د.حكمت المصري
في كل عام، كان الفلسطينيون يحيون ذكرى النكبة باعتبارها جرحًا تاريخيًا يعود إلى عام 1948، حين هُجّر مئات آلاف الفلسطينيين من قراهم ومدنهم تحت وقع المجازر والاحتلال. لكن ذكرى النكبة هذا العام تبدو مختلفة وأكثر قسوة بالنسبة للنازحين في قطاع غزة، الذين وجد كثير منهم أنفسهم يعيشون تفاصيل التهجير ذاتها التي سمعوا عنها طويلًا من آبائهم وأجدادهم.
في الخيام الممتدة على أطراف المدن المدمرة، وفي مراكز الإيواء المكتظة، لم تعد النكبة مجرد حكاية تُروى، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه الفلسطينيون بكل تفاصيله؛ نزوح قسري، فقدان للمنازل، جوع، خوف، وانتظار طويل لنهاية حرب تركت آثارًا عميقة على البشر والحجر.
وبينما يحيي الفلسطينيون الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، لا يزال قطاع غزة يعيش واحدة من أكثر الحروب دموية في تاريخه الحديث، وسط دمار واسع طال الأحياء السكنية والبنية التحتية والمخيمات والمستشفيات والمدارس.
"خرجنا مرتين"
شهادة رجل عاش نكبة 48 ونكبة غزة الحاج أبو فؤاد مطر، البالغ من العمر 87 عامًا، يجلس أمام خيمته في دير البلح متكئًا على عصاه الخشبية، بينما يلتف حوله أحفاده الذين وُلد بعضهم داخل الخيام.
يقول بصوت متعب: "كنت طفلًا صغيرًا عندما خرجنا من المجدل عام 48. كنت أسمع صراخ النساء وأرى الناس يحملون أطفالهم ويهربون. والدي قال لنا يومها: "سنعود بعد أيام. مرت عشرات السنين ولم نعد. اليوم أعيش المشهد نفسه مرة أخرى".
يتوقف قليلًا ثم ينظر نحو السماء قبل أن يكمل: "عندما بدأ القصف على مخيم جباليا، حملنا ما استطعنا من الملابس وخرجنا. رأيت الناس تسير في الشوارع كما رأيتها قديمًا. نفس الخوف، نفس الدموع، وحتى نفس الانتظار".
الحاج أبو فؤاد فقد منزله الذي بناه بعد سنوات طويلة من العمل، كما فقد اثنين من أبنائه خلال الحرب. ويقول إن أكثر ما يؤلمه هو شعور الأطفال بالعجز والخوف. "كنت أحكي لأحفادي عن النكبة القديمة، لكنني لم أتخيل يومًا أنهم سيعيشون نكبتهم الخاصة. كنت أريد أن تبقى الحكاية مجرد ذكرى، لا أن تتحول إلى واقع جديد".
نساء يحملن الذاكرة والجوع معًا
داخل خيمة ضيقة في منطقة النصيرات، تجلس أم ناهض، وهي امرأة سبعينية هجّرت عائلتها من قرية حمامة عام 1948، بينما تحاول إعداد خبز بسيط فوق نار الحطب. تقول وهي تراقب الدخان المتصاعد: "في النكبة الأولى كنا نهرب من الرصاص وننام في العراء. اليوم نعيش الشيء نفسه، لكن هذه المرة لا يوجد مكان نهرب إليه".
تضيف بحزن: "كنت أقول لبناتي دائمًا إننا تحملنا سنوات اللجوء حتى يعيش أبناؤنا بأمان، لكن الحرب أعادت كل شيء إلى البداية. لا ماء، لا كهرباء، لا طعام كافٍ، وحتى الدواء أصبح حلمًا".
أم ناهض فقدت ابنتها الكبرى برفقة عائلتها خلال قصف استهدف منزل العائلة، وتعيش اليوم مع أحفادها داخل خيمة لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء. "في الليل نخاف من الغارات، وفي النهار نخاف من الجوع. الأطفال يسألونني متى سنعود إلى البيت، وأنا لا أملك إجابة".
الأحفاد يعيشون الحكاية التي سمعوها
الشاب محمود شلح، 24 عامًا، كان يعتقد أن قصص التهجير التي يرويها جده تنتمي إلى الماضي، حتى وجد نفسه نازحًا مع عائلته من حي الشجاعية. يقول: "كنت أسمع من جدي عن طوابير النزوح وعن حمل الناس لأغراضهم البسيطة فوق ظهورهم. لم أكن أتخيل أنني سأعيش التفاصيل نفسها حرفيًا".
ويضيف: "في أول أيام النزوح، كنت أحمل أختي الصغيرة مشيت لساعات طويلة. نظرت حولي فرأيت آلاف الناس يسيرون بلا وجهة واضحة شعرت وقتها أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة مخيفة".
محمود، الذي كان يدرس الهندسة في الجامعة، فقد عامه الدراسي ومنزله وأصدقاءه. "أصعب شيء ليس فقط فقدان البيت، بل فقدان الإحساس بالمستقبل. أصبحنا نفكر فقط في النجاة والبقاء على قيد الحياة".
حياة الخيام يوميات القهر البطيء
في المخيمات الممتدة جنوب القطاع، تتحول الحياة اليومية إلى معركة مرهقة من أجل البقاء. الخيام المصنوعة من القماش والنايلون لا توفر حماية حقيقية للعائلات. المياه شحيحة، ودورات المياه محدودة، فيما تنتشر الأمراض الجلدية والتنفسية بين الأطفال نتيجة الاكتظاظ وسوء الظروف الصحية.
