل هذه القواعد متساوية حقًا؟ 

ولد تشارجاف عام 1905 في مدينة تشيرنوفتسي، التي كانت تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية، وتقع اليوم في أوكرانيا. هاجرت أسرته إلى فيينا أثناء الحرب العالمية الأولى، وهناك درس في مدرسة جمنازيوم، ثم التحق بجامعة فيينا للتكنولوجيا، حيث بدأ دراسته للدكتوراه في الكيمياء، وكان موضوعه معقدات الفضة العضوية. 

وعلى خلاف الصورة المألوفة عن العلماء الذين يدخلون العلم بدافع شغف مبكر أو موهبة استثنائية، دخل تشارجاف عالم الكيمياء مصادفة، وربما على شيء من الإكراه. لم يكن يملك، في بداياته، نبوغًا ظاهرًا، لكنه امتلك همة عالية وصراحة لاذعة. والأغرب أن استمراره في دراسة الكيمياء، ونيله شهادة عليا فيها، كانا مرتبطين برغبته في الحصول على وظيفة في مصنع كحول يملكه عمّه. لكن الحظ خذله؛ فقبل أن يكتب الفصل الأول من أطروحته، توفي عمّه، وتبخرت آماله الكحولية في إدارة المصنع. ومع ذلك، ظل متمسكًا بروابط الكيمياء، وأكمل الدكتوراه عام 1928. 

وحين غاص لاحقًا في بحر العلوم كتب قائلًا: «أحببتُ الكيمياء، ودخلتُ عالمها بسبب علاقتها الرومانسية بالطبيعة، ووضوحها وسط الظلام. أما ما جذبني، ببطء وتردد، إلى علم الأحياء، فهو ظلامه الدامس المحاط بإشراق الطبيعة وقداسة الحياة. ولذلك كنت دائمًا أتأرجح بين سطوع الواقع وظلام المجهول». 

في عام 1930 انتقل تشارجاف إلى جامعة برلين، بعدما حصل على وظيفة أستاذ مساعد وباحث في مختبرات الأحياء المجهرية. غير أن حلمه بالاستقرار الوظيفي سرعان ما صار مستحيلًا بعد صعود هتلر إلى السلطة عام 1933. ونتيجة لذلك، انتقل إلى معهد باستور في باريس، حيث قضى عامين يعمل على الأصباغ البكتيرية والسكريات المتعددة. وبحلول عام 1935، هاجر إلى الولايات المتحدة، وبدأ رحلته الأكاديمية في جامعة كولومبيا. هناك استقبله رئيس قسم الكيمياء الحيوية، هانز تاتشر كلارك، بحفاوة وكرم، وسخّر إمكانات المختبر للباحثين الجدد، حتى صار مختبره وجهة مفضلة وملاذًا علميًا آمنًا للعلماء الفارين من جحيم الحرب. 

وبعد سبعة عشر عامًا من العمل المتواصل في جامعة كولومبيا، أصبح تشارجاف أستاذًا، ثم تولى رئاسة قسم الكيمياء الحيوية بين عامي 1970 و1974. 

في عام 1944، نشر الطبيب والباحث الكندي أوزوالد أيفري بحثًا مهمًا في مجلة الطب التجريبي عن تحديد المادة الوراثية في البكتيريا. كشف ذلك البحث أن الحمض النووي DNA، الذي تتكون منه الجينات والكروموسومات، يمثل المادة الوراثية في الكائنات الحية. قرأ تشارجاف البحث بعمق واهتمام شديدين، وعلّق عليه لاحقًا بقوله: «لقد أعطانا أيفري النص الأول من اللغة الجديدة، أو دلّنا، على الأقل، أين ينبغي أن نبحث عنها. لقد قررت البحث عن هذا النص». 

ومنذ تلك اللحظة، تخلى تشارجاف عن معظم أعماله السابقة، واتجه إلى كيمياء الحمض النووي. بدأ رحلته بسؤال منطقي مباشر: إذا كان الحمض النووي في الأنواع المختلفة يُظهر خصائص بيولوجية مختلفة، أفلا ينبغي أن تكون هناك اختلافات كيميائية يمكن إثباتها؟ كان التحدي أمامه أن يبتكر طريقة دقيقة لتحليل القواعد النيتروجينية والسكر في الحمض النووي، من أعضاء وأنسجة وكائنات حية مختلفة.كان يدرك أن الحصول على كميات كبيرة من الحمض النووي يحتاج إلى جهد ووقت، لذلك احتاج إلى طريقة جديدة تمكّنه من التعامل مع عينات صغيرة، وتعطي نتائج سريعة وموثوقة. وقد ساعده في ذلك ظهور تقنية الكروماتوغرافيا الورقية Paper Chromatography، التي طوّرها الكيميائيان البريطانيان آرشر مارتن وريتشارد سينج عام 1943. تقاسم مارتن وسينج جائزة نوبل في الكيمياء عام 1952 لاختراعهما هذه التقنية، التي أحدثت تحولًا مهمًا في الكيمياء التحليلية، ومهّدت لتطور طرائق التحليل اللوني حتى يومنا هذا. وتشير كلمة الكروماتوغرافيا، التي تعني حرفيًا «الكتابة الملونة»، إلى مجموعة من الطرق الفيزيائية المستخدمة لفصل مكونات خليط معقد من المركبات الصغيرة وتحليلها، اعتمادًا على الخاصية الشعرية للسوائل.وليس مصادفة أن تُسمى الكيمياء في الهولندية Scheikunde، أي «فنّ الفصل». فالكروماتوغرافيا الورقية، في جوهرها، طريقة بسيطة وسريعة لفصل مركبات الخليط بعضها عن بعض، نتيجة اختلاف سرعات حركتها على الورقة، التي تُعرف بالوسط الثابت. أما الخليط المراد فصله فيوضع في مذيب يمثل الوسط المتحرك. وتحدث عملية الفصل بسبب اختلاف درجة امتزاز المركبات على سطح الورقة؛ أي اختلاف مدى ارتباط جزيئات المادة بسطح الوسط الثابت. فكلما زادت درجة الامتزاز، قلت سرعة حركة المركب، وكلما ضعفت، تحرك المركب أسرع. وهكذا تنفصل مكونات الخليط وفق اختلاف سرعاتها، كأن كل مركب يكشف عن هويته الخاصة على الورقة. 

استفاد تشارجاف من تطور تقنية الكروماتوغرافيا الورقية، وبدأ يفصل خليط الحمض النووي DNA إلى مكوناته الفردية بهذه الطريقة. وكان بالإمكان تحديد الكمية الدقيقة لكل مكوّن من مكوناته، من البيورينات والبيريميدينات، اعتمادًا على مقدار امتصاصه للأشعة فوق البنفسجية UV. 

وتمتاز القواعد النيتروجينية الأربع في الحمض النووي بقدرتها العالية على امتصاص الأشعة فوق البنفسجية، وهي خاصية ساعدت تشارجاف في قياسها، كما تفسر، في جانب آخر، كيف يمكن للتعرض المباشر والمفرط لأشعة الشمس أن يحدث طفرات في الحمض النووي، قد تؤدي أحيانًا إلى سرطان الجلد. 

ومع مرور الوقت، حسّن تشارجاف طرائق القياس الكمي الأولية، وأرسل بحثين عن التحليل الكمي الكامل لعدد من مستحضرات الحمض النووي إلى مجلة الكيمياء البيولوجية؛ تناول الأول البيورينات والبيريميدينات في الحمض النووي المستخلص من الغدة الصعترية للعجول والطحال البقري، وتناول الثاني الحمض النووي المستخلص من البكتيريا والخمائر. وعلى الرغم من أن هذين البحثين سيثبتان لاحقًا أنهما من المساهمات الجوهرية في فهم بنية الحمض النووي والشفرة الجينية، فإن محرر المجلة أوقف نشرهما، وطلب من تشارجاف وزملائه تقديم مزيد من الأدلة. 

كتب تشارجاف لاحقًا مقالة بعنوان كيف حصل علم الوراثة على تعليم كيميائي، علّق فيها على تجاهل المجتمع العلمي لأبحاث الأحماض النووية من منظور كيميائي، فقال: 

«لقد نشرت المجلة في أعداد سابقة قرابة خمسة وسبعين بحثًا من غير أن يطلب المحرر أي تعديل، غير أن الأوراق المتعلقة بتكوين الحمض النووي أُعيدت إليّ مع اعتراض سخيف على نحو خاص. سألني: كيف يمكنني التعبير عن تكوين الحمض النووي بتركيز المولات؟ وكانت إجابتي له جزءًا من المحاضرة التمهيدية عن الأحماض النووية، التي كنت ألقيها آنذاك على طلاب السنة الأولى في كلية الطب بجامعة كولومبيا». 

في عام 1950، جمع نتائجه المتفرقة في مراجعة شاملة بعنوان «الخصوصية الكيميائية للأحماض النووية وآلية تحللها الإنزيمي». وقد أظهرت النتائج، كما يبيّن الجدول، أن مكونات النيوكليوتيدات تختلف بطرائق معقدة باختلاف مصدر الحمض النووي. وهذا بالضبط ما كان يبحث عنه تشارجاف في سؤاله الأول؛ إذ عززت هذه النتيجة اعتقاده بأن الحمض النووي DNA ليس جزيئًا رتيبًا تتكرر فيه القواعد على نحو آلي، وإنما جزيء قادر على حمل خصائص تشفير المعلومات التي تتطلبها المادة الوراثية. ومع هذا الاختلاف في التركيب، لاحظ سمة ثابتة لافتة: انتظام النسب بين بعض القواعد النيتروجينية. وقد خلص من أبحاثه إلى ثلاثة استنتاجات أساسية: 

أولًا: إن فرضية ليفين عن رباعي النيوكليوتيد غير صحيحة؛ لأنها افترضت أن القواعد الأربع توجد بنسب متساوية في جميع الكائنات الحية. 

ثانيًا: إن تركيب القواعد النيتروجينية في الحمض النووي يختلف باختلاف الأنواع؛ فهو متقارب داخل النوع الواحد، لكنه يختلف من كائن إلى آخر، مما يمنح كل نوع بصمته الكيميائية الخاصة. 

ثالثًا: في جميع عينات الحمض النووي DNA تقريبًا، تكون كمية الأدنين مساوية لكمية الثايمين A = T، وكمية الجوانين مساوية لكمية السايتوسين G = C. 

وتُعرف هذه الاكتشافات اليوم باسم قواعد تشارجاف، وهي من المفاتيح الكبرى التي مهدت لاحقًا لفهم بنية الحلزون المزدوج للحمض النووي. 

وعلى الرغم من النتائج المهمة التي قدّمها تشارجاف، ولا سيما استنتاجه الثالث عن انتظام النسب بين القواعد النيتروجينية، وهو الاستنتاج الذي أدّى دورًا جوهريًا في تحديد البنية الحلزونية المزدوجة للحمض النووي DNA، لم يكن اسمه ضمن العلماء الذين نالوا جائزة نوبل عام 1962. فقد مُنحت الجائزة إلى جيمس واتسون، وفرانسيس كريك، وموريس ويلكنز، لاكتشافهم التركيب الحلزوني المزدوج للحمض النووي. 

