من بين أرقُّ القصائد العمانية، في الغزل بالمرأة الحبيبة، والحنين إلى ديارها، تلك التي كتبها الشاعر سليمان بن سليمان النبهاني، (ق: 9-10هـ)، في محبوبته موذية المَنَحِيَّة (من أهل مَنَح)، بتشبيبه الرائِق الذي يأخذ بمجامع القلوب، موصولة بذكرى الأمكنة، يقول في مطلعها: (لِمُوذِيَةٍ لِدَى مَنَحٍ رُسُومُ - تَلوحُ وَعَهْدُها بَالٍ قَدِيمُ)، (مَعَاهِدُها وَإذْ هِيَ ذاتُ دَلٍ - تُسَرْهِدُها اللذاذةُ وَالنَّعِيمُ)، ويعذُبُ وصفه كلما شامَ البارق، أي لمحه يومض في أعالي منح: (أشِيمُ البَارِقَ المَنَحِيَّ وَهْنًا)، فتشتعل أشواقه أكثر، لكن (وَمَنْ أهْوَاهُ عَنْ سَهَرِي نَؤُومُ)، قصيدة ميمية يتماوج إيقاعها العروضي على بحر الكامل، يخاطب فيها معذبته «مُوذِيَة»، ولعل اسمها يبوح بالإيذاء، وكأنما الشاعر قد تأذَّى بحبها، فسماها «مُوذِيَة» بحذف الهمزة من الواو تَخفيفًا للنطق، ويصح مع الهمزة فلا ينكسر الوزن، وإلا فهي مؤذية لقلبه، وموجعة لمشاعره، ولكن هل تكون «مُوذِيَة» هذه امرأة من لحم ودم، أم مدينة من طين وحجر؟، فحينما ننصُت إلى صوته الشعري، نسمع منه نشيج بكاء، وكأنه يسفح دموعه على المرأة والأطلال معًا.
لقد كتب الشاعر النبهاني أرق قصيدة في موذيته المنحية، جامعًا في أوصافها بين المرأة الجميلة، والأطلال التي تلوح رسُومُها، وهذا ما أشار إليه محقق الديوان عزالدين التنوخي، في مطلع هذه القصيدة بقوله: (وهي من أرَقِّ شِعْرِه)، وفي الحقيقة أنَّ شعر النبهاني كله مشوب بالرِّقة، شاعر يتناهى رقة، وإن بدى عليه الفخر والاعتداد بالنفس، ذلك لأنه عزيز في قومه ومَلِكٌ عليهم، فانغمس الشاعر في بحر لُجِّيٍّ من الأبَّهة والفَخَار، أما حين يبكي شِعْرًا، وأما حين يتذكر حبيبته ومعذبته، وأما حين يسفح دموعه على الأطلال الدَّوارس، والرُّسوم البائدة، والعهود القديمة، فإن لغته ترِقُّ كدمعة طائر تسيل في غصن أخضر.
وهكذا بدا الشاعر سليمان النبهاني في مطلع قصيدته، وهو يغازل من بعيد «موذية»، فيسترسل في وصف محاسنها الجسدية، حتى ذاب في الإحساس بالمكان، فبدت معذبته مؤذية، أشبه بحجر كريم، يلوح في رُسُوم مَنَح المُندرسَة، وحاراتها القديمة، وأشبه بـ«حَصَاة النَّساسيج» البيضاء، التي تظهر في آخر زاوية من زوايا أحد الأبراج العالية في «حارة البلاد الأثرية»، أما «حصاة النساسيج» فهي أشبه بدُرَّة بيضَاء في جدار ذلك البرج الجصي، كما هي موذية المَنَحية، حَجَرًا كريمًا من سلالة أسرة كريمة.
أَيكون هذا التقديم عن قصيدة النبهاني الرائعة، التي ضمَّها ديوانه المبهر، والمطبوع لأول مرة في دمشق عام 1965م، أم عن الشاعر النبهاني الذي اغتابته أقلام المؤرِّخين، بما لا يليق بشاعريته الفذَّة، فهو في قامة أي شاعر عربي كبير قادم من ذلك الزمان، بل لا يليق إلا أن تتصاغر أمامه القامات الشعرية، مهابة وإجلالًا لصاحب القصائد البليغة، والتي قيل في بعضها أنها تشاكل شعر المُعلقات.
وإذا كان قد كُتِبَ في مَنَح أجمل القصائد من كبار الشعراء، فقد عاشت فيها أسَرٌ توارثت العلم، كالأسرة النِّجادية، وجدهم الشيخ نجاد بن موسى بن إبراهيم (ت: 513هـ)، والأسرة الوضَّاحية ومن بينهم صالح بن وضَّاح المنحي (ت: 875هـ)، والأسرة الهميمية ومن بينهم المزخرف الرائد عبدالله بن قاسم الهميمي (ق: 10هـ)، ما تزال خمسة محاريب تعرض روائع زخارفه الجصيَّة، ثلاثة منها في حارة منح القديمة، أبدع نحتها بين أعوام (909 - 922هـ)، والرابع محراب «جامع بهلا» عام 917هـ، والخامس محراب «مسجد الشرجة» بنزوى عام 924هـ، وكذلك مشمل بن عمر بن محمد المنحي، صانع محرابَي مسجدي «الغريض» و«المُكبَّر» في ولاية نخل، في عام (923هـ/ 1517م)، ولعل حركة الزمان لم تبق شيئًا من محاريبه في مساجد منح، لكن أسرته احترفت مهنة التنقيش على قوالب الجص، فظهر لها محاريب كثيرة ما تزال قائمة إلى اليوم، من بينها محراب «مسجد العوينة» في وادي بني خالد، أبدعت زخرفته أنامل طالب بن مشمل المنحي، في عام 970هـ، وهو اليوم تحفة المعروضات في «المتحف الوطني» بمسقط.

**media[3387021]**


وعلى امتداد التاريخ الطويل لمنح، ظهر فيها شعراء وأصحاب مكتبات، عرفتهم الدواوين، ونفائس المخطوطات، وعاشوا في هذه البلدة الطيبة، من بينهم الشاعر محمد بن عبدالله المعولي (ق:11-12هـ)، له ديوان مطبوع، ويتميز شعره بوصفه للأفلاج والعيون كفلج «الأصغرين» وعين «مَنبَك»، أو عين «مانيَّة» كما تسمى اليوم، وأبدع في كتابة «الشِّعر المُشجَّر»، الذي يُكتب على شكل شجرة متفرعة الأغصان، ومن حسن حظ القارئ، أن ديوان المعولي بين يديه منذ أربعة عقود، فقد صدر عن وزارة التراث القومي والثقافة عام 1984م.

**media[3387019]**


كان شعره دليلًا على بعض ما تبقى من تلك الأمكنة والرُّسوم، فقد كتب قصيدة بمناسبة بناء أحد المساجد: (أيا مَسْجِدًا في بُقعَةٍ عُلوِيَّةٍ - لقد فُقْتَ ترْتيبًا على كلِّ مَسْجِدِ)، (فبالحَقِّ لو أُعْطِيتَ حَقَّكَ كامِلًا - تشابُ بمِسْكٍ لا تشابُ بقِرْمِدِ)، ورحت أبحث عن هذا المسجد الذي طلي بالقرمد، حتى عرفت أنه في قرية «أبو نخيلة»، فيها مسجد قديم طليت جدرانه كاملة بالجَصِّ، وهي إشارة الشاعر إلى اللون القرميدي، وما يزال المسجد قائِمًا، وإن تهاوى سقفه، وتفتت أبوابه، وتصدعت جدرانه.
ومن بوابات منح وساحات قصورها القديمة، خرج شعراء وأدباء، وإن لم تدوِّن المخطوطات قصائدهم، وفي كل منعطف صورة لقصيدة كتبها شاعر، وعند كل منحنى راودت القصائد الشفاه بالتقبيل، وسأودِّع زمن المعولي الذي يفصلنا عنه ثلاثة قرون، وأسحب الخُطى إلى لقاء شخصيات من الأسرة البوسعيدية جمعت بين الفقه والأدب، من بينهم الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي (ت: 1902م)، واليوم ترفع أكبر مكتبة في منح اسمه، ضمن مكونات مركز منح الثقافي، وتسمَّت مدرسة للتعليم الإعدادي باسمه أيضًا، وكذلك الشاعر أحمد بن منصور البوسعيدي، الذي رحل عن الدنيا في عام 2023م، تاركًا قلبه ينبض في ديوانه الرائق «نفحات الرَّبيع».
ولولا أن الشاعر يزيد بن خالد البوسعيدي (ت: 1956م) محا ديوانه بالماء، كما أخبرني ابنه الشيخ خلف بن يزيد البوسعيدي (ت: 2017م)، لكان قد ترك لنا قصائد أشبه بتغريد البلابل، وما أطيب وصفه لقريته «الفيقين» حين قال فيها: (يَا نَسِيمَ الجَنُوبِ رَقَّ الهَوَاءُ - فاصْبِحِينا قَدْ أمْطرَتْنا السَّمَاءُ)، (نَاوَحَتْكِ الصَّبَا بنَفْحِ عَبيرٍ - وَشَفَتْنا بنُطقِهَا الشَّمَّاءُ)، أما لماذا محى الشاعر ديوانه بالماء، فلعله في لحظة ضَعْفٍ تجرَّع فيها غُصَّة ندم، على قصائد كتبها في زمن الشباب، كعادة الكثير من الشُّعراء، يندمون على ما كتبوا سابقًا، فضيَّع علينا الشاعر يزيد بن خالد، فرصة أن نقاسمه الاستمتاع بلذة الشِّعر الغض، ولم يُبْق الزمانُ من ديوانه إلا بضع قصائد، خرجت من أضابيره المفقودة، فحفظتها بعض الصدور المتذوقة للشعر.
وتتحفنا «الموسوعة العُمانية» في مدخل تعريفي بالقاضي الفقيه عامر بن محمد الشامسي المَعمَدي (حي إلى عام: 1141هـ/1729م)، أنَّ له مكتبة أوقفها للمتعلمين، ووجدتني أستلُّ منها هذه المعلومة، ظهرت في أواخر دولة اليعاربة، في تلك الفترة كانت خزائن العلم تغُصُّ بنفائس المخطوطات، ورفوف البيوت تكتنز بها، والمناديس كذلك، ومَشْكوَات المساجد القديمة ليست خاصة بالمصابيح، فهي لا تخلو من محفوظات وثائق، ومخطوطات لكتب في الأدب والفقه، وإلى عهد قريب كان الآباء يتذكرون مثل هذه المشاهد، التي هي ليست خيالًا ولا كلمات في مقال، بل الحقيقة التي تُقال، الحقيقة أنَّ ديارَنا بقُرَاها ومُدُنِها، كانت عامرة بالمكتبات المنزلية الكبيرة.
وتذكرني مكتبة الشامسي بمكتبة أخرى للشيخة «نضيرة بنت العبد الرِّيامية» (على قيد الحياة إلى عام: 1340هـ/ 1920م)، عاشت الحياة في قرية معمد بمنح، تركت مكتبة كبيرة، وهذا ما أكده أحفادها، لكنهم لا يحتفظون بشيء من مخطوطتها، فضاعت الكتب، وتناوشتها الأيادي، وكاد اسمها يضيع في تراب النسيان، حتى شاءت الأقدار أن تكرمها في هذا العهد، بتسمية أكبر مدرسة للتعليم الثانوي للبنات في منح باسمها، والحديث عن مآثر الأُسَر الأدبية والفقهية والفنية، التي ظهرت في منح خلال القرون الماضية، يفيض عن جدول المقالة.

**media[3387023]**