بعد ملابسات التفشي الفيروسي الغامض الذي شهده العالم على متن إحدى السفن السياحية مؤخرًا، أكد البروفيسور أحمد عبد المنعم أستاذ علم الفيروسات بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس، أن العالم ليس على أبواب جائحة جديدة بسبب سلالة "أنديز" المتفرعة من "فيروس الهانتا"، رغم رصد حالات وفاة وإصابات بين الركاب. وفي تصريحات لـ"عُمان"، كشف البروفيسور عن تفاصيل تتبع الوباء منذ شرارته الأولى على سواحل الأرجنتين وصولًا إلى فرض الحجر الصحي الصارم، مستعرضًا الخصائص البيولوجية الفريدة لهذه السلالة التي تمتلك قدرة "نادرة ومحدودة" على الانتقال بين البشر مقارنة ببقية عائلتها الفيروسية.

**media[3386662]**


العدوى الأولية
قال البروفيسور أحمد عبد المنعم أستاذ علم الفيروسات بقسم الأحياء الدقيقة والمناعة بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس لـ"عُمان": تشير المعطيات الحالية إلى أن العدوى الأولية لفيروس الهانتا ربما حدثت قبل إبحار السفينة من أوشوايا على الساحل الجنوبي من الأرجنتين؛ حيث توفي راكب هولندي يبلغ من العمر 70 عامًا بعد ستة أيام من إبحار السفينة، بعد أن عانى من أعراض تنفسية توفي على إثرها بعد حوالي 11 يومًا من بداية الرحلة البحرية، ولم يُشتبه وقتها بفيروس الهانتا من سلالة أنديز كسبب للوفاة؛ حيث تتشابه الأعراض مع العديد من الأمراض التنفسية الأخرى. وبالرغم من أن السفر الطويل يزيد فرص الإصابة نتيجة لوجود تواصل يومي طويل بين الركاب وأطقم الملاحة، وما تحتويه من غرف معيشة وصالات ضيافة قليلة التهوية، إلا أن الفيروس لم ينتشر سريعًا بين الركاب، والراكب الأول الذي توفي قام بالتنقل بين المناطق المختلفة في أمريكا الجنوبية قبل السفر، وأصيبت زوجته وتوفيت بعد مغادرتها السفينة بعد وصولها لجنوب أفريقيا ضمن 30 راكبًا آخر، وتوفيت حالة أخرى بالسفينة يوم 2 مايو الجاري، وفي 4 مايو تم تأكيد أول اختبار إيجابي لفيروس أنديز، وتمت عملية إجلاء كامل للركاب في 13 مايو مع عمل حجر صحي لمدة 6 أسابيع لهم. كما تم تتبع احتمالية الإصابة بين من كانوا على متن السفينة وتم إجلاؤهم في جنوب أفريقيا قبل تأكيد الكشف المعملي لفيروس أنديز، وتتبع المخالطين لهم، أما السفينة فاتجهت لمدينة روتيردام الهولندية لإجراء تطهير كامل لها، واقتصرت الإصابة على 9 حالات مؤكدة (منهم ثلاث وفيات) بالإضافة لحالتين بهما اشتباه إصابة.
وأكد أن فيروس الهانتا تم التعرف عليه وعزله لأول مرة من القوارض في كوريا الجنوبية عام 1976 قرب نهر هانتان، وهناك أكثر من 50 سلالة مختلفة، من بينها سلالة أنديز التي تم اكتشافها في عام 1995، ويرجح أن يكون المرض موجودًا قبل ذلك بألف عام على الأقل. مضيفًا: إن سلالات فيروس الهانتا تصنف حسب الأعراض المرضية إلى فيروسات تسبب حمى نزفية مع المتلازمة الكلوية ونسبة الوفيات بها 1-15%، وكذلك اعتلال الكُلية الوبائي المرتبط بالإصابة بسلالة البومالا - الوفيات (0.1 - 0.4%)، إضافة إلى المتلازمة الرئوية القلبية ويقتصر انتشارها على الأمريكيتين وتؤدي لوفيات تتراوح ما بين 20 و40% ومنها سلالة أنديز.
محدودة الانتقال للبشر
وبين أن سلالة أنديز تمتلك القدرة على الانتقال المحدود بين البشر، وتنفرد تلك السلالة عن غيرها بتلك الخاصية، وتنتقل من الفئران والقوارض حاملة المرض كغيره من فيروسات الهانتا عن طريق استنشاق فضلات القوارض الحاملة للمرض، كما قد ينتقل عبر تلوث الماء والغذاء، كما يمكن أن ينتقل عن طريق عضة الفأر الحامل للمرض للإنسان.
