يحتل الأرز مكانة كبيرة في مائدة الطعام في معظم الدول الآسيوية، ومنها دول الخليج العربية، حيث لا تكاد تخلو وجبة غداء منه، وعلى الرغم من هذا الانتشار الواسع، تظهر العديد من الدراسات والتقارير عدة مخاطر صحية مرتبطة بزراعة الأرز واستهلاكه، ويكمن السبب الرئيسي وراء ذلك هو الكمية الكبيرة من المياه التي تعتمد عليها زراعة الأرز، فعندما يُغمر الأرز بالماء، تذوب بعض الملوثات الموجودة في التربة في الماء المستخدم، مما قد يؤدي إلى تلوث الأرز بالمواد الضارة المذابة في الماء، ولذا؛ فمن المهم زراعة الأرز في مناطق بعيدة عن مصادر التلوث، ولكن الواقع الذي كشفت عنه الدراسات الحديثة يختلف تماما، إذ أظهرت تحاليل عينات الأرز في العديد من الدول الآسيوية والخليجية وجود تراكيز من المعادن الثقيلة تتجاوز الحدود المسموح بها، وهذا يثير قلقا صحيا كبيرا في منطقة تعتمد بشكل كبير على الأرز كمصدر غذائي أساسي. 

يمكن تعريف المعادن الثقيلة بأنها معادن ذات كثافة عالية نسبيا مقارنة ببقية المعادن، وتُوصف المعادن عادة بأنها (ثقيلة) إذا كانت كثافتها أكبر من 5 جرامات لكل سنتيمتر مكعب، من أبرز هذه المعادن الرصاص، والزئبق، والكادميوم، والكروم، ورغم أهمية هذه المعادن في بعض الصناعات، إذ إنها تستخدم في صناعة السيارات، حيث تدخل في تصنيع المحركات وأجزاء الهيكل لتعزيز القوة والمتانة، كما أنها تستخدم في البناء، وكذلك، تدخل هذه المعادن في صناعة الطائرات والسفن بسبب مقاومتها للظروف الصعبة وقوتها العالية، بالإضافة إلى دورها في صناعة الأجهزة الإلكترونية والآلات الثقيلة، حيث تضمن الأداء العالي وطول العمر، إلا أن وجودها في البيئة أو الغذاء بتراكيز أعلى من المسموح به يشكل خطورة صحية كبيرة لأنها تميل إلى التراكم داخل الكائنات الحية، مسببة أضرارا صحية مثل التسمم واضطرابات في وظائف الأعضاء الحيوية، فالزئبق يؤثر على الجهاز العصبي بشكل خاص، ويشكل خطرا على الأطفال والحوامل، حيث قد يسبب تأخرا في النمو واضطرابات معرفية دائمة، أما الكادميوم والرصاص والزرنيخ، فترتبط بزيادة مخاطر الإصابة بأنواع مختلفة من السرطان، خاصة سرطان القولون، كما أن التعرض المزمن لهذه المعادن عبر الطعام قد يؤدي إلى مشاكل صحية طويلة الأمد، مما يشكل تحديا صحيا حقيقيا في منطقتنا التي نعتمد فيها على الأرز بشكل كبير، ولذا فمن الضروري مراقبة تراكيزها في البيئة بدقة لضمان عدم تجاوزها لمستويات تشكل خطرا على صحة الإنسان والنظام البيئي. 

في دراسة بيئية مهمة أجريت في شمال شرق إيران، تم تحليل توزيع المعادن الثقيلة في الطعام وربطها بمعدل الإصابة بسرطان القولون، وقد أظهرت النتائج أن المناطق التي تحتوي على تراكيز مرتفعة من المعادن الثقيلة مثل الكادميوم والرصاص والزرنيخ في الطعام كانت مرتبطة بمعدلات مرتفعة بشكل ملحوظ من سرطان القولون، كما أشارت الدراسة إلى أن التعرض المزمن لهذه المعادن عبر الغذاء قد يسبب طفرات جينية ويعطل وظائف الخلايا الطبيعية في بطانة القولون، مما يزيد من خطر الإصابة بهذا المرض. 

وفي دول الخليج، أظهرت دراسات حديثة أن العديد من أنواع الأرز التي نستهلكها تحتوي على نسب مرتفعة من المعادن الثقيلة؛ ففي الإمارات العربية المتحدة، كشفت دراسة أجريت عام ٢٠٢٣م عن مستويات زئبق ورصاص تفوق الحدود المسموح بها في معظم عينات الأرز التي تم تحليلها، مما يعني أن السكان معرضون لهذه السموم بشكل يومي، وفي المملكة العربية السعودية، أظهرت دراسة نشرت عام ٢٠١٧م وجود معادن سامة مثل الرصاص والكادميوم والزرنيخ في أجزاء كبيرة من الأرز المستورد، وبعض هذه المعادن لا يقل تركيزها كثيرا حتى بعد غسل الأرز ونقعه. 

وفي دراسة نشرت عام ٢٠٢٥ م تمت على عينات من الأرز المتوفر في سوق الأحساء بالمملكة العربية السعودية، وركزت على مدى تلوثه بالمعادن السامة، وقد استخدم الباحثون جهازًا متخصصًا لقياس تركيز المعادن في الأرز، كما درسوا تأثير غسله، ونقعه في الماء، وطهيه لمدة ساعتين على تقليل هذه المعادن، وقد أظهرت النتائج أن مستوى الزرنيخ في الأرز النيء كان ضمن الحدود الآمنة، بينما كان مستوى الرصاص مرتفعًا بشكل يثير القلق، أما المعادن الأخرى مثل الزنك والزئبق، فكانت ضمن الحدود المسموح بها، كما تم العثور على الكادميوم والكروم في جميع العينات، وبعد الطهي، انخفضت معظم المعادن إلى مستويات آمنة، عدا الرصاص الذي بقي مرتفعًا. 

وهناك دراسة أخرى تشير الى أن نوع الأرز ومصدره يلعبان دورًا هامًا في كمية المعادن الثقيلة التي نتعرض لها، فالأرز البني والحبوب الطويلة التي تحتفظ بقشرتها الخارجية تحتوي على مستويات أعلى من المعادن الثقيلة مقارنة بالأرز الأبيض الذي تُزال عنه القشرة، كما أن الأرز المستورد من دول ذات تلوث بيئي أو طرق زراعة غير صحية غالبًا ما يحتوي على نسب أعلى من هذه المعادن، فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة حديثة مقارنة بين الأرز المحلي المعروف باسم «الحساوي» في السعودية والأرز المستورد، أن الأرز المستورد يحتوي على نسبة زرنيخ غير عضوي سام تعادل ضعف المتوسط الموجود في الأرز المحلي، مما يجعل الأرز المحلي خيارًا أفضل للحد من التعرض لهذه السموم، وأما مستويات المعادن الأخرى مثل الرصاص والكادميوم والزئبق، فكانت متقاربة ومقبولة في الغالب. 

أرز الباستمي، الأكثر تداولًا في الخليج، يعاني أيضًا من مشكلة التلوث، إذ أظهرت دراسة أن استخدام مياه ري ملوثة، خصوصًا المياه المعالجة أو المستعملة، يؤدي إلى تراكم معادن مثل الكادميوم والكوبالت فيه، وهذه المعادن مرتبطة بمشاكل صحية مزمنة مثل أمراض الكلى وزيادة خطر الإصابة بالسرطان، أما في سلطنة عمان وبعض الدول الخليجية الأخرى، فلا توجد أبحاث منشورة حتى الآن عن تلوث الأرز بالمعادن الثقيلة، وهذا يشكل تحديًا كبيرًا لعدم وجود بيانات دقيقة تسمح باتخاذ إجراءات وقائية فعالة، مما يستدعي إجراء دراسات شاملة لتحليل جودة الأرز في الأسواق المحلية وفحص معدلات المعادن الثقيلة فيه لضمان سلامة الغذاء وحماية صحة المستهلكين، وربما يعود السبب في ذلك إلى أن التحليل الكيميائي الدقيق لتركيزات المعادن الثقيلة في الأرز يتطلب تقنيات متطورة مثل «التحليل الطيفي الامتصاصي الذري» و«التحليل الطيفي بالانبعاث البلازمي» المرتبط بجهاز مطياف الكتلة، وتعتمد هذه التقنيات على تعريض العينات لأشعة أو بلازما قوية للكشف عن المعادن بتركيزات دقيقة للغاية، لكنها مكلفة وتتطلب مهارات عالية، مما يجعل توفرها محدودًا خاصة عند الحاجة لفحص عدد كبير من العينات. 

في ظل هذه التحديات، قدّم فريق بحث عماني بقيادة الأستاذ الدكتور حيدر بن أحمد اللواتي، وبمشاركة الدكتورة ليلى المقبالية، والدكتورة بدور المعمرية، والدكتورة سميرة الهنائية، بحثا لتحديد هذه المعادن الثقيلة في عينات الأرز في السوق العمانية وذلك بهدف الحصول على المنحة السامية للبحوث الاستراتيجية في جامعة السلطان قابوس لعام ٢٠٢٦ م، ونظرا لأهمية البحث والفوائد المرجوة منه، فقد تمت الموافقة عليه. 

