دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أشد خطورة من تبادل الضربات المباشرة. صارت المواجهة صراعا معلقا؛ عنيفا بما يكفي لاستحالة وصفه بالسلام، ومنضبطا بما يكفي لعجزه عن إنتاج حسم عسكري واضح، ومكلفا اقتصاديا بما يجعله يتجاوز حدود الإقليم. في هذه المنطقة الرمادية التي دخلتها الحرب بين الطرفين يتحول الزمن إلى أداة ضغط، وكذلك أسعار النفط وسيكولوجيا الخطر. 

هذا هو المعنى العميق لحالة الجمود التي تمر بها المنطقة في هذه اللحظة الملتبسة بين الحرب والسلم. تملك واشنطن تفوقا عسكريا كبيرا بحكم موازين القوة، وتملك طهران القدرة على رفع كلفة هذا التفوق، ولم تجد الإدارة الأمريكية -كما لم تجد إيران- مخرجا سياسيا يمكن تسويقه باعتباره نصرا واضحا في هذه المعركة. والنتيجة صراع مستمر عبر الضغط أكثر مما يتقدم عبر الحركة، وهذا في مجمله يرهق الاقتصاد العالمي، ويمنح في الوقت نفسه انطباعا خادعا بأن التصعيد ما زال قابلا للضبط. 

أما محور الصراع في هذه المرحلة فهو مضيق هرمز الذي تعامل معه العالم طوال عقود بوصفه شريانا آمنا للطاقة العالمية. غير أن ذلك الشريان تحول اليوم إلى أداة من أدوات الصراع، وكشف مستوى هشاشة السياسة الدولية حين ترتبط مصالح العالم بممر ضيق تحكمه حسابات القوة والخوف والردع. 

وتبدو عبارة «لا حرب ولا سلام» التي تحاول وصف المشهد في منطقة الخليج العربي قاصرة إلى حد كبير عن الإحاطة بحجم الخطر. فالصراع المجمد عسكريا لا يجمّد الخطر ولا النتائج؛ إنه يوزعها على الاقتصادات العالمية المستوردة للطاقة، وعلى الدول الأفقر التي تدفع كلفة الغذاء والنقل، وعلى المستثمرين الذين يعيدون حساباتهم عند كل تهديد جديد للملاحة. أما دول الخليج فتدفع ثمنا مضاعفا: الضغط على صادرات الطاقة، والارتفاع في كلفة التأمين والشحن، والعبء على خطط التنويع الاقتصادي ومصداقية الاستقرار طويل المدى. وحتى الولايات المتحدة تدفع الثمن حين تعود أدوات الضغط الخارجي إلى الداخل عبر أسعار الوقود والقلق السياسي. 

هناك بالطبع جهات مستفيدة من هذه المنطقة الرمادية. المنتجون البعيدون عن مناطق التصعيد ومساراتها الخطرة يربحون من ارتفاع الأسعار، وشركات الصناعات الدفاعية تجد في هذه الأجواء فرصة مواتية لعقد صفقات طويلة الأمد، وتستخدم بعض الدول هذا الغموض ورقة تفاوض استراتيجية، غير أن هذه المكاسب ضيقة، وتعمّق اضطرابا أوسع يتحول فيه الخطر إلى سوق، وتحل إدارة الأزمات محل التسوية السياسية. 

لا يستطيع الخليج تحمل هذا الوضع طويلا ولا يستطيع أن يبني خططه التنموية والاقتصادية على نظام ملتبس بين الحرب والسلام. فهذه بيئة تضيق بالنماذج الاقتصادية التي تعمل عليها دول الخليج، والقائمة على جذب الاستثمار وتوسيع الموانئ وتنويع مصادر الدخل وتحويل الموقع الجغرافي إلى قيمة اقتصادية مستقرة. والعالم نفسه لا يستطيع التعامل مع مضيق هرمز كورقة مساومة دائمة في صراع مفتوح على القدرة على الاحتمال. 

يحتاج الخروج الموثوق من الأزمة إلى ضمانات تفاوضية لحرية الملاحة، وعدم توسيع نطاق الصراع، واحترام سيادة الدول، وفتح مسار دبلوماسي جديد حول الملف النووي وأسئلة الأمن الإقليمي. ستكون هذه الترتيبات ناقصة بطبيعتها، لكنها ضرورية؛ فالأزمات الكبرى نادرا ما تنتهي حين يحصل طرف على كل ما يريده، إنما تنتهي حين يدرك الجميع كلفة الاستمرار. شهد الخليج حروبا كثيرة بدأت بثقة وانتهت بالإنهاك، وتقدم الأزمة الراهنة تحذيرا جديدا؛ فالاستقرار المدار على حافة الخطر يظل هشا، والحرب المعلّقة تبقى حربا بصيغة اقتصادية. والمهمة الآن هي الانتقال من سياسة الضغط إلى انضباط القواعد، ومن البقاء التكتيكي إلى الأمن الإقليمي. وهذا يحتاج إلى حراك خليجي أولا، وإلى دعم دولي واسع؛ لأن انتظار طرف واحد كي يصوغ مخرج الأزمة سيجعل المنطقة والعالم يدفعان كلفة الوقت الضائع.