في التعامل مع القضايا الاجتماعية، يبرز خطأ منهجي دائم عند بعض المؤسسات أو المشتغلين بمناقشة تلك القضايا وتأطير السياسات إزاءها، وهو الارتهان إلى الحالة الثابتة للمجتمع، أو بمعنى آخر التعامل مع المجتمع كما لو كان مستقرًا في حاله غير متبدل، ولا تتفاعل فيه معطيات متداخلة بشكل يومي تشكل حاضره ومستقبله. 

والسبب في ذلك الارتهان في دراسة وفهم المجتمع إلى الدراسات الاستطلاعية والوصفية التي تتوقف عند حدود نبش وتوصيف الظواهر الراهنة، ومعرفة مسبباتها وأنماطها واتجاهاتها، ودراسة الفواعل الرئيسية المسببة لها، والموجهة لها. 

غير أن هذه المناهج تصطدم بالكثير مما يُعرف بعوامل عدم اليقين (Uncertainty factors)، وهي المتغيرات العرضية غير الظاهرة التي يصعب حصرها أو قياسها المباشر في ظاهر القضية المدروسة ويصعب التنبؤ كذلك بمساراتها، لكنها قد تؤدي إلى إعادة تشكيل البنية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية للمجتمع، وقد تعيد تعريف المجتمع نفسه، أو الفئات الاجتماعية، وقد تعيد تعريف القضية الاجتماعية نفسها. 

وخطورة عدم الإحاطة بهذه العوامل أن المعرفة الاجتماعية التي يتم توليدها وما يبنى عليها من سياسات أو توجهات أو برامج اجتماعية قد تصبح لاحقًا غير فعالة أو محدودة الأثر. 

لنوضح ذلك بمثال: فحين توجه بوصلة البحث إلى قضية (تأخر سن الزواج) أو (عزوف الشباب عن الزواج) في مجتمع ما فإن المقاربات التفسيرية قد تتوجه إلى عدة أسباب منها: طول فترة البحث عن العمل، وضعف القدرة المادية للإقبال على تأسيس الأسرة عند الشباب، أو ارتفاع تكاليف الحياة بما في ذلك تدبير الأسرة من مسكن وحاجيات تأسيسية، وكل هذه أسباب موجبة وصحيحة، لكن حين نوسع نطاق النظر، نجد أن هناك عوامل عدم يقين أخرى، يصعب تأطيرها - إذا لم نذهب بشكل أكثر عمقًا في جسد القضية - منها التحولات غير المنظورة في منظومة القيم، ونسبية المعنى الذي يشكله مفهوم الاستقرار لدى الجيل الجديد من الشباب، والفواعل الجديدة في تشكيل العلاقات الاجتماعية بما في ذلك التواصل الافتراضي، وصعود النزعة الفردانية وعلو قيمة الاستقلال المادي في المراحل المبكرة من عمر الشباب، وتبدل التصورات والمفاهيم عمومًا حول النجاح (في سياقه الاجتماعي) وحول حدود الحرية وحول مسائل الالتزام المجتمعي، وما الذي تعنيه الأسرة في ذهنية الأجيال الجديدة، وكيف تعمل هي - أي الأسرة - على تعريف ذاتها في واقع هذه الأجيال عوضًا عن صورة المستقبل ومعناه في مفهوم الشاب وتحولات تلك الصورة، وما الذي يرى الشباب أنه يخلق له (القيمة الاجتماعية). 

من العوامل كذلك كيف ينظر هذا الشاب إلى القضية بالمقارنة مع «مواطنته العالمية»؛ أي بوصفه «شابًا عالميًا» تتجاوز معاييره في تشكيل الحياة والوعي حدود الحيز الجغرافي الذي يسكنه، والهوية الاجتماعية التي ينتمي إليها إلى فضاء عالمي أصبح فاعلًا رئيسيًا في تشكيل معاييره وقيمه واتجاهاته. 

كل هذه التفاصيل تشكل (معرفة اجتماعية) بالقضية التي ننظر إليها، وكل عامل فيها سواء كامل (عامل منظور) أو (عامل عدم يقين) يشكل وزنًا في تفاعل القضية وتأثيراتها. 

ومن هنا، فإن فهم المجتمع اليوم مشروط بالقدرة على استيعاب حركته، والقدرة على القبض على كل العوامل المتفاعلة فيه، والمشكّلةِ لقضاياه، سواء كانت تلك القضايا مشكلات، أو ظواهر، أو أحداثا اجتماعية. 

تجاوزت المجتمعات البشرية منذ عقود حالة «المجتمع الآلي» القائم على التضامن الجمعي، والحركة الموحدة، والأنماط الواضحة والمحددة. 

فمجتمع اليوم كما يصوره عالم الاجتماع أنتوني جيدنز في نظريته حول التشكيل الهيكلي (Structuration Theory)» يُعاد إنتاجه يوميًا عبر تفاعل الأفراد والمؤسسات والسياقات المتغيرة. 

والتحولات الحديثة تولد حالة مستمرة من -عدم اليقين- نتيجة تسارع المعرفة والتكنولوجيا والعولمة». عليه؛ فإن المجتمعات لم تعد اليوم في ظواهرها وتشكلها محصلة لثنائية (السبب والنتيجة) - بمعنى أن العامل الفلاني يؤدي بالضرورة إلى النتيجة الفلانية، أو أن المشكلة الاجتماعية الفلانية هي بالضرورة وحصرًا سببًا للفاعل للعامل الفلاني -؛ لذا فإن تصميم سياسات اجتماعية فعالة يرتهن بشكل رئيسي إلى الأدلة الاجتماعية الدقيقة القادرة على استكشاف عوامل اليقين وعدم اليقين في حركة المجتمع، وفي حالة المجتمع فإن الأدلة ليست بالضرورة أن تكون كتلة من المؤشرات الكمية والأرقام - مع أهميتها وضرورتها -، ولكنها قدرة موسعة على استنباط وفهم كل الملابسات، وتوقع كل العوامل، وتشخيص كل الأبعاد المباشرة، وغير المباشرة المرئية وغير المرئية التي تشكل قضايا المجتمع. 

فحين نعتقد على سبيل المثال أننا نصمم أنظمة تعليم تواكب الحاضر والمستقبل فإن سؤال قدرة هذه النظم على إكساب الأفراد مهارة (التكيف الحضاري) يجب أن يكون حاضرًا، وحين تصمم سياسات لتنظيم علاقة المجتمع بالوسائط والتقنيات الحديثة يجب ألا نغفل الآثار الكامنة التي تولدها في إعادة تصور الأفراد لواقعهم ومستقبلهم وأنماط مشاركتهم وتراتبية السلطة المعرفية وقيمة العلم والمعرفة، والترتيب الاجتماعي الجديد للمكانة الذي تفرزه (مثالًا). 

وحين نحاول قياس رضا وثقة المجتمع بالمؤسسات والعمل على تعزيز أنماط تلك الثقة فيجب عدم إغفال ثقة المجتمع في داخله، بين أفراده، ومدى نشوء التوترات بينهم أو درجة الانسجام والاندماج الاجتماعي وتغيراتها الحساسة، كونها توجه بشكل أو بآخر عوامل الثقة في المؤسسات. 

ويمكن القياس في جوانب عديدة في التعامل مع القضايا والسياسات الاجتماعية بنفس الطريقة. يقوم المجتمع المعاصر على ديناميكيا سريعة ـ تتعقد معها مهمة البحث العلمي الاجتماعي (الجاد)، وفي المقابل تتعقد معها عملية صنع السياسات الاجتماعية (الفعالة). لذا فإن رهان المرحلة القادمة لمنظومات صنع السياسات الاجتماعية إنما في خلق كفاءات معرفية في حقل البحث الاجتماعي تستطيع أن تتمكن من هذا التعقيد والتشعب بأدوات جديدة للفهم والبحث، وبنظريات غير تقليدية، وبأفق بحثي عابر للتخصصات، غير منحصر أو منكفئ ضمن حدود التخصص ذاته، وإنما من خلال الاستفادة المعرفية مما تتيحه العلوم والتخصصات الأخرى من زاويا للنظر، وهذا استحقاق وطني بالغ الأهمية في تقديرنا. 

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان