"انتهت الحرب أخيراً في كل ثغور البلاد، وسكتت المدافع على طول الحدود، وجاءت جرَّافات، وحفَّارات، ومعدَّات تسوية التُّربة من آليات سلاح الهندسة لتمهِّد ممرات هبوط وإقلاع ترابيَّة سلسة قدر الإمكان لطائرات النَّقل العملاقة التي ستُقِلُّ مئات الآلاف ممن تبقَّوا أحياء أو جرحى من خطوط القتال إلى القاعدة العسكريَّة الكبيرة في العاصمة. ومن هناك سيذهب كلٌّ إلى مدينته، أو بلدته، في إجازة طويلة، ما لم يحدث استدعاء للخدمة بناء على مقتضيات مستجدَّة في الميدان".
انتهت الحرب من دون أن يعلم الكثير عن خسائر الجانب الآخر. "في جانبنا هلك عشرات الآلاف، بمن في ذلك ثمانية من أصدقائي في كتيبتي وكتائب أخرى، وبُتِرَت أطراف خمسة، وفقد اثنان بصرهما بشظايا بقصف متلاحق من راجمات صواريخ العدو على موقعنا الذي كان حصيناً بالنَّظر إلى ظروف الحرب، ولا أدري عن أعداد الأسرى. وأنا لا أعرف لغاية الآن كيف لم أُقتَل، ولم أُجرح أو أؤسر".
انتهت الحرب، إذاً، و"لا علم لي بمن انتصر أو هُزم، وإن كنت قد سمعت من الأخبار التي وصلت إلينا من إذاعات الأعداء، والحلفاء، والمحايدين، التي كانت تلتقطها راديوهاتنا الصَّغيرة خلسة في الخنادق والدُّشم أن الحرب كانت شرسة للغاية في عنفها المجنون القائم على سياسة إحراق الأخضر واليابس، ومتكافئة في النِّدِّية والأداء القتالي الانتحاري فيما يخصُّ الجنود، وقد اتفق طرفا النِّزاع على أن الحل لا بد أن يكون سياسيَّاً؛ إذ أن كل تلك السنين من سفك الدماء وإهدار الأرواح والممتلكات ليست في صالح أحد، وهذه أمور شائكة لا أفهمها بما فيه الكفاية".
لكن، وقد انتهت الحرب، فإن ما هو أكثر من اشتياقه لزوجته هو تحرُّقه لرؤية ولده الوحيد الذي انتزعته الحرب منه وعمره ثلاث سنوات، صارت الآن ستَّاً. "أدركت أنه لن يتعرف إليَّ بالتأكيد، وسيكون عليَّ بذل بعض الجهد كي نتآلف مرة أخرى أتمنى أن تكون طويلة جداً".
والحقيقة أنه درَّب نفسه منذ اندلاع الحرب على تخيُّل بعض المواقف أو اختلاقها بصورة تساعد على تجديد الألفة المفتقدة بينهما. وقد كان رفاق السلاح يضحكون ويتندَّرون وهم يشاهدونه يفتعل أداء سيناريوهات تصوِّر ظروفاً وأحوالاً ستحدث بينه وبين ولده لاحقاً.
"وبعد أن أودعت جعبتي وبندقيتي الرَّشاشة في مخزن العهدة في القاعدة كما اقتضت أوامر القيادة، انطلقت على عجل ولهفة في سيارة أجرة من هناك إلى بلدتنا الصغيرة الواقعة على بعد حوالي ست ساعات". كان لا يزال مرتدياً زيّه الميداني الذي ضجر منه بالكامل، وذلك إطاعة للتَّعليمات الصادرة من القيادة أيضاً، التي رأت أن ظهور الجنود بتلك الأزياء سيرفع من المنسوب المعنوي الشعبي، ويضاعف الطَّاقة الحماسيَّة. "وطوال الطريق كنت أطلب من السَّائق أن يزيد من السرعة، بينما هو يهنئني بالنَّصر المبين الذي حقَّقناه، ويفاجئني بتفاصيل عملياتيَّة دقيقة أتت عليها وسائل الإعلام عن معارك هائلة أبلت فيها قواتنا بلاء حسناً لدى اقتحامنا مرابض مدفعيَّة العدو حيث دارت الاشتباكات بالسِّلاح الأبيض، أو نجاحنا في اختراق حقول الألغام التي حاول تأخير تقدَّمنا بها، بأقل الخسائر البشريَّة. يااااااه! لقد فعلنا كل ذلك وأنا لا عِلم لي ولا خبر! إذاً، فقد انتصرنا بعد كل شيء! هذا أفضل خبر يمكن سماعه وأنا في طريقي إلى زوجتي وولدي"!
حين وصل رأى أنه لم يتغير شيء يُرى -- خاصة في الليل -- في البلدة، إذ أن ظروف الحرب أدَّت إلى توقف النَّشاط الاقتصادي بالكامل على ما يبدو، وكانت الأشياء على ما كانت عليه باستثناء وجود صور الشُّهداء على جدران بعض البيوت، وأعلام البلاد الخفَّاقة التي رُفعت على جميع البيوت تقريباً احتفاء بانتهاء الحرب وعودة الجنود أحياء، أو مُقعَدين، أو أمواتا.
طَرَقَ باب البيت طرقاً خفيفاً في البداية، وحين لم يأت أحد أعاد الطَّرق بصوت أعلى هذه المرة. "وبعد برهة جاء صوت زوجتي من الدَّاخل مستفسراً بنبرة هلع: "من"؟ رددت بصوت دُعابيٍّ ضاحك: "أنا! أنا القادم من بعيد! أنا الهدهد القادم من بلاد بلقيس! أنا الفارس الذي قَتَلَ الأعداء! أم أنك تزوَّجت عليَّ يا بنت الذين؟! ألم تصلك الأخبار أن الحرب قد انتهت"؟!
أضيءَ المصباح الكهربائي المغروس على القوس الإسمنتي المتداعي الذي ينتصب فوق باب البيت. جاء الصوت مستفسراً مرة أخرى: من؟، فردَّ: "أنا"! "عندها فُتحَ الباب بسرعة وارتباك، فرأيت زوجتي أمام عيني. حدَّقت فيَّ كمن يرى شبحاً، وهزَّت رأسها ميمنة وميسرة، ثم مدت يدها إلى ذراعي وهي تتمتم: "هذه ثياب عسكرية! الحرب! صحيح! هو أنت! أنت هو! الحرب انتهت! الحرب! لا! أخبرونا أن الحرب انتهت! مندوب الجيش قال لنا إنك استشهدت في سبيل الوطن العزيز! انتهت الحرب! أنت في الجنَّة! لم يعثروا على جثَّتك! أنا فخورة بك! لكنك أنت! أنت لستَ أنت"!
احتضنتها بقوة وهي تحمل ولدنا الصغير على كتفيها وقد تدلَّت رجلاه الصغيرتان على صدرها. انتزعته منها وأنا أحضنه وأقبِّل رأسه، وعنقه، وخدَّيه، وبطنه، وظهره، وذلك قبل أن أمد يدي إلى تحت سرواله مداعباً جرياً على عادتنا الشعبيَّة المقرونة بعبارة: "هيه إنته..."! لكني، ما إن فعلت ذلك، حتى أحسست بوخز حاد في أصابعي، وأخرجت يدي فرأيتها تنزف. وبحركة دفاعيَّة وفَزِعة خلعت سرواله فرأيت أعضاءه الحساسة الصغير محاطَة بأسلاك شائكة تشبه تلك التي كنا ننصبها حول مواقعنا في الحرب".
في اليوم التالي صدر من القيادة استدعاء عاجل إلى الخدمة الوطنيَّة، شمل جميع الجنود الذين كانوا في إجازة، على خلفية تطورات طارئة استجدَّت في الميدان.