ومما يميز البحث المقدم أنه يسعى أولا للتخلص من التحديات المرتبطة بطرق التحليل المستخدمة حاليا، وذلك من خلال تطوير طرق مبتكرة تعتمد على تقنية النانو للكشف السريع والدقيق عن المعادن الثقيلة في الأرز وغيره من الأغذية، وتستخدم هذه التقنية جسيمات صغيرة جدًا لتعزيز حساسية الأجهزة التحليلية، مما يمكن من الكشف عن كميات دقيقة من المعادن السامة بسرعة وبتكلفة أقل مقارنة بالطرق التقليدية. 

تعتمد التقنية الجديدة على «المستشعرات النانوية» التي تحتوي على جزيئات تتفاعل مع المعادن الثقيلة وتغير خصائصها الكهربائية أو اللونية، مما يسمح بالكشف الفوري عن المعادن دون الحاجة إلى تجهيزات معقدة، وسيتم استخدام مستشعرات من عنصري الذهب أو الفضة لما تتميز به هذه الأجسام النانوية، من ثبات ومقاومة للتأكسد، كما سيتم استخدام تقنية «مختبر على ورق»، وهو جهاز صغير وزهيد الثمن يعتمد على دمج تقنيات النانو مع ورق خاص محمّل بمواد كيميائية ونانوية تستجيب للمعادن الثقيلة، فعند وضع عينة الأرز أو مستخلصه على هذه الورقة، تحدث تفاعلات كيميائية تؤدي إلى تغيرات لونية أو كهربائية واضحة يمكن ملاحظتها بالعين المجردة أو باستخدام أجهزة بسيطة لقراءة النتائج، هذه التغيرات تعكس وجود المعادن الثقيلة وتركيزها، مما يجعل هذا الجهاز بمثابة مختبر صغير على رقاقة ورقية. 

تكمن قوة هذه التقنية في سهولة استخدامها وتكلفتها المنخفضة مقارنة بالأجهزة المعقدة التقليدية، بالإضافة إلى إمكانية استخدامها في الميدان أو المختبرات الصغيرة دون الحاجة إلى معدات باهظة الثمن أو خبراء متخصصين، لذلك فان هذا البحث سيفتح آفاقًا جديدة لمراقبة جودة الغذاء بشكل مباشر وفي الوقت الحقيقي، مما يسهل اكتشاف التلوث واتخاذ الإجراءات اللازمة بسرعة، ويعزز من حماية صحة المستهلك 

ولتحسين دقة النتائج، سيقوم الفريق باستخدام تقنيات الذكاء الصناعي لتحليل التغيرات اللونية أو الكهربائية الناتجة عن التفاعل، فبرامج الذكاء الصناعي قادرة على تفسير البيانات بسرعة ودقة وتحديد نوع وتركيز المعادن مع تقليل الأخطاء البشرية. 

إن هذا الدمج والتكامل بين النانو، مختبر على ورق، والذكاء الصناعي سيمكّن من إجراء فحوصات سريعة ومنخفضة التكلفة في أي مختبر، حتى خارج المختبرات الكبرى، مما يعزز مراقبة جودة الأرز بشكل كبير ويحمي صحة المستهلكين. 

وختاما لابد من التوضيح بأنه يمكن للمستهلك أن يقلل من مخاطر التعرض لهذه الملوثات عبر سلسلة من بعض الإجراءات البسيطة، مثل غسل الأرز ونقعه قبل الطهي، ومن ثم التخلص من تلك المياه، حيث يساعد ذلك على تقليل كمية المعادن الضارة لكنه لا يزيلها بالكامل، خصوصًا الزرنيخ والميثيل زئبق، وقد يكون من الأفضل أيضًا اختيار الأرز من مصادر موثوقة وتفضيل الأرز المحلي كلما أمكن وذلك بهدف التقليل المخاطر المحتملة. 

إن السعي لتطوير تقنيات حديثة تعتمد على النانو ومختبر على ورق والذكاء الصناعي يمثل حلًا واعدًا لمواجهة تحديات الكشف عن المعادن الثقيلة في الغذاء، كما وأن دعم هذه الأبحاث يشكل خطوة مهمة للحد من المخاطر الصحية المرتبطة بالتعرض للسموم، ويعكس وعي الجهات الممولة بأهمية البحث العلمي في السلطنة ومنطقة الخليج عامة، فدعم البحوث الوقائية لا يقل أهمية عن تلك البحوث التي تتناول تطوير علاجات للأمراض، بل ربما تكون أكثر أهمية، كما يقول المثل العربي المشهور درهم وقاية خير من قنطار علاج. 

أ. د. حيدر أحمد اللواتي كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس