**media[3388660]**

في خضم الحروب الدائرة والصراعات والعمليات العسكرية -كما تحب أمريكا أن تسميها- حريٌّ بنا أن نسأل اليوم كيف يفكر السلاح؟ وللأسف أن هذا السؤال لم يعد مستغربًا! كيف قررت الطائرة الأمريكية أن تلقي بصواريخها على مدرسة للأطفال في إيران، وتدعي أمريكا أن ذلك من ذكاء أسلحتها الاصطناعي؟ وكيف يتسكع السلاح أياما في مكانٍ ما وهو يبحث عن ضحيته حتى يجدها؟ وكيف تخطط الطائرة المسيرة للانقضاض على هدفها في ظل غياب بيانات المواقع عنها أو التشويش عليها؟ وأمامنا هذه الحرب بين أمريكا وإسرائيل وإيران نموذجا تحليليًا، حتى تحط أوزارها. 

أمريكا التي تكلفها هذه الحرب المليارات، قررت أن تستخدم في حربها هذه طائرات مسيّرة تفكر وتقرر وتتواصل مع فريقها المصغر من الطائرات بشكل مستقل تماما عن التدخلات البشرية في حركتها في ساحة المعركة. فطائرة لوكس LUCAS يتم تعليمها مسبقا عن ماهية الهدف الذي ينبغي أن تقتله وصور وإحداثيات للمكان والهدف المحتمل. فتقوم الطائرة بالطيران والملاحة بدون استخدام نظام تحديد المواقع GPS في معظم الأحيان، وذلك لأنه من السهل قطع أو التشويش على هذه إشارات الGPS. إنما تسير هذه المسيرات وفق تقنيات «القصور الذاتي». فحين تمشي أنت في بيتك مغمض العينين، من كرسيك إلى الباب، تعرف أنه من نقطة بداية قمت بثلاث خطوات إلى الأمام وخطوة لليسار مثلا حتى تصل إلى الباب، بدون أن يدلك أحدهم أو أن تفتح عينيك، فكما فعلها دماغك هكذا تفعل الطائرة تقريبا، من نقطة بدايتها تحسب تسارعها واحتمالات تغيير الاتجاه حتى تصل. وهذه الطائرة تقوم كذلك بالتواصل مع شبكة مصغرة مع الطائرات القريبة منها من نفس النوع، لتقوم بالتنسيق معها بشكل منفصل تماما عن أي تدخل بشري، فيمكن أن تعثر إحداها على الهدف وتنسق مع الأخرى لتشوش عليه مثلا، وهي تستخدم هنا ما يسمى بتقنية الشبكات المتقاربة والمتداخلة Mesh. وفي الخطوة الأخيرة فإن هذه الطائرات حين تقترب من هدفها المحتمل تقارنه بما لديها من صور وبيانات لديها مسبقا لتتخذ قرار القتل أو التدمير والتعطيل، حيث إنها ترى بالكاميرات مدى تشابه ما تراه بالصور التي لديها عن الهدف، فإما أن تستهدفه أو أنها تستمر في تسكعها حتى تجد هدفها. والجدير بالذكر أن طائرات لوكس تم تطويرها بعد تفكيك لطائرات شاهد الإيرانية ومعرفة كيفية عملها وصنع طائرة شبيهة بها، فيما يطلق عليه بالهندسة العكسية. 

على الرغم أن أمريكا فككت وصنعت نفس مسيرات شاهد الإيرانية، إلا أنها في أمريكا تكلف أكثر بكثير منها في إيران، وذلك لأن التقنية مختلفة وتكلفتها أقل، ونظام تحديد المواقع فيها يجمع بين النظام الأمريكي GPS والصيني BeiDou، وتسير هذه المسيرات وفق ما خطط لها بدون تدخل بشري بعد برمجتها وانطلاقها، ولا تتواصل مع مصدرها أو ترجع له في القرارات، فهي سيدة مسارها وقرارها حتى النهاية. 

جديرٌ بالإشارة أن نظام تحديد المواقع الشائع في كل العالم GPS هو نظام أمريكي بالكامل، تم صنعه وتمويله ويتم التحكم به في أمريكا، ورغم أن معظم المسيرات حاليا لا تعتمد بشكل أساسي على إشارات الGPS إلا أن أنظمة الدفاع التقليدية تقوم بتزوير وتشويش هذه كل أجهزة وإشارات تحديد المواقع، لتمنع أي فرصة لاستخدامها من قبل الطرف المعادي. فقد تكون أن في منطقة صراع ما تم التشويش عليها، وبدلا من أن توصلك إشارة الـGPS إلى المطعم، ستأخذك إلى البحر، فخلال اليوم الأول من هذه الحرب بين إيران وأمريكا رصدت شركة الاستخبارات البحرية ويند-وارد Windward أن أكثر من ألف سفينة تجارية اضطربت ملاحتها قبالة سواحل سلطنة عمان والإمارات لهذا السبب. فهناك سفن أظهرت أجهزة ملاحتها أنها في مطارات في الإمارات أو في مبانٍ في طهران وهي قبالة سواحل عُمان، وهذه إحدى أهم ثغرات تفكير هذه الأسلحة بنفسها. 

أما في إسرائيل، فهناك أنظمة أخرى تبحث وتفكر وتخطط للقتل، ومنها نظام لافندر -كيف ستفكر زهرة الخزامى حين تعرف أن اسمها أطلقه الإسرائيليون على نظام للقتل!-. لافندر هذا يفكر ويبحث كثيرا ليرصد للجيش قوائم الاغتيالات، ويبني لهم قاعدة بيانات مفصلة عن هذه الشخصيات. يتنصت النظام على المكالمات ويحلل شبكات التواصل الاجتماعية، ويحلل الصور وبيانات التنقل الجغرافية المتاحة لديه بعلم صاحبها أو بدون ذلك، وبناء على أنماطٍ محددة لشخصيات مشابهة يضيف اسما جديدا لقائمة الاغتيالات. يتعلم لافندر بشكل آلي ويتدرب على القوائم التي سبق للجيش قتلها، ويعطي احتمال الاشتباه من صفر إلى مائة بالمائة. فتخيل لو أن أنماط سلوكك أنت والأماكن التي ترتادها تكون مشابهة لشخص آخر تعده إسرائيل خطرا وهدفا للقتل، وصادف أنكما تتواصلان مع نفس الشخصيات، هذا سيزيد من احتمالية أن يضعك لافندر في قوائمه الدامية. وتقول إسرائيل إن طريقة تفكير لافندر لديها هامش خطأ 10%، وهذا يعني أنه لو كانت في قوائم استهدافه 10 آلاف حياة، فإنه يكون قد أخطأ على الأقل في ألفٍ منها! وفي السياق نفسه وليس بعيدا عن اللافندر، هناك نظام الإنجيل HaBsora -كيف فكر أحدهم أن يسمى نظام قتله إنجيلًا!- وهذا النظام مخصص ليراجع بيانات المراقبة للمنشآت وصور الأقمار الاصطناعية وأسلاك التنصت وتقارير الاستخبارات، ليقرر بعدها إذا كانت هذه مؤسسة لا بد من تدميرها أم لا. وهذا النظام يفكر وفق طبقاتٍ أربع، فهو يرى ويراقب الصور أولا، ويتفحص وجود العسكر والشخصيات المهمة حول تلك المنشأة، ثم يتنصت على الاتصالات المشفرة وغير المشفرة، وبعدها يقرر أن يراجع البيانات البشرية من عملائه واستخباراته إن كانت هناك أي شبهة أو ذكر لتلك المنشأة، وبعدها يقارن تلك المنشأة بما يشابهها من منشآت كانت أهدافا سابقة للتدمير. وحين تتوافق المعلومات في كل هذه الطبقات يضعها في قائمة الاستهداف المحتمل. ومن طرائف هذا النظام أنه حين يحدد المنشأة المستهدفة يرفق -بكل احترافية- بندا للـ«الأضرار الجانبية التي لا مفر منها» وهي تقدّر مبدئيًا كم من المدنيين سيتم قتلهم إذا دمّرت هذه المؤسسة، نعم تلك مجرد أضرار جانبية لا مفر منها. ووراء اللافندر والإنجيل هناك نظام آخر وهو «مصنع النار» وهذا النظام يفكر ليجيب على سؤال واحد، كيف سيتم ضرب الأهداف كلها؟ في أقل وقت وبأقل تكلفة؟ لذا فهو يفكر بالذخيرة المناسبة وتسلسل الضربات منذ بدايتها، وأي الطائرات هي الأنسب ومتى؟ وكنتيجة فإن اللافندر والإنجيل قررا من سيقتل و«مصنع النار» فكر وقرر بأي سلاحٍ وفي أي زمان سيتم ضربه. أما في أمريكا فنظام مافن Maven يقوم بكل ما تقوم به هذه الأنظمة أيضا. 

أم لو فككنا أنظمة الدفاع الجوية الإسرائيلية، فكل منهم يفكر بطريقة مختلفة، فالقبة الحديدة ترصد برادار متحرك أهدافا متعددة في الوقت ذاته، ووفق الخوارزمية المبني عليها تفكر بحسبة بسيطة، إذا كانت تتصدى للصاروخ أم لا. تسأل نفسها أين سيسقط الصاروخ؟ ما كثافة السكان في ذاك المكان؟ وما كلفة الإطلاق؟ وبعدها إما أن تتم محاولة التصدي أو يتم تجاهل الصاروخ ليسقط في العراء أو في رأس أحدهم. أم طبقة النظام الدفاعي التي فوقه، فهي أنظمة مقلاع داود، وهي تصطاد الصواريخ في طبقات أعلى من القبة الحديدية، بالاصطدام المباشر، وكأنها رصاصة أطلقت لتوقف رصاصة. ويأتي النظام الأعلى منهما، واسمه سهم، للطبقات في خارج الغلاف الجوي، وهو يستخدم الذكاء الاصطناعي ليميز الصواريخ الحقيقية، ذات الرؤوس التفجيرية حسب الحرارة والديناميكية الهوائية ونمط الحركة، ليقرر تفجير الرأس الحربية في حالة كانت وفق المعايير المحددة في خوارزمياته، وهي تقوم بذلك لأن الكثير من الصواريخ تكون مزيفة، فقط بهدف تشتيت أنظمة الدفاع واستنزافها. 

وهذه الأنظمة التي نراها ونسمع أخبارها بشكل يومي في هذه الحرب، والتي تبدو أنها تفكر مستقلةً وأنها خارقةً لا مثيل لها، تقيدها أيضا الكثير من المخاطر، لعل أهم التشويش عليها وتظليلها، أو اختراقها. فهذه الحرب كشفت أن أمريكا وإسرائيل تقوم بالضربة السيبرانية قبل الضربة العسكرية، وذلك بغرض إعماء العدو وشل أنظمته، أو مسح أو سرقة بيانات مهمة. كذلك فقد كشفت الحرب أيضا عن ثغرة استراتيجية في هذه الأنظمة، فمعظمها يعتمد على أنظمة أخرى قد تكون عرضة هي الأخرى للتعطيل والاستهداف. فاعتماد إسرائيل وأمريكا بشكل كبير على البيانات السحابية حفّز إيران لضرب مراكز بيانات أمازون في دبي والبحرين مثلا، وهذه الأنظمة المساعدة حتى وإن لم يتم تعطيلها أو اختراقها فقد يتم الضغط عليها سياسيا أو مجتمعيا لتقطع خدمتها عن دولة ما. 

وهذه الأنظمة التي تفكر وتخطط وتنفذ القتل أحيانا، تعلم الكثير، غير أن ما تجهله قد يكلف الناس حياتهم وبلادهم، فنظام لافندر مثلا، لا يعرف أن المشتبه به قد غير حياته في آخر خمس سنوات مثلا فيقوم باستهدافه بناء على معلومات قديمة، ونظام الإنجيل لا يعرف أن هذه المؤسسة نُقلت وأصبحت هناك مؤسسة أخرى. وطائرات لوكاس يبدو أنها لا تعرف حتى الآن أن الشاحنة التي تستهدفها تنقل أطفالا، ويبقى السؤال الأخلاقي والقانوني والاجتماعي قائما من يتحمل كل هذا؟ وأي خطأ تقوم به هذه الأنظمة من سيحاسب عليه لمنع تكراره بعدها؟ فجموع الأمم لم تصل إلى قوانين ملزمة في هذا المجال، وهناك أمم أخرى، مثل الصين، تشاهد الحرب وتتسارع لبناء أنظمة قتل هي الأخرى أدق وأسرع. 

كما أنه ينبغي على الدول التفكير استراتيجيًا والتخطيط لاستمرارية خدمات التقنية الأساسية التي أصبحت شريانا للحياة والاقتصاد مثل الكهرباء والأنترنت، وأنظمة محلية أساسية وأخرى احتياطية لكل الأنظمة الحيوية، ومنها أنظمة المواقع GPS التي ينبغي أن تكون متوفرة وآمنة، حتى لا تتعرض لتشويش أو استغلال. وعلى الدول أن تفكر في أن تكون تقنياتها مصنعة محليا، وإن لم يكن فمن دول وشركات مختلفة، بدل الاعتماد على النظام الأمريكي وحده مثلا. وذلك لتكون للدول كامل السيادة فيها، لمصلحة كل من يعيش على أراضيها. 

المعتصم الريامي مطور ومهتم بالتقنية