هناك نوعٌ من الكتب لا نقرؤه وحسب، وإنّما يستولي علينا، ويُفسد قراءاتنا اللاحقة، فيغدو التواؤم مع ما سواه أمرًا عسيرًا. وعندما نقعُ في هذا الفخ، فإننا نُبطئ إيقاع القراءة، وكأنّنا نخشى أن ينفد الجمالُ المذهلُ من بين أيدينا.
حصل لي هذا مؤخرًا عندما قرأتُ رواية «هامنت» للكاتبة ماغي أوفارل، ترجمة: زوينة آل تويّه والصادرة عن دار أثر. والمفارقة أنّي شاهدتُ الفيلم المُستلّ من الرواية أولًا على غير العادة، فكان آسِرًا ومُبهرًا على نحوٍ لا يُصدَّق.. حتى ظننتُ أنّه لن يُبقي للرواية شيئًا من الفرادة. لكنّ الفيلم المُذهل لم يُفسد الرواية، كما أنّ الرواية بعذوبتها الإنسانية لم تفعل ذلك أيضًا. كان كلٌّ منهما يشعُّ بفيضه من مكانٍ خفيّ.. تُخاتلنا الكلماتُ بالقدر نفسه الذي قد تصنعه اللقطة البصرية.
والحقيقة أنّ الذي سحرني في هذا العمل أمران، أولهما: الكاتبة ماغي أوفارل، التي أنشأت عالمًا كاملًا لعائلة ويليام شكسبير من خيطٍ رفيع من الإشارات. فالمعلومةُ الموثّقة تاريخيًّا أنّ لشكسبير ابنًا تُوفّي في الحادية عشرة من عمره، غير أنّ هذه القصّة لم تُشبع بتفاصيل أخرى، لأنّ المصادر التي تناولت عائلة شكسبير كانت شحيحةً للغاية مقارنةً بالفيض الهائل من الدراسات والمقالات التي كُتبت عنه ككاتبٍ مسرحي. لكنّ أوفارل نسجت من تلك الشذرات الصغيرة حياةً كاملة، فهي لم تكن تُبالي بسيرة ويليام شكسبير بقدر اهتمامها بزوجته «أغنس» وعذابات الأمومة والفقد. فالأمُّ التي رُزقت بتوأمٍ: «جوديث» الهشّة الواهنة، و«هامنت» القويّ الشجاع، أفرغت جلَّ رعايتها للابنة خشية فقدها، دون أن يخطر ببالها لوهلة أنّ ألاعيب القدر قد تختطف منها ابنها «هامنت»!
وإلى جوار ثيمة الفقد، فإنّ ما يُحسب لـ ماغي أوفارل أنّها لم تُعدنا إلى أواخر القرن السادس عشر فحسب، بل أعادتنا إلى رتمه الزمني ذاته. ويتجلّى ذلك في عنايتها بالبطء الماكث في الحركة الداخلية للنصّ، وكأنّه ليس ثمّة ما ينبغي أن نتعجّل إتمامه. فتصفُ الطيور وأنواع العشب والزهور والنحل وأدوية الطبيعة من دون عجلة، إلى جوار الكشف الدؤوب عن الطبقات الأعمق للشخصيّات.
الأمرُ الآخر الذي لفت انتباهي يتعلّقُ بالمترجمة زوينة آل تويّه، التي لم تخذلني يومًا منذ أن قرأتُ ترجمتها الأولى لرواية «بارتلبي النساخ». فقليلةٌ هي الترجمات التي تُضيف إلى اللغة العربية فتنةً لا يمكن تجاهلها. ما أعنيه أنّ آل توية لا تتعامل مع اللغة كأداة ناقلة فحسب، وإنّما باعتبارها النسيج الأساسي الذي يُؤلَّف به النصّ. وأكثر ما شدّني في حوارٍ أُجري معها قولها: «على المترجم أن يُساعد القارئ العربي على أن يتذوّق لغته الأمّ». إذ بقدر ما تُخلص آل تويّه للنصّ الأصلي، فإنّها تُقدّم جزالةَ اللفظ، وتعودُ إلى المعاجم العربية بحثًا عن مرادفات جديدة، وتُحيي ألفاظًا مهجورة من كتب الأوائل، حتى إنّك تكاد لا تصدّق أنّ النصّ كُتب أصلًا بغير هذه اللغة.
ذكرت زوينة آل تويّه: «أنّ ماغي أوفارل ومن شدّة تأثّرها بالقصّة، لم تستطع أن تكتب مشهد موت ابن شكسبير داخل بيتها، لأنّ ابنها كان في العمر نفسه آنذاك، فأخذت تُؤجّل كتابة تلك الصفحات حتى تجاوز ابنها تلك المرحلة العمرية. وحرصت أيضا على أن تكتب حدث الموت خارج البيت».
وكما يبدو فإنّ أوفارل حتى وهي تكتب عملًا مُتخيّلًا، لم تستطع فصل نفسها عن خوف الأمّ الأصلية. فالخوف من الفقد، لا يبدو مختلفًا كثيرًا عن خوف أمٍّ عاشت في قرون خلت، وكأنّ كل أمّ تُعلّق حياتها على نجاة طفلها من موت مُباغت.
يضعنا هذا العمل الروائي أمام ثنائية ما نتوقّع حدوثه وما يحدث فعلًا، وأمام اختلاف الطرائق التي يتعامل بها البشر مع أحزانهم، فبينما تنغمرُ الأمّ في كآبتها المُفرطة، يذهبُ زوجها غير مُكترث ليُكمل أعماله في لندن، وكأنّ موت الابن أمرٌ عادي وبسيط.. هكذا يُظن، لكنّه في الحقيقة كان يصنعُ من وجعه شيئًا آخر لم تكن الزوجة لتراه.. لقد صاغ شكسبير من موت ابنه عملًا خالدًا إلى اليوم.. صنع مسرحية «هاملت».