في عام 2024 اُفتتح مصنع ظفار للصناعات الدوائية بمدينة ريسوت الصناعية، يَقع المصنع على مساحة تُقدر بـ22 ألف مترًا مُربعًا، وبلغت التكلفة الاستثمارية فيه أكثر من 15 مليون ريال عُماني. امتلأت الجرائد العُمانية بالتقارير عن المصنع، ووُصف بأنه «الأول من نوعه» في السلطنة. في المصنع المُشيد وفقًا لمواصفات هيئة الغذاء والدواء الأمريكية تُجرى خطوط التصنيع لتُنتج الأكياس البلاستيكية الشفافة الملأى بالسوائل، الأكياس التي سُتعبأ فيما بعد لتكون محاليل وريدية ومحاليل للغسيل الكلوي، هذه المحاليل الوريدية ستكون الأولى من نوعها في أن يُكتب عليها «صُنع في عمان». قبل افتتاح مصنع ظفار، كانت حاجة السلطنة من المحاليل تُلبى بنسبة 100% باستيرادها من الخارج. 

لم تَمر سنتين على افتتاح مصنع ظفار إلا ومدينة نزوى تشهد افتتاح ثاني مصنع عُماني للمحاليل الوريدية، وهو مصنع عِز فارما. منذ أقل من خمس سنين كانت السلطنة تستورد كل حاجتها من المحاليل، والآن مع افتتاح ثاني مصنع عُماني صارت تطمح لأن تكون هي المُصدر وأن تُشارك في الأسواق الخارجية. أتى افتتاح المصنعين في فترة مليئة بأخبار افتتاح مصانع دوائية أخرى: مصنع ميناجين في منطقة الرسيل عام 2024، وقبله في عام 2023 مصنع فيلكس. تكشف الاستثمارات الضخمة في مجال الصناعات الدوائية – وصلت استثمارات منطقة ظفار وحدها إلى 90 مليون ريال عماني – عن تحول من الاعتماد على التصدير للتصنيع. 

الآن توجد ثمانية مصانع أدوية في عمان، لكن إذا كانت تغطية الحاجة للمحاليل الوريدية أمرًا سهلًا، فالحاجة للدواء تكشف عن فارق أضخم بكثير بين الحاجة والإنتاج المحلي. في عام 2023 استهلكت السلطنة 95% من حاجتها للدواء بالاعتماد على المستورد، في حين أن الأدوية المحلية شكلت فقط نسبة 4.6% من نسبة الاستهلاك. لا يقتصر أثر هذا على التكلفة المالية المُرتفعة للعلاج، كما كلف استيراد الأدوية ما يزيد عن 500 مليون دولار سنويًا، وإنما يمتد أثره إلى تهديد توافر الأدوية. تحتاج الأدوية المستوردة إلى سلاسل إيراد مُستقرة لتُغطي الحاجة في الوقت المطلوب، وأي حدث عالمي يؤثر على أمان سلاسل الإيراد يؤثر بدوره على توافر الدواء. 

تحمي عمان احتياجاتها الدوائية من اضطرابات السلاسل بالمخزون الاحتياطي للأدوية، ويرجع تاريخ المخزون إلى القرن الماضي في بداية الثمانينيات، يتزامن هذا التاريخ مع بداية النظام الصحي في عمان. وهي بداية متأخرة تكشف جزئيًا عن أسباب الوضع الحالي للصناعة الدوائية، في عام 1958 اعتمدت الرعاية الصحية لعمان بالكامل على مستشفيين فقط يعمل فيهم 13 طبيبًا، ما عنى أن لكل 50 ألف عُماني طبيب واحد فقط، فكان على البعض أن يُسافر أربعة أيام حتى يصلوا إليهم. كانت الأوبئة متفشية وعلى رأسها الملاريا التي أصيب بها ثُلث السكان، ومعدل الحياة المتوقع 49 سنة فقط. أخذت السلطنة وقتًا حتى تُعوض هذا النقص الهائل في نظام الرعاية الصحية، ووصلت في عام 2008 إلى تغطية الخدمات الصحية بنسبة 98% لكل السكان. 

من الصعب تخيل السُرعة التي تطورت بها الرعاية الصحية في عمان، منذ أقل من نصف قرن كانت الحياة في مسقط كالتالي: عيون الأطفال يملأها الرمد، وكُبار السن يُساقون في الطُرق وهم عُمي تمامًا، وخارج المستشفى يُقيد السفهاء بالسلاسل. المشهد الذي ينقله المؤلف البريطاني إيان سكيت، وقد جاء لعُمان للعمل في شركة تنمية النفط. ذات المشهد الذي قد لا يتخيله أي زائر وهو يرى مستشفى السلطان قابوس على ضخامته واتساعه، هذا نموذج مُصغر على السرعة الخاطفة التي تطورت بها الرعاية الصحية بالسلطنة. 

لكن المستشفيات الكثيرة تحتاج لعمالة كبيرة، استوفت احتياجات الأطباء والموارد البشرية العاملة في المجال الطبي عن طريق استيرادهم من الخارج، واعتمدت عمان على الأطباء والممرضين الأجانب خلال فترة تطور نظامها الصحي. خلّف هذا آثارًا ملموسة الآن في طبيعة العمالة بالمجال الطبي بعمان، رغم جهود التعمين التي غطت أرقامًا في مختلف كوادر المجال الصحي، لا تزال نسبة العُمانيين 44% فقط من الأطباء العاملين بالمجال الصحي. تاريخيًا، غطت دول الخليج الحاجة السريعة للعمالة عن طريق استيرادها، لكن صناعة الأدوية أضخم بكثير من مُجرد استيراد العمالة أو الخبرة. من عام 2018 إلى 2022 استقبلت وزارة الصحة 60 طلب لإنشاء مصانع أدوية، كما ذكر وزير الصحة معالي الدكتور هلال السبتي، لكن 3 فقط أنشئوا وصاروا مصانع جاهزة. تدل نسبة الطلبات إلى المصانع المبنية على صعوبة انشاء مصنع دواء؛ بدءًا من التخطيط لبناء المصنع ومرورًا بالعمليات المُعقدة لموافقة اللوائح والقوانين المختلفة وانتهاءًا بالتسويق والترويج للدواء في السوق، لهذا تأخذ المصانع من خمس لعشر سنين في المتوسط قبل أن تُصير جاهزة لتصنيع الأدوية. 

في حين أن الحاجة المحلية للدواء تسارعت وازدادت مع تطور المنظومة الصحية، تخلفت صناعة الأدوية عن مواءمة هذه السرعة، حيث افتتح أول مصنع أدوية عُماني متأخرًا في عام 2002، وأنتجت سوقًا مُعتمدًا على الواردات لتلبية احتياجاته. تغيرت طبيعة السوق مع الوقت نتيجة للتطورات الطبية، من ناحية لتسارع وتيرة التطور في العلوم الطبية، والتغير المستمر في البروتوكولات العلاجية نتيجة لذلك، كما ذكر وزير الصحة باستحضاره مثالًا على احد الأدوية البيولوجية، حيث ذكر أنه في عام 2025 استورد منها 3000 قرص في السنة، لكن هذا العام نتيجةً لتغير في البروتوكول الدوائي، رُفع الطلب إلى 9000 قرص بسبب تغير العلاج. 

من ناحية أخرى، اختلفت طبيعة السوق تبعًا للتغير في نسب انتشار الأمراض نفسها نتيجةً لتطور النظام الصحي. اتبعت عُمان اتجاهًا عالميًا في تطور انتشار الأوبئة البشرية، حيث انتقلت مشاكلها من الأمراض المعدية إلى الأمراض غير المعدية. في القرن الماضي كانت الأمراض المنتشرة في عُمان الملاريا والرمد، وتُعرف هذه الأمراض بالأمراض الحادة لأنها تحدث فجأة وتتطور بسرعة، لكنها أيضًا تحتاج إلى جرعة محددة من العلاج. في حين أن الملاريا انخفضت من 19 ألف حالة في عام 1991 إلى 544 حالة في عام 2005، أي انخفاض بنسبة 97%. وفي القرن الحالي انتشرت الأمراض غير المعدية، وعلى رأسها ارتفاع ضغط الدم. في عُمان، يُصاب شخص من بين كل ثلاثة أشخاص بالغين بارتفاع ضغط الدم. وتُعرف هذه الأمراض بالأمراض المزمنة لأنها تحتاج إلى جرعات مستمرة من العلاج الذي لا يتوقف. 