وقبل ذلك بسنوات، وتحديدًا في مايو عام 1952، ناقش تشارجاف نتائجه مع واتسون وكريك في اجتماع لا يمكن وصفه بالودي. وقد أخبر لاحقًا المؤرخ هوراس جودسون، المهتم بتاريخ الأحياء الجزيئية ومؤلف كتاب اليوم الثامن من الخلق، أنه صُدم من جهل واتسون وكريك، ورأى أنهما يمارسان علم الأحياء بقدر كبير من السذاجة. وكان تشارجاف يعتقد أن اكتشافهما اعتمد على استنتاجاته، وخاصة ما يتعلق باقتران القواعد النيتروجينية. بيد أن جودسون رفض هذا الادعاء، ورأى في الطبعة الجديدة من كتابه، الصادرة عام 1996، أن واتسون وكريك لم يكونا على معرفة مسبقة كافية بنتائج تشارجاف، وأن الأخير لم يقدّم في أبحاثه المنشورة تفسيرًا واضحًا لآلية اقتران القواعد النيتروجينية بعضها ببعض. 

ويكتب تشارجاف في كتابه نار هيراقليطس، معلقًا ومتهكمًا على تناقضات المجتمع العلمي في تعامله مع الأحداث العلمية: 

«عندما يسألني أصحاب النية الطيبة: لماذا لم تكتشف أنت نموذج الحمض النووي؟ كان جوابي دائمًا: لأنني كنت غبيًا جدًا. ولو أنني تعاونت مع روزاليند فرانكلين، لتوصلنا إلى اكتشافه قبل واتسون وكريك. ومع ذلك، أشك في أننا كنا قادرين على تحويل الحلزون المزدوج إلى رمز عظيم حلّ محل الصليب، بوصفه توقيعًا للأبجدية البيولوجية». 

بعد هذه الحادثة، صار تشارجاف معارضًا شرسًا لبحوث الأحياء الجزيئية والهندسة الوراثية. وقد بلغ نقده ذروته في مقالة نشرها عام 1979 في دورية أكاديمية نيويورك للعلوم، قال فيها ساخرًا: «ثورة الأحياء الجزيئية: 10% تقدّم و90% كلام فارغ». 

كانت شخصية تشارجاف معقدة، كأنها حلزون مزدوج: بارد المشاعر، سليط اللسان، حادّ الطباع، ناقد لاذع، وكاتب بارع. وفي أثناء بحثي في سيرته، قرأت له مقالًا بعنوان حمّى المنطق على طريقة الأوائل، يسرد فيه بداياته المهنية بأسلوب قصصي جميل. وجدته كاتبًا حرًا، يعبّر عما يدور في رأسه مباشرة، من غير تجميل ولا دبلوماسية منمّقة. وحين وصف لحظة سفره الأول إلى الولايات المتحدة، كتب: «مع اقتراب موعد مغادرتي، زادت مخاوفي. كنت خائفًا من الذهاب إلى بلد تاريخه أصغر من معظم مراحيض فيينا». 

وعلى الرغم من حصوله على الجنسية الأمريكية، لم يشعر تشارجاف بكيمياء تجاه أمريكا. ظلّ يرى نفسه غريبًا في نيويورك، مدينة الغرباء والمهاجرين، وظل مسكونًا بذكريات البلاد التي غادرها. وحتى جامعة كولومبيا، التي عمل بين جدرانها أربعين عامًا، ونشر باسمها أكثر من تسعين بحثًا، لم تكن نهايته معها سعيدة ولا لائقة بتاريخه الأكاديمي. فبعد منحه لقب أستاذ فخري عام 1974، أُغلق مكتبه، ونُقل إلى مكتب آخر صغير وبعيد. حاول رئيس قسم الكيمياء الجديد أن يستعيده، فكتب إليه رسالة يدعوه فيها إلى العودة إلى مكانه القديم. فردّ تشارجاف برسالة مقتضبة: «طلبي الوحيد ألا يرتبط اسمي باسم الجامعة». 

بقي تشارجاف إلى آخر أيامه شكاكًا، منفردًا، غريبًا عن السرب. وربما كان يدرك في أعماقه أن اسمه لا يحتاج إلى تمثال ولا إلى جائزة؛ فـقواعد تشارجاف، ذلك الاسم الذي تحفظه كتب الأحياء اليوم لنِسَب القواعد النيتروجينية في الحمض النووي التي كشفها، كانت وحدها كافية لتخليد أثره. 

سعد صبار السامرائي جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق