خلال أيام من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، انزلق العالم إلى أزمة طاقة. وشكل إغلاق طهران شبه التام لمضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقارب 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يوميًا، أكبر اضطراب في تدفقات الطاقة العالمية في التاريخ، وفقًا لوكالة الطاقة الدولية. وخلال الأسابيع الثلاثة الأولى من النزاع، ارتفعت أسعار النفط بنسبة 55%. وقفز سعر البنزين بنحو دولار واحد للجالون، وارتفعت أسعار زيت التدفئة ووقود الطائرات بشكل أكبر، وبدأت العديد من الدول في ترشيد استهلاك الوقود، وتقليص ساعات العمل الأسبوعية، وإغلاق المصانع. وسرعان ما اتضح أنه إلى حين إعادة فتح المضيق، ستستمر الأسعار في الارتفاع، مما سيزيد التضخم ويعيق النمو.
قد تبدو هذه الأزمة غير مسبوقة، لكنها تذكرنا بأزمة 1973 حين فرضت الدول العربية في أوبك حظرًا نفطيًا على الدول الداعمة لإسرائيل، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار والتضخم وتباطؤ النمو. ودفع ذلك الحكومات إلى تقليل الاعتماد على الواردات وبناء مخزونات استراتيجية وتعزيز التعاون في الأسواق.
لكن العالم لم يتجاوز أبدًا مخاطر الجغرافيا السياسية للنفط؛ فمضيق هرمز ظل لسنوات السيناريو الأكثر إثارة للقلق، إلا أن السرعة التي تمكن بها من تهديد الاقتصاد العالمي بدت مفاجئة. ورغم التفوق العسكري الأمريكي والإسرائيلي، تمكنت إيران من فرض سيطرة فعّالة على الملاحة عبر المضيق، بينما زادت الضربات المتبادلة على منشآت الطاقة من حدة الأزمة.
بعد انكشاف هشاشة أسواق الطاقة العالمية، بدأت الحكومات إعادة تقييم مدى تعرضها للمخاطر. ففي حين دفعت أزمة السبعينيات دولًا كثيرة إلى الاعتماد على التعاون وتكامل الأسواق، قد يقود عالم اليوم الأكثر انقسامًا إلى استنتاج معاكس. شهدت الحكومات خلال السنوات الأخيرة قيام روسيا بقطع معظم إمدادات الغاز عن أوروبا بعد حربها مع أوكرانيا، وفرضت الصين قيودًا على صادرات المعادن النادرة، فيما عرقلت الولايات المتحدة تجارة الطاقة مع كوبا وفنزويلا. ومن المرجح أن تعمّق أزمة إيران الأخيرة الشكوك بشأن الاعتماد على إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد العالمية. ومع تحول التكامل الاقتصادي من مصدر للمرونة إلى عبء استراتيجي، قد تتجه الحكومات إلى إحكام سيطرتها على أنظمة الطاقة وتقليل اعتمادها على الأسواق العالمية. لكن تحقيق الاكتفاء الذاتي ليس سهلًا ولا منخفض التكلفة، وقد يكتشف العالم مجددًا أن السعي إليه في مجال الطاقة ينطوي على مخاطر كبيرة.
لفترة من الزمن، تمنت دول عديدة النأي بنفسها عن اضطرابات سياسات النفط. فبعد أزمات السبعينيات، سعت الدول المستوردة للنفط إلى تقليل تعرضها لاضطرابات الطاقة عبر خفض الطلب، وبناء احتياطيات استراتيجية، وتحسين إدارة الأسواق، وإنشاء وكالة الطاقة الدولية عام 1974 لتنسيق الاستجابة للأزمات. وساعد ذلك على جعل أسواق النفط أكثر مرونة وقدرة على استيعاب الصدمات.
وفي العقود الأخيرة، اعتبرت الاقتصادات المتقدمة أمن الطاقة أمرًا شبه مضمون، مع ندرة صدمات الأسعار، وتوسع مصادر الطاقة النظيفة، وارتفاع إنتاج النفط الصخري الأمريكي. كما عزز تحسن البيئة الجيوسياسية الاعتقاد بأن مخاطر تعطيل الإمدادات تراجعت.
ووصلت الولايات المتحدة إلى قناعة بأنها تجاوزت نقاط ضعفها التقليدية في مجال الطاقة؛ فبعدما كانت تستورد نحو 60% من احتياجاتها النفطية قبل عقدين، أصبحت بفضل ثورة النفط الصخري أكبر منتج ومصدر رئيسي للنفط. وحتى إدارة باراك أوباما رأت أن نمو الإنتاج الأمريكي يسمح بتشديد العقوبات على إيران من دون إحداث نقص كبير في السوق. ومع الوقت، تعزز الاعتقاد بأن الشرق الأوسط لم يعد محوريًا للأمن القومي الأمريكي، وهو ما انعكس أيضًا في استراتيجية الأمن القومي لإدارة دونالد ترامب.
كما عززت اتفاقية باريس للمناخ التوقعات بأن التحول إلى الطاقة النظيفة سيقلص هيمنة النفط والغاز، ويمنح الدول حرية أكبر في سياساتها الخارجية عبر تقليل الاعتماد على الوقود الأجنبي.
لكن الحقائق الحالية تبدد كثيرًا من تفاؤل العقود الماضية؛ فالعالم لا يزال يعتمد على الوقود الأحفوري لتلبية أكثر من 80% من احتياجاته من الطاقة، رغم التوسع في مصادر الطاقة النظيفة. كما أن صدمات الطاقة ما زالت متكررة ومؤلمة، لأن ارتفاع أسعار النفط في السوق العالمية ينعكس على الجميع، سواء كانوا مستوردين أو مصدرين. كذلك تؤثر اضطرابات إمدادات الغاز الطبيعي في آسيا وأوروبا، بينما تبقى الولايات المتحدة أقل تعرضًا لها بفضل وفرة إنتاجها المحلي، رغم أن محدودية البنية التحتية لتصدير الغاز الطبيعي المسال تمنع المنتجين الأمريكيين من الاستفادة الكاملة من ارتفاع الأسعار العالمية.
وأظهرت الأزمة الأخيرة أن الولايات المتحدة، رغم تحولها إلى قوة كبرى في مجال الطاقة، لا تزال عرضة للاضطرابات الجيوسياسية، لأن أسواقها تبقى مرتبطة بالسوق العالمية؛ فارتفاع الأسعار يفيد المنتجين لكنه يضغط على الأسر والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
كما كشفت الأزمة اتساع استخدام الطاقة كسلاح، ليس فقط عبر النفط والغاز، بل أيضًا من خلال هيمنة الصين على سلاسل الطاقة النظيفة. ومع تصاعد التنافس الدولي، باتت الدول تستخدم العقوبات وضوابط التصدير والهجمات السيبرانية والضغوط البحرية لتحقيق أهدافها السياسية.
وخلال الأشهر الأولى من 2026، فرضت الولايات المتحدة عقوبات واعترضت ناقلات نفط متجهة إلى كوبا، كما شددت الضغوط على فنزويلا قبل اعتقال رئيسها نيكولاس مادورو، ثم استثنت الصين وروسيا من تخفيف العقوبات على النفط الفنزويلي.
ولا توجد مؤشرات على تراجع أزمات الطاقة مستقبلًا، إذ جعلت الطائرات المسيرة والهجمات السيبرانية تعطيل الطاقة أسهل وأرخص، بينما أظهرت إيران أن دولة أضعف نسبيًا قادرة على إحداث اضطراب اقتصادي عالمي عبر تهديد البنية التحتية وممرات الطاقة. كما تراجع الالتزام الدولي بعدم استهداف منشآت الطاقة المدنية، وأصبحت الشحنات والتأمين والتمويل وأنظمة الدفع كلها أدوات محتملة لتعطيل تدفقات الطاقة.
كما لا توفر الطاقة النظيفة حماية من المخاطر الجيوسياسية، إذ تهيمن الصين على معالجة المعادن الحيوية وسلاسل توريد الألواح الشمسية والبطاريات والمركبات الكهربائية. وعندما فرضت بكين قيودًا على صادرات العناصر الأرضية النادرة عام 2025 ردًا على القيود الأمريكية، تعرضت شركات السيارات في الولايات المتحدة وأوروبا لاضطرابات حادة وارتفعت أسعار مكونات السيارات الكهربائية. وكان الدرس واضحًا: يمكن تحويل الاعتماد المتبادل إلى سلاح في اقتصاد الطاقة النظيفة بالسهولة نفسها التي استخدم بها في سوق الوقود الأحفوري.
إدراكا لهشاشة أنظمة الطاقة التقليدية والنظيفة، تتجه الحكومات بشكل متزايد نحو تعزيز الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، وقد تدفع أزمة الحرب الإيرانية هذا المسار إلى الأمام. فبدلًا من الاعتماد على الأسواق العالمية، تسعى الدول إلى إحكام السيطرة على الإنتاج المحلي وسلاسل التوريد والبنية التحتية وطرق التجارة، مع تقليل الاعتماد على أنظمة الطاقة العالمية. ويعزز ذلك التحول نحو الكهرباء ومصادر الطاقة المحلية، عبر توسيع استخدام المركبات الكهربائية والطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية، لتقليل الاعتماد على النفط والغاز.
وقد بدأت الصين بالفعل هذا التحول، مستفيدة من التوسع الكبير في الكهرباء والطاقة المتجددة واحتياطيات النفط الاستراتيجية، وهو ما ساعدها على تخفيف أثر اضطرابات مضيق هرمز. ومن المتوقع أن تسرع بكين بكهربة النقل والصناعة وتعزيز سلاسل توريد المعادن الحيوية.
أما أوروبا، فرغم سعيها منذ حرب أوكرانيا لتقليل الاعتماد على النفط والغاز الروسيين، فإن تحولها إلى الطاقة النظيفة قد يزيد اعتمادها على سلاسل التوريد التي تهيمن عليها الصين، ما يخلق شكلًا جديدًا من الانكشاف الجيوسياسي.
وفي الولايات المتحدة، قد تدفع الأزمة إلى مطالبات بتقييد صادرات النفط وإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية، لكن ذلك سيؤدي إلى نتائج عكسية عبر تقليص الإنتاج وإضعاف مكانة واشنطن كمورد موثوق، من دون حماية حقيقية للمستهلكين من تقلبات الأسعار العالمية.
سيؤدي السعي إلى الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة إلى رفع التكاليف على معظم الدول، لأن الإنتاج المحلي غالبًا أكثر كلفة من التجارة العالمية. كما قد تخلق محاولات توطين سلاسل التوريد اختناقات جديدة، وربما تؤدي سياسات تقييد الصادرات وحماية الأسواق المحلية إلى إضعاف الاستثمار وتقليص الإمدادات على المدى الطويل. ومع الوقت، قد تعيد هذه السياسات تشكيل نظام الطاقة العالمي، عبر تغيير مسارات التجارة وزيادة تدخل الحكومات في الإنتاج وسلاسل التوريد، ما يفضي إلى نظام أكثر تجزئة وأقل كفاءة.
لكن الأزمة لا تعني فشل الترابط العالمي؛ فقد ساعدت الاحتياطيات الاستراتيجية والتنسيق عبر وكالة الطاقة الدولية في تخفيف آثار اضطراب مضيق هرمز، كما أثبتت الأسواق العالمية قدرتها مرارًا على إعادة توجيه إمدادات النفط والغاز أثناء الأزمات، كما حدث بعد كارثة فوكوشيما عام 2011 وأزمة الغاز الأوروبية عام 2022.
لا يكمن الحل في الانسحاب من الأسواق العالمية، وإنما في إدارة الترابط بشكل أفضل عبر تعزيز الاحتياطيات الاستراتيجية، وتنويع الموردين، وتقليل الاعتماد على أي دولة أو نقطة اختناق واحدة. وكما قال ونستون تشرشل عام 1913: «الأمان واليقين في النفط يكمنان في التنوع وحده». لذلك، قد يكون تنويع سلاسل إمداد الطاقة النظيفة بعيدًا عن الصين أكثر واقعية وأقل تكلفة من محاولة إنتاج كل شيء محليًا.
يمكن تعزيز مرونة البنية التحتية عبر حماية شبكات الكهرباء من الهجمات الإلكترونية والظواهر المناخية، وبناء أنظمة احتياطية ومسارات بديلة لتدفق الطاقة. ساهم خط الأنابيب السعودي إلى البحر الأحمر، الذي يتجاوز مضيق هرمز، في تخفيف آثار إغلاقه، ما يبرز أهمية مثل هذه الاستثمارات في تقليل مخاطر الاختناقات.
يتمثل أكثر أشكال أمن الطاقة استدامة في تقليل استهلاك الطاقة؛ فالولايات المتحدة أصبحت أقل تعرضًا لصدمات النفط بسبب زيادة إنتاجها، ولأنها تستهلك نفطًا أقل لكل وحدة من الناتج الاقتصادي.
ورغم استغلال الصين لهشاشة سلاسل التوريد لدى الآخرين، فإنها تقدم نموذجًا يقوم على الجمع بين الاحتياطيات، وتنويع الواردات، وتوسيع البنية الاحتياطية، وتسريع التحول إلى الكهرباء، من دون التخلي الكامل عن الاندماج في الأسواق العالمية.
كشفت أزمة الطاقة، الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أن تراجع النظام العالمي التعاوني يزيد من هشاشة أمن الطاقة، فالتحول إلى الطاقة النظيفة لا يلغ المخاطر الجيوسياسية، ولكنه أضاف أيضًا نقاط ضعف جديدة، بحيث بات صراع إقليمي واحد قادرًا على إرباك الأسواق العالمية والإضرار بمعظم الدول.