ونفى البروفيسور وجود مؤشرات مقلقة في خصائص سلالة أنديز، مؤكدًا وجود تركيز عالٍ له في اللعاب والإفرازات التنفسية في المراحل المبكرة من الإصابة، وللفيروس كفاءة أعلى نسبيًا في الارتباط بمستقبلات الخلايا التنفسية، وهو ما قد يفسر ما تتميز به تلك السلالة من انتقال بين البشر، والذي ما زال محدودًا منذ اكتشافه للآن. مضيفًا: إن الأشخاص في تلك السفينة كانوا حوالي 149 شخصًا مكثوا معًا لفترات طويلة، ولكن عدد المصابين للآن هو 7.4% من إجمالي الركاب (9 حالات مؤكدة وحالتان تخضعان للتأكيد المعملي)، وبلغ عدد الوفيات ثلاث حالات بمعدل وفيات يقارب الـ27% من إجمالي الإصابات المؤكدة والمشتبه بها حتى وقت تحرير المقالة الحالية، مما يؤكد الانتقال المحدود.
احتمال وارد
وأشار إلى أن دخول الفيروس أي دولة احتمال وارد، ولكن وصول الفيروس للعائل الأساسي هو المحك في استمرار وجوده في تلك الدولة؛ حيث يمكث الفيروس في العائل بدون إحداث نفوق أو أعراض مرضية، ولكن لكل سلالة من فيروسات هانتا عائل يتكاثر فيه الفيروس، وغالبًا ما يكون نوعًا محددًا من القوارض، ويعتبر الفأر طويل الذيل هو العائل الأساسي لسلالة أنديز، وهذا النوع لا يوجد بسلطنة عُمان. مشيرًا إلى تواجد أنواع كثيرة من القوارض في سلطنة عُمان، وأهمها على الإطلاق هو الفأر البني Rattus norvegicus (brown rat)، وكذلك الفأر الأسود (Rattus rattus)، ويعتبران من العوائل الأساسية لفيروس هانتا المسبب للحمى النزفية والمتلازمة الكلوية، والذي ينتقل فقط من الفئران للإنسان، ولا ينتقل من شخص لآخر، كما يوجد الفأر المنزلي Mus musculus، والذي قد يعمل كعائل ثانوي لبعض سلالات الهانتا، ولا توجد دراسات تثبت أو تنفي وجود فيروسات هانتا في تلك القوارض في سلطنة عُمان.
العدوى المكتسبة
وقال أستاذ علم الفيروسات بقسم الأحياء الدقيقة والمناعة بكلية الطب والعلوم الصحية بجامعة السلطان قابوس: لا توجد حتى الآن أدلة قوية تثبت اختلافًا جذريًا بين العدوى المكتسبة من القوارض والعدوى المكتسبة من شخص مصاب بسلالة فيروس أنديز، وشدة المرض أيضًا مرتبطة بعوامل أخرى مثل كمية الفيروس التي يتعرض لها الشخص والعوامل الوراثية والمناعية، وليس فقط بطريقة الانتقال.
وأكد أن أعراض الإصابة بسلالة أنديز تبدو في الأيام الأولى وكأنها إنفلونزا عادية، وحرارة مرتفعة، وصداع، وكذلك إرهاق شديد، وآلام عضلية عنيفة، وغثيان، وبعد أيام قد يحدث فشل تنفسي حاد مع تدهور لحالة القلب، وتكون الإصابة غالبًا أقل حدة لدى الأطفال مقارنة بالبالغين.
معامل مركزية
وأوضح أن سلطنة عُمان تمتلك معامل مركزية توجد بها أحدث التقنيات الحديثة والمعتمدة عالميًا. مضيفًا: طبقًا للمعطيات الحالية لوقتنا الراهن أستطيع القول إننا لسنا على أبواب جائحة عالمية لسلالة أنديز، كما أنه لا توجد أي موانع سفر لمناطق أمريكا الجنوبية، ولكن عند السفر لتلك الدول فيجب تجنب زيارة الأماكن المتوقع أن تكون بها بؤر إصابة للفئران، كما ينصح باستخدام الكمامات في المناطق المزدحمة، مع التأكيد على عدم وجود لقاح حاليًا لسلالة أنديز حتى الآن.