هذه محاولةٌ أولى وقد تكون الأخيرة باتجاه آمال خليل؛ فإن كانت الأخيرة فآسَفُ لسببٍ بسيط وشفاف خلاصته أنني لا أعرف الكثير عن آمال لأقوله لكم. ما أعرفه عنها عامٌّ جدًا، وسائر جدًا بين من عرفوها عن بعد دون أن تعرفهم. والأهم أن كلَّ ما أعرفه عنها قد لا يشكل فرقًا كبيرًا يمنحُ الرثاء خصوصيته. ما أعرفه بدايةً وبداهةً أن آمال خليل صحفية جنوبية من قرية البيسارية الساحلية بقضاء صيدا، وكانت تكتب في جريدة الأخبار اللبنانية قبل أن تصبح هي موضوع كتابةٍ يمتحن أصدقاءها. فمن أين يدخلون إلى رثائها؟ كانوا يدخلون إليها دائمًا من بوابة الجنوب.
كانت آمال خليل جنوبيةً إلى أقصى الجنوب، جنوبيةً إلى ما وراء الخط الأزرق وصولًا إلى تراب فلسطين المحتلة، حد أنها كانت متهمة بين زملائها الصحفيين باحتكار الجنوب كما كتبتْ زميلتها في «الأخبار» مهى زراقط. «آمال التي تحتكر الجنوب» هي عبارة مديح وشكوى في آن معًا، كانت تتردد كثيرًا بين زملاء آمال خلال الحرب؛ لأنها آمال -كما فهمتُ- ما كانت لترحب بالصحفيين السيَّاح الذين لا تربطهم بالجنوب رابطة أعمق من تكليف المهنة، أو أولئك الذين لا يشدهم إلى الخطوط الأمامية سوى مطمع السبق الصحفي. ومنهم من كانوا يعودون إلى مكاتبهم بعد أن التقطوا لهم صورًا في الميدان ثم يخطئون في كتابة أسماء القرى الجنوبية. بل إن بعضهم لا يعود من هناك إلا ليردد الخبر كما جاء على لسان الناطق باسم جيش العدو الإسرائيلي.
من يراجع تغطيات آمال خليل لوقائع الحرب منذ الثامن من أكتوبر 2023، مع مبادرة المقاومة اللبنانية بإطلاق النار على مواقع العدو في مزارع شبعا المحتلة إسنادًا لغزة، سيدرك أن آمال لم تكن صحفية من ذلك النوع المتساهل. بل هي مثال مضاد للصحفي الهاوي أو «السائح» كما أسميه، وذلك لأسباب وعوامل كثيرة تبدأ وتنتهي عند كونها ابنةً لتلك الجغرافيا المتعرجة، الملتوية، الخصبة، والشرسة المهتوكة بقصف الطيران الحربي منذ أن عرفنا وحفظنا أسماء قُراها من نشرات الأخبار.
كم انبهرتُ من إتقانها لوصف المكان وصفًا دقيقًا بالأبعاد والمسافات! أما المادةُ التي تكتبها آمال فتُصبح بعد دقائق من نشرها مرجعًا موثوقًا لصحفيين آخرين يعيدون تدوير ما كتبته. هذه العلاقة المستميتة مع المكان وأهله تخولها لاحتكار الجنوب ميدانًا يخصها ولتكون المرجعية.
لا بدَّ أن نتذكر أن الجنوب كان مغامرتها الصحفية الأولى، فقد كانت صحفية صغيرة في مطلع عشرينياتها، بلا خبرة ميدان، حينما دارت أعنف المواجهات بين المقاومة والعدو الإسرائيلي في جنوب لبنان عام 2006. لكنها كانت هناك، شاهدةً عن قرب، تتعلم أصول المهنة وسط رعد القذائف. وحين سجلت جريدةُ الأخبار انطلاقها بتاريخ انتصار المقاومة واندحار العدوان في 14 تموز/ أغسطس، تقدمت آمال خليل إلى الجريدة المنشقة عن السفير لتكون صحفية متخصصة في الملف الجنوبي ومتابِعةً يومية لوقائعه الميدانية.
وفي الجنوب اكتملت حكايتها، وفي الجنوب استشهدت آمال. وبعد تهديدات علنية متتالية وتحريض، لاحقها الطيران الحربي الإسرائيلي ليذبحها كما ذبح قبلها رفاق مهنتها، علي شعيب وفاطمة فتوني وفرح عمر وربيع المعماري وعصام عبدالله. اعتصمت آمال مع زميلتها زينب بمنزل في قرية الطيري المحاذية لمدينة بنت جبيل. وبعد ساعات من الحصار وفشل الحكومة والجيش والدفاع المدني في الوصول إليها، انقطع الاتصال معها بلا رجاء بعد أن صبَّت مقاتلة إسرائيلية جحيمها على ذلك المنزل، حيثُ عُثر على آمال شهيدةً تحت الأنقاض وخرجت زينب مجروحة.
لآمال خليل القادمة من «جنوبيّ الجنوب» ولرفاقها الشهداء، ننشد مع مارسيل خليفة كلمات الشاعر اللبناني الراحل حسن عبدالله:
«أنا يا رفاق من الجنوب
من جذوة الشفق الخضيبِ
أنا يا رفاق من اليتيم،
من التراب من الجديبِ
أنا يا رفاق من الجنوبِ
أنا من جنوبيّ الجنوبِ
واجهت حواجز في الدروب
وأبنتُ تذكرتي وفُتّش في يديّ وفي جيوبي
أحسستُ إحساس الغريبِ
يدبُّ في بلدٍ غريبِ».
سالم الرحبي شاعر وكاتب عُماني