للفيلسوف ابن خلدون في مقدمته كلامٌ بليغ يصف فيه الأمم المنهارة بعدة أوصاف تصل إلى أكثر من عشرين وصفًا، منها أنه عندما تنهار الدول يكثر المُنجِّمون والمتسولون، وضاربو المندل، وقارئو الكفّ والطالع والنازل.
بمعنى أنّ كثرة المنجّمين والعرّافين علامة على ضعف الدول وفقدان العقلانية، وأنها مؤشر على دخول المجتمعات مرحلة الانحدار.
وأظن أننا نعيش هذا الوضع اليوم؛ فما قاله ابن خلدون نعيشه بحذافيره الآن، إذ أصبحت منصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك ويوتيوب وفيسبوك وإكس، وحتى بعض القنوات الفضائية، مفتوحة لتوقعات المنجّمين ومفسّري الأحلام، ويتابع الملايين حسابات شخصيات مثل ليلى عبد اللطيف وميشيل حايك ومايك فغالي وأبي علي الشيباني، صاحب مقولة «ما قلتُ شيئًا إلا على (بينةٌ) من معلمي. إلعنوني، والعنوا بيِّي وبيْ بييِّ، إذا لم يحدث ما أقول»، وآلان مصطفى صاحب مقولة «أنا أقوى واحد وكلهم يأخذوا توقعاتي»، وغيرهم كثيرون، الذين يملكون حضورًا ويثيرون جدلًا بتوقعاتهم.
تابعتُ منذ سنوات طويلة توقعات هؤلاء المنجّمين، ربما يعود ذلك منذ شهر يناير عام 1997، عندما قرأتُ خبرًا في صحيفة محلية عن توقع الفلكي التونسي حسن الشارني وفاة الأميرة ديانا في حادث سير مروع، وهو ما حدث بعد ذلك بثمانية أشهر تقريبًا.
وقد اكتسب الشارني سمعة دولية بناءً على توقعاته الأخرى التي شملت توقعه وفاة ياسر عرفات في ظروف غامضة، وتوقعه هجمات 11 سبتمبر 2001، فيما فشلت بعضها، مثل اغتيال الرئيس جورج بوش في 2005، فوصفه البعض أنه ضمن «المنجّمين الذين لا يعرفون شيئًا».
يشير بعض الباحثين إلى أنّ التنجيم قد يُستغل كأداة للتأثير النفسي أو لتوجيه الرأي العام، خاصةً حين تتزامن التوقعات مع أحداث سياسية حساسة
لقد جعلني حادث وفاة الأميرة ديانا مغرمًا بمتابعة توقعات الشارني، حيث كانت وكالة رويترز للأنباء تنشرها باستمرار مع بداية كلِّ عام ميلادي، وكنتُ أضع القائمة جنب سريري، أراقب ما تحقق منها وما لم يتحقق، وأحيانًا أندهش من دقة بعض النبوءات التي تحققت بحذافيرها، وهو ما زاد من حيرتي وأثار استغرابي: هل هي مجرد مصادفات، أم أنّ وراءها علومًا مخفية؟ وكنتُ أسأل نفسي: مؤكد أنه لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، ولكن كيف لمثل هذه التنبؤات أن تصدق؟! وقرأتُ كثيرًا عمَّا كتب عن هؤلاء، حيث يتهمهم البعض بأنهم كذابون، وبأنهم مجرد ألعوبة في أيدي المخابرات وجهات سرية أخرى كالماسونية وغيرها، لكن الحيرة استمرت معي، خاصةً مع ما تحقق من النبوءات، التي لا تتعلق بالسياسة ومصير الأوطان، مثل حالات الطقس والمرض وطلاق الفنانين وغيرها من النبوءات التي لا تحتاج إلى لعبة مخابرات.
مع مرور الوقت وكثرة المنجّمين، وعدم تحقق الكثير من تلك النبوءات، أدركت أنّ كثيرًا منهم يبيعون الوهم فعلًا، وأنّ ما يبدو «توقعًا صادقًا» ليس إلا صياغة ذكية لعبارات عامة يمكن أن تنطبق على أيِّ حدث أو شخص، لكن هذا الإدراك لم يلغ ما كان يدور في خاطري عن الذي تحقق، هل هم فعلًا ينفذون أجندات مخابراتية تستغل حاجة الناس إلى الاطمئنان وسط الأزمات؟
وسط حيرتي وتساؤلاتي برز اسمٌ أثار جدلًا واسعًا في هذا السياق، هو اسم محمد علي الحسيني، لبناني الأصل سعودي الجنسية، الذي لا أعرف هل يمكن أن يُصنَّف ضمن المنجِّمين أم المحللين أم غير ذلك؟، ظهر فجأة في قناة «العربية» قبل أن يصبح نجمًا في مواقع التواصل الاجتماعي، واشتهر بعباراته الغامضة التي تحمل تحذيرًا أو لنقل تهديدًا، مثل ترديده: «إننا نسمع ونرى ونستشرف المستقبل: اعهد عهدك، ولمّ شملك، واكتب وصيتك... فمن اشتراك بالأمس، باعك اليوم»، وهي العبارة التي قالها لحسن نصر الله قبل استشهاده بثمانٍ وأربعين ساعة أو أقل، وكررها لأكثر من شخصية بارزة قبل أن يلقوا حتفهم، ومن بينهم الإمام الخامنئي، وهذا التكرار لهذه العبارة جعله مثار جدل واسع، إذ يرى البعض أنها مجرد مصادفات، بينما يعتقد آخرون أنها تحمل إشارات إلى معلومات استخباراتية يعرفها مسبقًا، ولكن في رأيي، يصعب عدّ الأمر مجرد مصادفة؛ فالمسألة تستحق التأمل، غير أنّ الغموض حول الحسيني لم يقف عند عباراته، بل امتد إلى شخصيته نفسها؛ ففي لقاء تلفزيوني مع الإعلامي عبدالله المديفر، وجّه له سؤالًا مباشرًا: هل أنت تتبع الماسونية؟، كان جوابه لفًا ودورانًا، وهو سؤال يعكس حجم الشكوك التي تحيط به، وكيف ينظر إليه البعض باعتباره جزءًا من شبكة أكبر تتجاوز حدود التنجيم التقليدي، فهو بهذا المعنى يمثل وجهًا آخر للظاهرة: ليس مجرد «بائع وهم» للجماهير، بل شخصية غامضة توظف لغة مشفرة، وتثير تساؤلات عن ارتباطها بأجندات سياسية أو استخباراتية.
يشير بعض الباحثين إلى أنّ التنجيم قد يُستغل كأداة للتأثير النفسي أو لتوجيه الرأي العام، خاصةً حين تتزامن التوقعات مع أحداث سياسية حساسة، فترى الباحثة الاجتماعية أليسار فندي أنّ «الاعتماد على التنجيم يتزايد خلال الأزمات نتيجة الافتقار إلى الإنجازات والتخطيط الواقعي، ما يجعل الكثيرين يلجؤون إلى التوقعات المثيرة بدلًا من التحليل العلمي المنطقي».
وأظن أنّ هذا الرأي يحيلنا إلى احتمال أن تكون بعض هذه الظواهر جزءًا من لعبة أكبر تتداخل فيها السياسة بالاستخبارات، بسبب الافتقار إلى التخطيط الواقعي، ولكن يبقى أنّ السبب الأساسي للجوء الناس إلى متابعة مثل هؤلاء، هو بحثهم عن الأمل، حتى وإن كان كاذبًا، كالذي يتمسك بقشة، ويعتقد أنّ فيها النجاة.
ولا يخفى على أحد أنّ أوضاع الشعوب العربية انتقلت من حضيض إلى حضيض، وساءت أحوال الناس المعيشية، وانتقلوا من هزيمة إلى أخرى، ولم يروا بارقة أمل في أيِّ نصر، بل رأوا بأم أعينهم أنّ إخوانهم يُبادون وتفشل الحكومات في مساعدتهم بأبسط الأشياء، مثل إدخال رغيف خبز لهم وأدوية لأطفالهم، ومرّ عليهم رمضانٌ وحجٌ وصيفٌ وشتاءٌ وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، في وقت ترتفع فيه الأصوات من منابر الجوامع تهاجم الضحية وتحمّله المسؤولية.
لقد بحث العرب عن الأمن فلم يجدوه، وبحثوا عن الوحدة ولم يجدوها، وبحثوا في واقعهم عن كلِّ ما درسوه عن الأخوة الإسلامية وعن العروبة فوجدوها سرابًا، ولم يبق لهم إلا أن يتمسكوا بالأمل - وإن كان خادعًا -، ويبحثوا عن إجابات سهلة، ويروا فيما يقوله العرافون والمنجمون الأمل، لعل وعسى أن يحدث شيء ما يغير من حالهم.
ماذا كان سيضيف ابن خلدون في مقدمته لو عاش في وقتنا الحاضر؟! لقد صدق الرجل وصدقت نبوءاته؛ فانتشار المنجمين ومفسري الأحلام مؤشر على أزمة شديدة في المجتمعات العربية.
زاهر بن حارث المحروقي كاتب عُماني مهتم بالشأن السياسي الإقليمي.