في لحظة تاريخية من عام 2012 وصلت أول مركبة من صنع الإنسان حدود المجموعة الشمسية لتدخل في الوسط بين النجمي حاملة معها رسالة إلى العالم البعيد بلغات أهل الأرض في قرص مصنوع من النحاس الأحمر المطلي بطبقة رقيقة من الذهب الخالص محفوظ بعناية في علبة من الألمونيوم المطلية أيضا بالذهب الخالص وعليها وضعت قطعة من نظير اليورانيوم 238، هذه الرسالة تعبر بها البشرية في هذا الكوكب عن السلام والأخوة والرغبة في العثور والتواصل مع الحضارات البعيدة في الكون السحيق، رسائل إن قدر لها أن تصل أو أن تصادف عوالم افترض الإنسان وجودها فهذا سيحتاج منا إلى وقت طويل لمعرفة ذلك وربما لن يشهد جيلنا الحالي أو الجيل القادم هذه اللحظات، ولكن يبقى مشروع حلم راود الإنسان لاستكشاف الكون البعيد الذي يستحيل معه –حسب ما يعتقد البعض- أننا الوحيدون فيه، بل يفترض الكثير من الفلاسفة والعلماء وجود أجناس أخرى من الكائنات في محطات بعيدة وكواكب يصعب علينا التواصل معهم وربما يمتلكون تقنيات أكثر تطورا منا، وهذه الفكرة ليست حديثة العهد كما يعتقد البعض فقد عبر عنها الفيلسوف الإغريقي مترودوروس الخيوسي حين يقول: «إن وجود سنبلة واحدة في حقل كبير أمر غريب، تماما مثل وجود عالم واحد في فضاء لا نهائي»، وتبناها العديد من العلماء المسلمين، ففي كتابه «مفاتيح الغيب يذكر فخر الدين الرازي»: «ثبت بالدليل أن خارج العالم خلاء لا نهاية له، وثبت أن الله قادر على جميع الممكنات، فهو قادر على أن يخلق ألف ألف عالم خارج هذا العالم، يكون كل واحد منها أعظم وأجسم من هذا العالم» فالرازي لم يعارض فقط فكرة أرسطو في نظرته حول مركزية الأرض بل يحاول إثبات قدرة الله سبحانه وتعالى على إيجاد عوالم أخرى في مجرات بعيدة قد لا نكون قادرين بإمكانيتنا الضعيفة حتى الآن من الوصول إليها أو التواصل معها وهو الكلام الذي جادل فيه جوردانو برونو أبرز المدافعين عن مركزية الشمس وخالف الرأي السائد لدى الكنيسة وهو ما كلفه حياته في القرن السادس عشر.
إن هذه الرغبة في معرفة ماذا يوجد خارج مجموعتنا الشمسية من حضارات هو ما دفع بهذا المشروع إلى الأمام والذي ما زال يبحر في الكون ويرسل لنا بيانات ومعلومات قيمة منذ انطلاقه في سبتمبر من عام 1977 حتى اليوم، وبعد مرور أكثر من أربع عشرة سنة على دخولها في الوسط بين النجمي ستكمل هذه المركبة يوما ضوئيا كاملا (وهو ما يعادل المسافة التي يقطعها الضوء في يوم) في شهر نوفمبر القادم.
وفي هذا المقال نستذكر اللحظات التاريخية لهذه المركبة منذ انطلاقها ومرورها بعمالقة المجموعة الشمسية حتى وصولها على بعد خطوات من تحقيق مسافة اليوم الضوئي لتكون بذلك قد سجلت رقما قياسيا ربما لن نعيشه مع مركبة أخرى في المدى القريب من المهمات العلمية.
كواليس الانطلاق العظيم
في بحثه الذي كان يجريه عام 1965 حول دراسة مسارات الكواكب اكتشف طالب الدراسات العليا والمتدرب في مختبر الدفع النفاث (آنذاك) جاري فلاندور (رئيس مجتمع التميز في الدفع الفضائي بمعهد الفضاء في جامعة تينيسي حاليا) حقيقة مذهلة تظهر أن الكواكب الخارجية في المجموعة الشمسية (المشتري، وزحل، وأورانوس، ونبتون) ستصطف في جانب واحد من الشمس في حدث لن يتكرر إلا بعد 175 عاما، حدث لم تشهده البشرية إلا في عهد نابليون بونابرت، يمكن أن يسهم بشكل فعال في تسريع الوصول إلى الكواكب الخارجية وخاصة المشتري وزحل في وقت قصير من خلال الاستفادة مما يعرف بمقلاع الجاذبية أو مساعدة الجاذبية وهي تقنية تساعد المركبة من الاستفادة من الزخم الزاوي للكوكب لزيادة سرعتها وهو ما أدركه فلاندرو في حساباته. هذا المحرك الكوني أسهم بشكل كبير في تغيير حسابات المهندسين لمهمة فوياجر-1 والتي انطلقت في 5 سبتمبر من عام 1977 من قاعدة كاب كانا فيرال في فلوريدا والتي كان من المفترض أن تكون ضمن برنامج أعدته ناسا لإطلاق أربع مهمات مسبارين لدراسة المشتري وزحل وأورانوس ومسبارين آخرين لاستكشاف المشتري وزحل فقط في ما كان يعرف بمشروع «الرحلة الكبرى أو The Grand Tour» لضمان تغطية شاملة لكل أجزاء النظام الشمسي الخارجي، غير أن تبعات حرب فيتنام والأزمات المالية حالت دون الحصول على تمويل كامل للمشروع والذي تقدر تكلفته في ذلك الوقت بمليار دولار وبالتالي تم استبدال مشروع الرحلة الكبرى بمشروع آخر كان قد حقق نجاحا في دراسة الكواكب الداخلية (الزهرة وعطارد) وهو مشروع مارينر، وتقديمه كامتداد للمشروع الأول وبتالي إقناع الجهات الممولة بجدوى وفائدة المهمة العلمية.
دهاء المهندسين
وتغيير الاستراتيجية:
في الوقت الذي كانت فيه المؤشرات تشير إلى إلغاء المهمة بالكامل أعاد المهندسون في مختبر الدفع النفاث صياغة المهمة تحت مسمى أكثر بريقا وهو مشروع «مارينر للمشتري وزحل (Mariner Jupiter-Saturn)» والذي أعطى الانطباع للإدارة والممولين بأن المهمة مجرد استمرار لتقنية مجربة وليست مغامرة نحو المجهول غير محسوبة العواقب، حيث عرف مشروع مارينر (البحار) بنجاحه السابق في دراسة الزهرة وعطارد وبالتالي فهذا المشروع هو امتداد للمشروع السابق، ولكن يكون مخصص لدراسة عمالقة المجموعة الشمسية، كما تم تقليص المهمات من 4 مهمات إلى مهمتين فقط لدراسة الكواكب الخارجية للمجموعة الشمسية عرفت لاحقا باسم فوياجر 1 و فوياجر 2 حيث تم تغيير الاسم قبل انطلاق المهمة بعدة شهور وبالتحديد في مارس من عام 1977، كما أن المصممين للمهمة غيروا الهدف الرئيسي فقد صمموا فوياجر 1 و2 بقدرات تقنية وعمر افتراضي يتجاوز بكثير الأهداف المعلنة. لقد بنوا المركبتين لتصمدا في وجه الإشعاعات الكونية القاتلة والبرد القارس في المناطق البعيدة لسنوات طويلة، واضعين في الحسبان احتمال استكمال الرحلة إلى أورانوس ونبتون وما بعدهما، وهو ما حدث بالفعل في واحدة من أعظم المناورات العلمية في تاريخ استكشاف الفضاء. لتنطلق فوياجر 1 وهي تحمل على معها إرثا فلسفيا وتقنيا يعكس القدرة المعرفية والطموح لدى الإنسان على هذا الكوكب، وهي في واقعها تحمل «رهانا» بشريا على الوصول إلى أعماق الكون متجاوزة حدود الميزانيات السياسية حاملة معها أمل البشرية في معرفة ما وراء المجموعة الشمسية والوصول بالإنسان إلى الفضاء البين نجمي واستكشاف أسراره.
الإنجازات العلمية
في مسار الرحلة:
لم تكن لحظـات الوداع طويلة للمركبــــة فوياجر1، فقد انطلقت بسرعــة هائلة مستفيدة من ميكــانيكـا السمــاء لتصــــل بعد 18 شهر فقط من انطلاقها أي في مارس 1979 إلى كوكب المشتري وهو رقم قياسي لم تحققه مركبة أخرى حتى الآن، فعلى سبيل المثال قطعة المركبة جونو هذه المسافة في 5 سنوات والمركبة جاليلو في 6 سنوات، هذه السرعة كانت نتيجة الاستفادة من اصطفاف الكواكب وميكانيكا السماء وبتالي دراسة كوكب المشتري عن قرب والذي مكن العلماء من رصد وتصوير البقعة الحمراء الكبرى بدقة فائقة والاقتراب منها أكثر ودراستها بدقة وتحليل البيانات التي حصلنا عليها في سابقة لم تكن معروفة من قبل، كما قامت فوياجر1 باكتشاف حلقات باهته لم تكن معروفة لكوكب المشتري، ورصدت أول براكين نشطة على القمر «آيو» التابع لكوكب المشتري ليكون بذلك أول نشاط بركاني يرصد خارج كوكب الأرض.
وعلى كوكب زحل الذي وصلت إليه في عام 1980 أي بعد مرورها بكوكب المشتري ودراسته بحوالي 20 شهرا قدمت فوياجر1 صورا بالغة الدقة للبنية المعقدة لحلقات زحل واكتشاف الحلقة G والتي لم تكن معروفة في ذلك الوقت، غير أن الاكتشاف الأبرز والمتعلق بكوكب زحل كان من خلال الاقتراب من القمر تايتان الذي تبين من خلال البيانات التي حصلنا عليها أن غلافه الجوي كثيفا يشبه الأرض البدائية، كما أنه غني بغاز النيتروجين، هذا الاكتشاف جعل تايتان أحد أكثر الأجرام إثارة للاهتمام في البحث عن الكيمياء العضوية.
ومع إتمام مهمة اكتشاف كوكبي المشتري وزحل، بدأت فوياجر1 بالانحراف صعودا للبدء في مغادرة مستوى الكواكب في طريقها نحو عالم مجهول لم يكن يعرف عنه شيئا، ولكن قبل أن نطفي هذه العين البشرية أجفانها الإلكترونية، وإيقاف تشغيل الكاميرات توفيرا للطاقة، استطاع عالم الفيزياء الفلكية كارل ساجان من إقناع ناسا باستغلال تلك اللحظة الأخيرة لالتقاط صورة للأرض في 14 فبراير 1990 من على بعد 6 مليارات كيلومتر. هذه اللقطة التاريخية والتي عرفت في ما بعد بالنقطة الزرقاء الباهتة أو (Pale Blue Dot) تظهر لنا مدى صغر الكوكب الذي نعيش فيه مقارنة بحجم الكون الواسع، كما يصف ذلك كارل ساجان في كتابه الذي يحمل نفس الاسم «بالنقطة الزرقاء الباهتة»، حين يقول في تعليقه على هذه الصورة «من تلك البقعة البعيدة الممتازة قد لا تبدو لكوكب الأرض أي أهمية خاصة. ولكن بالنسبة لنا يختلف الأمر. انظر مرة أخرى إلى هذه النقطة. إنه هناك: الوطن. ها نحن. عليها يوجد كل من تحبه، كل من تعرفه، كل من سمعت عنه».وبعد تلك اللحظات لم ترسل المركبة أي صور أخرى، بل إنها واصلت المسير لتصل في عام 2004 إلى ما يعرف باسم Termination Shock وهي المنطقة التي تبدأ معها الرياح الشمسية بالتباطؤ نتيجة اصطدامها بالوسط البين نجمي ويقدر بعدها عن الشمس بحوالي 75 إلى 90 وحدة فلكية AU (الوحدة الفلكية هي متوسط المسافة بين الأرض والشمس وتقدر بحوالي 150 مليون كلم).
الخروج العظيم أغسطس 2012:
«لقد غادرت فوياجر 1 حظيرة الشمس، وأبحرت في المحيط الكوني بين النجوم. إنها المرة الأولى التي يلمس فيها شيئا من صنع الإنسان الفضاء الذي لم تلمسه الشمس قط». بهذه الكلمات عبر إدوارد ستون مهندس مشروع فوياجر1 في المؤتمر الصحفي لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا عام 2013 عن الإنجاز العظيم الذي حققته المركبة في الوصول إلى أبعد نقطة يصل لها الإنسان عبر مسبار يواصل مسيره في الكون، ورغم أن العبور العظيم حدث فعليا في 25 أغسطس عام 2012 إلا أن تحليل بيانات البلازما استغرق عاما كاملا ليتأكد العلماء من أن العبور تم فعليا وأن المركبة غادرت إلى الوسط البين نجمي، هذا الحدث الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط العلمية يعود اليوم وبعد حوالي 14 سنة ليصبح من الذكريات؛ حيث لم يتبق سوى أشهر معدودة لتصنع هذه المركبة حدثا تاريخيا آخر بالوصول إلى يوم فلكي كامل في نوفمبر من هذا العام مع الحفاظ على قدرتها على إرسال البيانات من هذه المسافة البعيدة عن الوطن الأم رغم العطل الذي حدث بين عام 2023 ومنتصف 2024 والذي تمكن العلماء من إصلاحه واستعادة القدرة على الاتصال بالمركبة واستقبال البيانات لتكون بذلك كما يصفها الفيزيائي الشهير برايان كوكس «فوياجر ليس مجرد آلة، إنه نصب تذكاري صامت لحضارة كانت تتوق للمعرفة. سيظل يسبح في الفراغ طويلا بعد أن يبتلع البحر مدننا».
إن مسبار فوياجر1 هو أمل البشرية في إيصال رسالتنا للعالم البعيد، عالم لا نعرف حدوده ولا من يسكنه ولا ماذا يوجد وراء المسافات البعيدة التي لا نستطيع حتى النظر إليها عن قرب، ولكن الطموح البشري لا يعرف الحدود والمستحيل يبدو ممكنا إذا ما كان الإيمان بالعلم هو السبيل الأمثل لتحقيق هذه الأمنيات. وربما أفضل ما نختم به المقولة الشهيرة لفرانك دريك: «سوف تعيش فوياجر1 لمليارات السنين، وربما تكون هي الأثر الوحيد المتبقي من حضارة البشر بعد أن تبتلع الشمس الأرض وتصبح رمادا، هي عمليا أطول شيء صنعه الإنسان عمرا على الإطلاق».
د. إسحاق بن يحيى الشعيلي رئيس مجلس إدارة الجمعية العمانية للفلك والفضاء