في يناير، أجرى ستيفن ميلر مقابلة صاخبة وكاشفة مع الصحفي في شبكة «سي إن إن» جيك تابر. كان ميلر منتشيا بانتصار العملية العسكرية التي اختُطف فيها رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، وراح يحتفل بما عدّه نصرا. انتهى زمن أن تكون أمريكا الرجل اللطيف في العالم، تدفع فاتورة نظام عالمي لم يعد يخدم مصالحها. ومن الآن فصاعدا، قال ميلر، ستُخلع القفازات. ستتحرك أمريكا بجرأة وبقوة لا تعتذر، كي تفرض إرادتها على العالم.
بدا ذلك التعبير الأكثر صفاء عن نظرية دونالد ترامب في القوة، كما نطق به ربما أكثر أعضاء الإدارة تشددا. فالولايات المتحدة، بالفعل، أقوى دولة عرفها العالم. اقتصادها، وفق معظم المقاييس، هو الأكبر عالميا، وعملتها تهيمن على الأسواق الدولية. وفوق ذلك كله، تقود أكثر جيوش الكوكب تقدما، مدعوما بسحر تكنولوجي باهظ الكلفة وبجرأة قواتها الخاصة.
وبهذا اليقين العدواني اندفعت إدارة ترامب، قبل أكثر من شهرين، إلى حرب متهورة وغير مستفزة ضد إيران. كان ترامب يظن بوضوح أنها ستكون عرضا للقوة الأمريكية، قوة متحررة من «مجاملات» القانون الدولي، بحسب تعبير ميلر، ومدفوعة بفعل «حركي» لا يرحم، استعارة للكلمة المفضلة لدى وزير الدفاع بيت هيغسيث.
لكن الأمور لم تسر على هذا النحو. فرغم خسارة إيران قائدها وكثيرا من كبار مسؤوليها، استطاعت أن تقدم ردا قويا، وألحقت أضرارا واسعة بحلفاء أمريكا الإقليميين وبقواعدها العسكرية. ومن خلال السيطرة على مضيق هرمز، أمسكت إيران بشيء يشبه سلاحا نوويا اقتصاديا، فدفعت أسعار الوقود إلى الارتفاع الحاد، وتسببت في نقص سلع أساسية في مناطق كثيرة من العالم.
قال ميلر لتابر: «نحن نعيش في عالم تحكمه القوة، وتحكمه الغلبة، وتحكمه القدرة». وقد جاءت التداعيات المؤلمة لحرب إيران ردا بليغا على ذلك التصور. غير أن إدارة ترامب فعلت أكثر من مجرد إساءة تقدير القوة الأمريكية وقدرة خصمها على الصمود. لقد أساءت فهم معنى القوة نفسه على نحو جذري، حين خلطت بينها وبين القدرة على إيقاع العنف، مع أن الاثنين، في الحقيقة، متعارضان.
تستدعي لغة ميلر المتباهية واحدا من أقدم النصوص وأكثرها تأثيرا في فهم الحرب، وهو كتاب ثوسيديدس «تاريخ الحرب البيلوبونيسية». يروي الكتاب، عبر ثمانية أجزاء مفصلة، قصة صراع ملحمي بين قوتين مهيمنتين متنافستين في المتوسط، أثينا وإسبرطة. يقول الأثينيون الأقوياء لسكان ميلوس، وهي جزيرة يونانية محايدة، وهم يأمرونهم بالخضوع أو مواجهة الذبح: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما لا مفر لهم من احتماله».
كثيرا ما تُستدعى هذه العبارة بوصفها قانونا واقعيا أصليا يرى أن القوة تصنع الحق. غير أن في الأمر مفارقة تغيب غالبا عن الذين يقتبسون هذا السطر، ربما لأنهم لم يقرؤوا النص كاملا. فلو أنهم فعلوا، لاكتشفوا أن سكان ميلوس لم يكونوا ضحايا عاجزين، وإنما متنبئين صافي البصيرة. سأل سكان ميلوس مهاجميهم: «وما معنى هذا سوى أنكم تجعلون أعداءكم الحاليين أكثر عددا، وتدفعون آخرين إلى أن يصبحوا أعداء لكم، مع أنهم ما كانوا ليفكروا في ذلك أصلا؟».
لم يتأثر الأثينيون بذلك. فرضوا حصارا على المدينة، وذبحوا رجالها جميعا، واستعبدوا نساءها وأطفالها. غير أن الانتصار في ميلوس كان انتصارا زائفا. سكر الأثينيون بالعنف الذي ظنوه قوة، ثم اندفعوا إلى مغامرة أشد خطرا، هي غزو صقلية. كان الأثينيون منقسمين في البداية حول الحرب، ثم أقنعهم قادة اعتقدوا أن الصقليين ضعفاء وفاسدون. كانوا، في نظرهم، هدفا سهلا، عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم أمام خصم مهيب إلى هذا الحد. وستكون الحرب نصرا يسيرا يجلب لأثينا مجدا أكبر.
لكن القوة لم تكن كافية. أخشاب السفن الأثينية التي فرضت حصارا طويلا بدأت تتعفن. وخطوط الإمداد جفّت. ومع تناقص المال، اضطر الأثينيون إلى فرض ضرائب جديدة لتمويل الحرب. وفي النهاية، وفي معركة شرسة عند سيراكيوز، مُنيوا بهزيمة ساحقة. لم تكن تلك نهاية الهيمنة الأثينية، لكنها كانت بداية النهاية. وفي نهاية المطاف، أخذت إسبرطة مكانها بوصفها القوة الأبرز في المتوسط.
ليس صعبا أن نرى أوجه الشبه مع وضع أمريكا. مثل الأثينيين، رأى الترامبيون في جولتهم السهلة في فنزويلا دليلا على قوتهم التي لا تُرد. ومثل الأثينيين، تجاوزوا حدودهم، فهاجموا عدوا قللوا من شأنه، بدوافع مرتبكة، ودعم داخلي غير محسوم، ومن دون خطة واضحة للنصر. افتتنوا بقدرتهم على ممارسة العنف، فظنوا أن قدرتهم على فرض إرادتهم بلا حدود.
استند خطؤهم الاستراتيجي إلى قراءة خاطئة لمعنى القوة. في عام 1970، نشرت الفيلسوفة حنّة أرندت كتابا صغيرا بعنوان «في العنف». تجادل أرندت في هذا الكتاب بأن العنف ليس شكلا من أشكال القوة، وإنما نقيضها. كُتب الكتاب وسط تعثر الحرب الأمريكية في فيتنام، وكان في جانب منه نقدا لدعوات العنف بين اليساريين الراديكاليين المعارضين للحرب. لكنني، وأنا أقرأ الكتاب خلال الأسابيع الأخيرة، فوجئت بمدى صلته بالمأزق الأمريكي في الخليج العربي.
كانت القوة، في تصور أرندت، جماعية وتوافقية وعلاقية. أما العنف فهو، في المقابل، أداة قسرية، تتبدد فاعليتها في اللحظة التي يُتجنَّب فيها التهديد أو يُسحب. كتبت أرندت: «يستطيع العنف دائما أن يدمّر القوة. فمن فوهة البندقية يصدر الأمر الأكثر فاعلية، وتنتج عنه الطاعة الأسرع والأكمل. أما الشيء الذي لا يمكن أبدا أن ينشأ عنها فهو القوة».
نرى هذه الدينامية تتكشف اليوم في حالة الجمود مع إيران. فعلى الرغم من البراعة العسكرية الأمريكية، وقدرتها اللامتناهية على إيقاع العنف، بما في ذلك تهديد ترامب شبه الصريح باستخدام سلاح نووي، لم تستسلم إيران. قد يكون نظامها الثيوقراطي القاسي مكروها على نطاق واسع من شعبه، لكنّ كثيرين من الإيرانيين التفوا حول حكومتهم في مواجهة احتمال المحو. كما صقلت سنوات العزلة الاقتصادية، التي صنعتها العقوبات، مهارات البلاد في البقاء.
تراجع ترامب إلى حد التقليل من شأن الهجمات الإيرانية على المدمرات الأمريكية التي تحاول فرض حصار على مضيق هرمز، واصفا إياها بأنها «أمر تافه». وظهرت أدلة على أضرار واسعة لحقت بالقواعد العسكرية الأمريكية في أنحاء الخليج، إذ تحولت ثكنات وقاعات طعام إلى أكوام من الركام والرماد. ووفقا للبنتاغون، بلغت كلفة الحرب حتى الآن 29 مليار دولار، وهو تقدير يبدو بالتأكيد أقل بكثير من الواقع. كما أفادت تقارير بأن مسؤولي الاستخبارات الأمريكية خلصوا إلى أن إيران قادرة على تحمل الحصار لأشهر.
وفي الداخل الأمريكي، ينهار دعم ترامب بسرعة. ففي استطلاع بعد آخر، تقول أغلبية كبيرة من الأمريكيين إنها تعارض الحرب، ولا تفهم غرضها، وتبغض بشدة الفوضى التي تُحدثها في جيوبهم. وإذ يرى ترامب الخطر السياسي المقبل، سعى على عجل إلى مخرج، واعدا باتفاق وشيك، بينما يطلق تهديدات جوفاء بالإبادة الكاملة وادعاءات لا أساس لها عن نصر كامل. قلة تبدو مصدقة له.
«كل الحكومات تقوم على الرأي»، كما تعلن «الأوراق الفدرالية» في عبارتها الشهيرة. ومع ذلك، عجز ترامب عن إقناع الأمريكيين بقبول قدر محدود من المعاناة لتحقيق أهدافه الاستراتيجية. ورغم كل ما أظهره من تحدٍّ وإيحاء بامتلاك سلطة مطلقة، كشفت الحرب ضعفا استثنائيا في قلب رئاسته، وكشفت ضآلة قوته الحقيقية.
وهذا الضعف لا يقتصر على الحرب. فعندما حاول ترامب استخدام العنف لتنفيذ أجندته القاسية في الترحيل بولاية مينيسوتا، هُزم أمام جهود متواصلة لمعارضة مدنية منسقة ولاعنفية، نجحت في حشد الرأي العام ضده. لقد جرى التخلي، بصورة شبه كاملة، عن العملية الواسعة في مينيابوليس، وتراجع وجود العملاء الفدراليين في الولاية من آلاف إلى مئات فقط، أي إلى مستوى لا يزيد كثيرا عما كان عليه قبل بدء العملية.
ولقيت محاولات كثيرة من ترامب للحكم عبر نوع آخر من القوة، هو الأوامر التنفيذية، مصيرا مشابها، سواء تعلق الأمر بفرض الرسوم الجمركية، أو خفض الإنفاق الحكومي، أو بناء صروح فخمة تمجده شخصيا. في محكمة الرأي العام، وحتى في المحكمة العليا في لحظات حاسمة، يواصل ترامب خسارة معاركه. وربما لا يكون مفاجئا أن ستيفن ميلر ظل صامتا على نحو لافت في الآونة الأخيرة. فنظريته الكاملة عن القوة، وربما رئاسة ترامب نفسها، باتتا في خطر.
ومع ذلك، فإن أمريكا، خلافا لأثينا، لا تواجه إسبرطة. فمنافسها الوحيد القادر على مزاحمتها في الهيمنة العالمية، أي الصين، لا يبدي اهتماما كبيرا بالمغامرات الخارجية. وبدلا من ذلك، أخذ يعزز قوته بطريقة أقرب إلى تصور أرندت: عبر مراكمة الحلفاء الراغبين، لا الأتباع المكرهين، مستخدما اتفاقات التجارة والاستثمار الخارجي والدبلوماسية. وهذه، بالضبط، هي الأدوات التي استخدمتها الولايات المتحدة يوما، وبفاعلية كبيرة، لبناء قوتها وثروتها.
غير أن إدارة ترامب لم تُظهر سوى الازدراء للعمل الصبور المطلوب لبناء قوة مستدامة قائمة على التوافق، مفضلة حربا خاطفة من العنف. وقد أكدّت القمة التي طال انتظارها في بكين الأسبوع الماضي هذا التباعد. قال الرئيس الصيني شي جينبينغ بوضوح لافت: «ينبغي لبلدينا أن يكونا شريكين لا خصمين». وبالنسبة إلى ترامب المحاصر، لا بد أن حجم الهزيمة كان واضحا تماما.