تقول الشابة إسراء حماد، وهي أم لثلاثة أطفال تعمل معلمة داخل إحدى الخيام التعليمية التابعة لليونيسف: "أكبر أحلامي الآن أن ينام أطفالي ليلة واحدة دون خوف. المطر يدخل الخيمة شتاءً، والحر يخنقنا صيفًا، والحشرات تملأ المكان".
وتتابع: "كنا نملك بيتًا بسيطًا لكنه كان يمنحنا الكرامة. اليوم نقف ساعات طويلة للحصول على الماء أو الطعام، ونعيش على المساعدات". وتشير إلى أن الأطفال أصبحوا يعانون من اضطرابات نفسية واضحة "ابني الصغير يستيقظ كل ليلة وهو يصرخ من شدة الخوف حتى اللعب لم يعد يشبه لعب الأطفال".
"النكبة ليست ذكرى".. شهادة حفيدة ولدت في غزة
أما الطالبة الجامعية روان شاهين، فتقول إن النكبة بالنسبة لجيلها لم تعد مجرد مناسبة وطنية أو مسيرات سنوية. "كنا نحيي ذكرى النكبة في المدارس والجامعات، نحمل المفاتيح والأعلام ونستمع إلى قصص الأجداد. اليوم فهمنا المعنى الحقيقي للتهجير".
وتضيف: "عندما خرجنا من منزلنا تحت القصف، شعرت للمرة الأولى بما كان يقصده جدي حين يتحدث عن الخوف من فقدان البيت".
روان فقدت مكتبتها الجامعية وأوراقها الدراسية، وتعيش حاليًا مع عائلتها داخل مركز إيواء مكتظ. "كل شيء تغير؛ أحلامنا، دراستنا، وحتى علاقتنا بالحياة. لكن رغم كل شيء ما زلنا نؤمن أننا سنعود إلى بيوتنا".
النكبة والحروب الإقليمية
ويرى المحلل السياسي الدكتور سفيان صيام أن التحولات الإقليمية والحروب والصراعات في المنطقة أثرت بشكل واضح على القضية الفلسطينية، وعلى حضور ذكرى النكبة في الوعي العربي والدولي. ففي الوقت الذي تعيش فيه المنطقة أزمات سياسية وأمنية متلاحقة، يشعر كثير من الفلسطينيين بأن معاناتهم أصبحت جزءًا من مشهد إقليمي مزدحم بالأزمات، الأمر الذي انعكس على حجم التفاعل الدولي مع الحرب المستمرة على غزة.
ورغم موجات التضامن الشعبي الواسعة في عدد من الدول، إلا أن الفلسطينيين داخل غزة يشعرون بأن حجم المأساة الإنسانية يفوق بكثير حجم الاستجابة السياسية والإنسانية الدولية.
وبحسب أحدث الإحصائيات الصادرة عن الجهات الصحية والرسمية في قطاع غزة، فقد تجاوز عدد الشهداء 72 ألف شهيد، فيما تخطى عدد الجرحى 172 ألف مصاب منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023، إضافة إلى آلاف المفقودين تحت الأنقاض، وآلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال. كما تعرضت غالبية مناطق القطاع إلى دمار واسع، وأصبح مئات الآلاف من المواطنين بلا مأوى حقيقي، يعيشون داخل خيام مهترئة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
كما تشير تقديرات وتقارير ميدانية إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ما زال يسيطر على مساحات واسعة من قطاع غزة ضمن ما يُعرف بـ"المنطقة العازلة" أو "المنطقة الصفراء"، والتي تقدر بنحو 60% من مساحة القطاع، خصوصًا في المناطق الشرقية والشمالية، الأمر الذي عمّق أزمة النزوح ومنع آلاف العائلات من العودة إلى منازلها أو أراضيها الزراعية.
ويقول النازح سامر حميد: "العالم يسمع الأرقام يوميًا، لكنه لا يعيش ما نعيشه هنا. كل خيمة تحمل قصة فقد، وكل عائلة لديها شهيد أو جريح أو مفقود".
أحلام بسيطة وسط الركام ورغم القصف والدمار والنزوح الطويل، لا تزال أمنيات النازحين بسيطة وواضحة؛ وقف الحرب، العودة إلى البيوت، وإنهاء حياة الخيام. الحاج أبو فؤاد يقول وهو ينظر إلى أحفاده: "لا أريد شيئًا من الدنيا سوى أن أرى الأطفال يعودون إلى بيوتهم ومدارسهم. تعبنا من التهجير والخيام". أما أم ناهض فتختصر أمنيتها بكلمات قليلة: "نريد أن نعيش كبشر فقط".
في غزة، حيث تختلط أصوات الطائرات بصوت الأطفال داخل الخيام، تبدو النكبة وكأنها لم تنتهِ يومًا، بل تغيّرت وجوهها وأدواتها فقط. فالفلسطيني الذي حمل مفتاح بيته عام 1948، لا يزال حتى اليوم يحمل المفتاح ذاته، وينتظر العودة نفسها، بينما يكبر جيل جديد على الحكاية ذاتها؛ حكاية وطن لم يغادر الذاكرة رغم كل الحروب والتهجير.