لا شك أن التاريخ كان ولا يزال مصدرا مهما وأساسيا في الإنتاج السينمائي، ولا غنى عنه لدى العديد من كتّاب السيناريو، ولا تزال وقائعه جاذبة بما فيه الكفاية لكي يتم الانتقال بنا في كل مرة إلى أزمنة ووقائع كفيلة بأن نتفاعل مع أحداثها وتفاصيلها وكأنها تعيش معنا في زمننا الحاضر.
لكن سؤال الماضي ما يلبث أن يطرح إشكالية أعمق وأبعد ويثير جدلا لا ينتهي، وخلاصة كل ذلك هو مدى الوفاء للحقيقة التاريخية أو ما يعرف بجدل المصداقية فيما نشاهده من وقائع، فالانحيازات واجتزاء الواقع وتحريفه أو تغييره غالبا ما كانت علامة بارزة.
من هنا يمكننا النظر إلى هذا الفيلم للمخرج فيليب ستولزيل، وهو أيضا كاتب مشارك في السيناريو، وسبق أن قدم الجزء الأول في العام 2013 ليلفت الأنظار إليه في حينه، وليبقى طموحه لتقديم الجزء الثاني قائما، وهو الذي يمكن عده بلا أدنى تردد على أنه تحفة سينمائية من الناحية الفنية بصرف النظر عن التحريف التاريخي، فهو لا يقدم مادة وثائقية بل رسالة سينمائية.
يفتتح الفيلم بنقلنا مباشرة إلى القرون الوسطى، ففي عام 1052، وبعد سقوط أصفهان في أيدي السلاجقة، تم التضييق على العلوم الطبية الجديدة في بلاد فارس، وكان لزاما على أتباع الطبيب الثوري ابن سينا الفرار ليبحثوا عن مكان جديد يمكنهم من التدريس وممارسة مهنة الطب، ومن بينهم الطبيب الإنجليزي روب كول، وهو الذي يحمل حكمة معلمه من التراث الطبي الأسطوري.
هذه المقدمة كافية لكي ننتقل إلى الطبيب المذكور -يقوم بالدور الممثل توم باين- ومعه ثلة من أصحابه الأطباء والمساعدين وزوجته، وهم جميعا على ظهر سفينة في عرض البحر قاصدة إنجلترا، وها هي الشواطئ الإنجليزية شاخصة وقريبة وسط فرحة الجميع، لكن عاصفة هوجاء تضرب السفينة بشدة وتمزق الأشرعة وتبعثر أجساد الركاب، فيما تعاني زوجة الطبيب روب كول من المخاض، ولتهديه طفلا، ومن ثم يبتلعها الموج الهائج.
ها نحن في إنجلترا التي تفتك فيها الخرافات والشعوذة في معالجة المرضى، والمصابون بعاهة نفسية أو عقلية يتم حجرهم في الكهوف، وكل من يستخدم لغة العلم ويشفي المريض يتهم بالشعوذة، والذين يتمردون على هذا الواقع يتم إحراقهم وسط سطوة قائد متسلط للشرطة وطبيب للملك وآخر للملكة، فكيف إذا نافسهم حشد من الأطباء المتعلمين حاملين كتاب "القانون" دستور الطب للمعلم الكبير ابن سينا.
يطرح المخرج وجهة النظر القائلة بالتفوق الصارخ لعلوم الطب، وعلى رأسها الشيخ الحكيم ابن سينا، بمسافات هائلة على التخلف الذي يضرب الغرب ومنها إنجلترا، وهو ما يزعج طبيب الملكة -يقوم بالدور الممثل أيدين جيلين- الذي يجد نفسه مثل أصم وأبكم أمام كتاب ابن سينا، عاجزا عن فهم طلاسمه.
يكرس المخرج بنية سردية شديدة التماسك ومستويات متعددة للبناء الدرامي وحبكات يكمل بعضها بعضا، وهو يتنقل بنا وسط صراعات متتالية تصل إلى الملك شخصيا، الذي تم إيهامه بمرض عضال يبقيه بعيدا عن الأنظار، بينما تتحكم زوجته وطبيبها بمصائر العباد، وتلقي ابنته وريثة العرش في كهف المجانين.
يعج الفيلم بالكثير من المواقف الإنسانية العميقة، وحرص بشدة على إيجاد تكافؤ في تقديم الديانات ما بين يهود ومسلمين ومسيحيين، ويظهر أيضا نبذ غير المسيحيين واتهامهم بالشعوذة، ومع ذلك بدت تلك الثلة من الأطباء من حول الطبيب الإنجليزي منسجمة للغاية، بل إن مساعده العربي هو الذي يسهر على رعاية طفله إلى النهاية.
حظي الفيلم بكثير من الآراء النقدية، ومنها ما كتبته الناقدة كاثي باك في موقع ليتر بوكس، قائلة: "تناول الفيلم مساحة واسعة من الموضوعات مع الحفاظ على حبكة رئيسية واحدة. من الناحية الفنية، كان هناك ما يكفي من المواد لثلاثة أفلام، ولكن تم اختصارها في تجربة واحدة ضخمة تدور أحداثها في العصور الوسطى، مركزا بشدة على النفس البشرية، وعلى الطقوس والمعتقدات والمحاولة الهشة لشفاء ليس الجسد فحسب، بل الروح أيضا. حتى أنه أضاف لمسة صوفية تكاد تكون مرعبة، بدت وكأنها تطور ضروري وبالغ الأهمية. لقد انجذبت بشكل خاص إلى دمج الطقوس الروحية، سواء من حيث المفهوم أو التنفيذ. كانت طريقة دمجها في القصة وتفسيرها بصريا آسرة حقا. كان التصوير السينمائي مذهلا، وقد استخدم الفيلم الألوان والإضاءة بدقة لتعزيز الجانب العاطفي الكامن فيه".
من جانب آخر، يختصر الفيلم رحلة في شكل مغامرة فخمة ومذهلة بصريا عبر الشرق في العصور الوسطى، مستندا إلى رواية حققت أعلى المبيعات عالميا، وهي التي حملت الاسم نفسه للكاتب نواه جوردون، والتي تدور حول اليتيم روب كول وتطوره ليصبح طبيبا بارعا ذا ثقافة واسعة، ليصبح فيما بعد واحدا من أنجح أفلام المغامرات الألمانية في السنوات الأخيرة؛ حيث جذب أكثر من ثلاثة ملايين ونصف المليون مشاهد.
يناقش الفيلم بحدة العقلية السائدة إبان القرن الحادي عشر، العاجزة عن فهم العلاقة بين أمراض الجسد والنفس والروح والعلاقة بين هذه المسميات الثلاثة، وهي الإشكالية الأكثر تعقيدا التي حاول ببسالة الطبيب روب كول ترسيخها بعد فراره من بلاد فارس؛ حيث يجد نفسه عالقا في مسقط رأسه لندن، محاولا نشر معارفه الطبية ليقابل بالازدراء والتشكيك من قبل النخبة المحلية والعائلة الحاكمة. ومع ذلك، يطلب منه ملك بريطانيا (الممثل ليام كانينجهام) مساعدة ابنته التي تعاني من الأوهام والهلوسات والاكتئاب. مجال جديد كليا بالنسبة إلى الطبيب، فلأول مرة عليه التعامل مع شفاء الروح، وبالتالي فإن تعقيدات النفس البشرية هي التحدي الجديد الذي سوف يحتاج فيه الطبيب إلى ولوجه ما صار يعرف في الأزمنة اللاحقة باللاوعي باستخدام وسائل مجهولة مثل التنويم المغناطيسي، بينما كان ذلك الغوص في الذات اللاواعية نوعا من السحر والتعاويذ الوثنية التي تعامل معها الطبيب وهو يعالج ابنة الملك ويعيدها قائدة للبلاد في مشاهد مبهرة ومشحونة عاطفيا.
وأما إذا عدنا إلى المدخل التاريخي الذي أشرنا له في البداية، فإن الأمر هنا لا يتعلق بالوفاء لذلك التاريخ أو البحث في مصداقيته، بل في المقاربة الواعية الناضجة لجوانب من الحقائق التاريخية التي طالما تم طمسها، وبما في ذلك فهم العقل الاستشراقي، ليس في مقاربة قضية فكرية، بل قضية إنسانية وعلمية وطبية لم تستطع إلا الاعتراف بالشيخ الحكيم ابن سينا منارا طبيا هاديا وعقلا موسوعيا استثنائيا هز معاقل الجهل في أوروبا -إنجلترا خاصة- وهي التي كانت غارقة في ظلمات الجهل والخرافات والتخلف، لتنتقل إلى وعي غير مسبوق يرتقي بالإنسان، وهو ما حرص الفيلم على تكريسه.
.............
إخراج/ فيليب ستولزيل
سيناريو/ ستيوارت هارتكورت، كارولين بروكنر، فيليب ستولزيل
تمثيل/ توم باين، إيميلي كوكس، أوين تيال، مالك باوير، أيدان جيلين، جوهر بن عايد، إين روس دالي، هاري ريدينج، روسي بور
مدير التصوير/ فرانك كريب
مونتاج/ مارتي شينك
إنتاج/ أمازون وشبكة زد دي إف الألمانية