(1)
استحوذ موضوع نشأة الرواية العربية وظهورها على نصيب الأسد من بحوث ودراسات أقسام الأدب في الجامعات العربية منذ نشأتها وحتى الآن، في إطار بحث موضوع نشأة الأنواع الأدبية الحديثة؛ وما إذا كانت وافدة بالكلية من اتصالنا بالثقافة الغربية الحديثة، أم أن هناك وشائج وصلات تعود إلى أشكال للقص في التراث العربي وتطورت عنها.
وغني عن البيان أن عشرات من الكتب والدراسات دارت حول هذه الموضوعات وقيل كلام كثير، ذهب أغلبه مع نهر الزمن ولم يبق سوى مجموعة من الأفكار أصبحت إلى حد كبير محل اتفاق مؤرخي الأدب الحديث ونشأة الأنواع الأدبية ونشأة الرواية وتاريخها بالأخص؛ نذكر منها سريعا:
أولا: أن فن الرواية فن وافد حديث لم يكن له وجود بحدوده النوعية في الأدب العربي، وإن لم ينف ذلك وجود أشكال عديدة ومتنوعة للقص العربي الجديد تعد منابع ومصادر للإلهام أفاد منها كتاب الرواية في بواكيرها وما زالت تمثل منجما حقيقيا للكتاب والروائيين المعاصرين.
ثانيا: أن ظهور فن الرواية (ومعها القصة القصيرة والمسرحية) ارتبط بسياق النهضة العربية الحديثة، ونشوء الدولة القومية، وإن كان محلها الأول تاريخيا مصر والشام، وبخاصة مصر منذ الربع الأخير من القرن التاسع عشر، حتى نهاية الربع الأول من القرن العشرين.
ثالثا: ارتبطت نشأة الأنواع الأدبية الحديثة (الرواية والمسرحية والقصة) بالترجمة وظهور الفرق المسرحية والطباعة والصحافة، وبنشأة الأحزاب السياسية والحياة النيابية والدستورية في مصر خاصة.
رابعا: تمثلت الأعمال الأولى أو بواكير فن الرواية في أعمال ذات صبغة مترجمة راوحت بين التعريب والتمصير، مرورا بالأعمال التي نهضت على استلهام أشكال عربية وسيطة للقص وأبرزها "المقامات"، واستغرقت هذه الفترة قرابة نصف القرن قبل ظهور رواية «زينب» للدكتور محمد حسين هيكل التي عدت الرواية العربية الأولى منذ ظهورها وحتى وقتنا هذا.
(2)
بالرجوع إلى هذه الأعمال الأولى، وبحسب هاملتون جب في رصده المستقصي الدقيق لنشأة القصة العربية، يمكننا أن نلمس في هذه المؤلفات جميعًا جهدًا متآزرًا لخلق نوعٍ جديد من الأدب، يلبي حاجات الطبقة الجديدة الناشئة من القراء، ويمت ببعض الصلة إلى مشكلاتهم ونزعاتهم وطموحاتهم، ولا يشق كذلك فهمه عليهم، وعلاوة على ذلك كله، يثير اهتمامهم، ويلائم خيالهم.
ويرى هاملتون جب أن كتاب هذه الأعمال خلال هذه الفترة (1875-1910) لم يوفقوا في الحقيقة إلى معالجة المشكلة بنجاح؛ إذ أن وجهتهم كانت أدبية مغرقة في تقليديتها، ولم يلقوا قبولًا إلا في طبقة محدودة من القراء المثقفين، وبدلًا من أن يستشرفوا آفاقا جديدة، ويقدموا علاجًا لهموم الحياة، ركزوا اهتمامهم بشدة على هذه الهموم، وأسوأ من هذا كله أن غايتهم ولهجتهم كانتا تتسمان بالطابع الوعظي، وكانوا جميعًا يتبنون نظرة القرون الوسطى إلى "الأدب" باعتباره مظهرًا من مظاهر الترف الفكري، أو وسيلة من وسائل الإصلاح.
وقد تساوى في هذه النظرة أولئك الذين استوحوا الأدب القديم، والمترجمون أمثال محمد عثمان جلال في (اليواقيت المواعظ)، والمنفلوطي في أعماله الشهيرة. ويشير جب إلى أن الكتاب الشوام أيضًا لم يتخلصوا من هذه النظرة. حتى هؤلاء الكتاب الذين كانوا يؤلفون القصص القصيرة المتعددة، والذين طوى النسيان آثارهم منذ زمن، كانوا يتشبثون بهذه الغاية الأخلاقية التهذيبية، أو كانوا يعلنون التزامهم لها. كما أن نظرة "الازدراء" التي كان يقابل بها علماء القرون الوسطى، الملاحم والحكايات الشعبية، كانت لا تزال متحكمة في موقف الأوساط الأدبية بمصر، وقد كان لها أعظم الأثر في إعاقة تطور القصة كلون من ألوان الأدب العربي.
(3)
في ظل هذا المناخ العام -والنهضوي منه بالأخص- تهيأ الدكتور محمد حسين هيكل (1888-1956) لترجمة كتاب «إميل» لجان جاك روسو، وتأليفه لكتاب «ثورة الأدب». وأهم من ذلك كله إكبابه على إبداع روايته «زينب» عام 1912م التي وضعها في الطبعة الأولى بغير توقيع، أو بتوقيع مستعار هو «مصري فلاح». وذلك لأنه كمحامٍ من أسرة مصرية معروفة خشي على اسمه من أن يتلوث بالسمعة «الأدبية»، وبالذات حين يقترف كتابة هذا الفن الغريب المستحدث المسمى «رواية»!
كان الدكتور هيكل شخصية نهضوية تاريخية بكل المقاييس، شخصية مركبة على جانب كبير من الثراء والعطاء، متعددة الأبعاد والأدوار، شغل صاحبها حيزًا مهمًا من تاريخ مصر والثقافة العربية عموما ونهضتهما: أديبًا مبدعًا وناقدًا، ومحاميًا، وكاتبًا صحفيًا، وسياسيًا برلمانيًا ووزيرًا، وأستاذًا جامعيًا؛ أي أنه شغل مناصب مهمة في الصحافة والأحزاب والوزارات. لكن ذلك كله تضاءل إلى جانب شهرته كأديب كبير بين أبناء جيله وبروزه كمؤلف رواية «زينب» التي اعتبرها مؤرخو الأدب ومؤرخو الرواية أول رواية مصرية وعربية حديثة مكتملة الأركان.
لقد مثلت رواية «زينب» التي كتبها هيكل سنة 1912، علامة جديدة على عهد جديد من الكتابة التي تجاوزت كتابة النهضة بأشكالها المعروفة، وكان ذلك بعد أن تقلص حضور "الأمثولة" وذاب "التمثيل الكنائي" في مواقف النقد الاجتماعي التي انبنى عليها التأليف الروائي منذ بدايته، بحسب جابر عصفور في دراساته المعمقة لنشأة الرواية العربية والبحث عن بواكيرها البعيدة.
هكذا اقترنت نشأة الرواية في بلادنا بالنهضة كشأن ميلادها في الغرب. وإذا كانت «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي بمثابة الإرهاص الذي لم يحسم الانقطاع عن عهد المقامة التقليدية، فإن رواية «زينب» هي التي قامت بهذا العبء التاريخي. قبلها كانت رواية محمود طاهر حقي «عذراء دنشواي» (1906م) بذرة خِصبة أوجزت المضمون الوطني للنضال ضد الاستعمار.
أما «زينب» فكانت الثمرة الأولى ذات الشكل الرومانسي والمضمون المأساوي لوجدان العصر وعقله الممزق بين الريف والمدينة، وبين الجهل والمعرفة، وبين الحياة والموت، وبين الرجل والمرأة، وبين الفصحى والعامية. ولذلك أوجزت «الرُّوح» أكثر مما ولدت «الجسد»، بكل سلبيات الرُّوح وبكارتها الأولى شبه البدائية.
(4)
كان التأليف الروائي، من هذا المنظور، نوعًا من التفاعل الذي وصل الخبرة الموروثة بالخبرة المكتسبة، وجاور بينهما بما أحدث "التوتر" الذي تولد عنه طرف ثالث، وذلك ضمن تأسيس علاقات فن واعد (الرواية) باستجاباته النوعية إلى شروط تولده التاريخية.
وهي الشروط التي انطوت على نزوع "عقلاني" أساسي وتأسيسي يناقض معنى الاتبّاع أو النقل. وتلك هي النقطة التي عكف على تحريرها والاشتغال عليها قرابة العقدين المرحوم الدكتور جابر عصفور في مشروعه الكبير لبحث نشأة الرواية العربية، وقد استكمل -رحمه الله- درسها من منظورٍ يؤكد علاقة الشكل الروائي الوليد بالشروط النوعية لتكونه، الذي كان أداءً لوظائف بعينها، وظائف فرضت خصوصيتها وخصوصية دوافعها في واقعها المتعين على التشكلات الروائية التي كانت استجابات إبداعية نوعية إلى أسباب تولدها.
ويؤكد الدكتور جابر أن هذا الشكل (الرواية)، في مختلف تشكلاته (الرواية الواقعية، والرواية الرومانسية الاجتماعية، والرواية التاريخية.. إلخ)، لم يكن نبتًا عشوائيًا، مقحمًا أو مستوردًا من الخارج، ولم يكن إحياء كاملًا أو استعادة حرفية لتشكلات قصصية تراثية (خبر، ومقامة، وحكاية)، وإنما كان تفاعلًا، خضع لشروط المكان، بين الموروث والوافد، والقديم والجديد، وتخلق بشروط المكان وملامح المدينة التي وضعت بصمتها على ملامح تشكلاتها السردية.
ويعني ذلك في الأخير أنه لا بد من التعمق في أوجه العلاقة بين الأشكال المتعينة والفعلية التي اتخذتها روايات النشأة الإحيائية، حتى في اختلافها وتباينها الذاتي، وبين الشروط التي أدّت إليها على مستوى التأليف أو التعريب.