الفارق في طبيعة الحاجة الدوائية، من العلاجات المؤقتة إلى العلاجات المستمرة، يُنتج حاجة دوائية حساسة لأقل التغيرات. إذا توقف مريض ارتفاع ضغط الدم عن علاجه لفترة بسبب نقص الدواء، فسيتسبب هذا في سوء حالته، وبالتالي حاجته لكمية أكبر من الدواء. لكن هذه الحاجة الدوائية تعتمد على الاستيراد من الخارج لتلبيتها، وفي مثل هذه الحالة تُؤثر الاضطرابات العالمية بشكلٍ محسوس، ولا مثال أكثر وضوحًا من جائحة كوفيد-19. أثرت الجائحة على عُمان، وأنتجت تأخرًا وصل إلى ثمانية شهور في سلاسل الإمداد، كما قال أحد المسؤولين بوزارة الصحة في لقاءٍ مع Times of Oman 

كان أثر الجائحة على توافر الدواء كبيرًا، حد أن الرئيس التنفيذي لمصنع عِز فارما ذكر أن فكرة بناء المصنع «ولدت في مرحلة عالمية استثنائية أعقبت جائحة كوفيد-19، التي أكدت أن الأمن الدوائي لم يعد مسألة ثانوية، بل ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل». 

مثل دول الخليج، تمتلك عُمان رؤية وطنية تحت عنوان «رؤية عُمان 2040»، وجزء من هذه الرؤية تحقيق نسبة أعلى من الاكتفاء الوطني في الأدوية. ولتحقيق هذه الرؤية، وضعت الحكومة العُمانية مجموعة من الحوافز: إعفاء ضريبي لفترة خمس سنوات، وتنازلات خاصة عن المعدات والمواد الخام، وخصومات مخصصة. 

للأدوية المصنعة محليًا في المناقصات العامة، وهي استراتيجية تُحاول بها الحكومة أن تَجبُرَ تأخر الصناعات الصيدلانية نتيجة لتخلفها التاريخي عن تطور الرعاية الصحيّة. في الوقت الذي تُسيطر فيه العلامات التُجارية المستوردة على السوق يُمثل الوصول إلى سوق ممتلئ بمنتجات عليها شعار «صُنع في عمان» تحديًا كبيرًا. 

تُعتبر شركة فيلكس من بين النجاحات المُبكرة في هذا التحدي؛ ففي عام 2025 وصل مصنع الشركة في منطقة صلالة إلى كامل طاقته الإنتاجية: 100 مُنتج طبي مُسجل تحمل عُبواتهم «صُنع في عمان»، وتُمثل خطوةً ملحوظة في رحلة عمان الطويلة نحو توطين صناعة الدواء. غَطت صحيفة Oman Observer هذا النجاح بالإشارة إلى أن مصنع فيلكس «أكثر من مُجرد مصنع بتمثيله لمسؤولية عُمان في تحقيق الاكتفاء الذاتي والسيادة الوطنية في مجال الصحّة». وفي مُقابلة الصحيفة مع صيدلانية في مسقط قالت نجلاء الحارثي: إنه «الآن يُدرك المرضى أن جودة المحلي ليست بأقل من غيرها، بل إن استقبال الأدوية المحلية إيجابي جدًا». 

تعقد نجلاء مقارنة بين المحلي وغيره إلى الفارق في طبيعة استقبال الأدوية، خصوصًا مع التقدير الذي يناله المُنتج الأجنبي عمومًا مقارنةً بالمنتج المحلي. عبوات بيضاء مختلفة الأشكال والأحجام، لكنها تشترك في وجود علامة فيلكس التجارية بخطوطها الحمراء العريضة عليها. بعضها أدوية لأمراض السكري، وبعضها أدوية لأمراض ارتفاع الضغط أكثر مرضين تُعاني منهما سلطنة عمان. الآن تتوافر هذه الأدوية مباشرةً على الأراضي العمانية، تقول مريضة في نفس اللقاء: «وصف لي طبيبي علاجًا لارتفاع ضغط الدم من فيلكس. استخدمته ستة أشهر ونتائجه ممتازة. يُكلفني أقل من المستورد، وأجده بسهولة في الصيدلية». تكررت الإشارة إلى توافر الدواء وسهولة الوصول إليه في حديث المرضى الآخرين مقارنةً بمشكلات توافر الدواء الطويلة التي عانت منها عُمان لفترة طويلة كما تقول نجلاء. 

قد يكون توافر أدوية الضغط، وغيرها من الأدوية التابعة فيلكس خطوةً مُهمة، لكنها لا تزال خطوةً أولى في طريقٍ طويل. في الجلسة السابعة عشرة لمجلس الشورى المُنعقدة في 26 أبريل وجهت مجموعة من الأعضاء أسئلتهم المختلفة لوزير الصحة، وتكرر فيها السؤال عمّا ستفعله الوزارة للتعامل مع مشكلات نقص الأدوية. من ضمن الأسئلة التي وجهها ممثل ولاية إزكي سؤال عن مساهمة مصانع الأدوية في «تقليل فجوه الأمن الدوائي». في رده على السؤال رَبط وزير الصحة بين صعوبة بناء المستشفيات الكبيرة، وهو السؤال الذي تضمنه نقاش ممثل ولاية إزكي أيضًا، وبين صعوبة بناء مصانع الأدوية، وذكر في النهاية أن “هذا يعتمد على الاستثمار، لكننا نتابعهم”. تكرر السؤال من ممثل ولاية بدية الذي استفسر عن مدى تطور القطاع الصحي الخاص لمواجهة المصاريف الضخمة لاستيراد أكثر من 90% من الدواء. 

رد وزير الصحة بالإشارة لتداخل عدّة من العوامل في التأثير على الأمن الدوائي: الإمدادات، والعرض، والطلب، والتغيرات الجيوسياسية، وكذلك التغيرات في الخارطة الدوائية، ثم انتقل وزير الصحة للتأكيد على أهمية جودة سلاسل الإمداد. في اليوم التالي لتكملة الجلسة كان حديث وزير الصحة عن سلاسل الإمداد جزءًا من انتقادات ممثل ولاية الرستاق. افتتح سعادة خميس بن حمدان الغافري حديثه بالشكر، ثم تصاعدت لهجته في الحديث عن باقي مشكلات المنظومة الصحية، وعلّق على جوانب مختلفة من ردود وزير الصحة «معاليك أنا أتمنى أن يكون تفكيرنا أبعد من سلاسل الإمداد. نحن نعيش في منطقة مضطربة». أجاب وزير الصحة بإعادة التركيز على نقطة الجودة في استيراد الدواء. 

لم يُكرر السؤال عن مصانع الأدوية مجددًا رغم تكرار الإشارة لنقص الأدوية أكثر من مرة. في نهاية الجلسة رد وزير الصحة على أحد مخاوف أعضاء المجلس من نقص الدواء، فذكر المخزون الدوائي الذي أشار إليه في تجمع سابق لمجلس الشورى، ثم لمّح بعدها إلى مكانة عمان الجيوسياسية في المنطقة. “كذلك عمان الله تعالى حباها بأن البحر أمامها والمحيط أمامها ولله الحمد». بعد أن ذكر وزير الصحة الترتيبات المختلفة مع شركة طيران لإطلاق أي رحلة فورية لتأمين علاج مطلوب أكّد أن «أسواق الدواء في عمان مفتوحة بإذن الله». قد يكشف النقاش في مجلس الشورى عن تعقيد مسألة الصناعة الدوائية التي لا يزال أمامها الكثير؛ ففي حين أنها ذكرت في بيان وزير الصحة ووُجّه له السؤال عنها مرتين، لم تكن في جوهر الحديث أثناء نقاشه وردوده على مشكلة الوصول للدواء وتوفيره. التأكيد على وضعية عُمان المتميزة بإطلالها على البحر والمحيط، وفي نفس الوقت انفتاح مجالها الجوي على الدول المجاورة هو إشارة لأهمية توفير الدواء قبل أي شيء بغض النظر عمّا إذا كان مصدره من الخارج. قد تكون علاجات فيلكس، والمحاليل الوريدية لمصانع عِز وظفار بعبواتها التي تحمل عبارة «صُنع في عمان» خطوة مهمة في رحلة الأمان الدوائي لعمان، لكنها لا تزال خطوة مُبكرة في طريق طويل قبل أن تكون هي مركز النقاش بدلًا من سلاسل الإمداد. 

عمرو أحمد كاتب وصيدالني