واشنطن"د. ب. أ":سعت باكستان، في دورها كوسيط رئيسي بين الولايات المتحدة وإيران، إلى إرضاء الطرفين، لكنهما غير مقتنعين بذلك، حسبما يرى المحلل السياسي ناطق مالك زاده، المتخصص في مجال العلاقات الدولية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان.


وقال مالك زاده في تحليل نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، إنه بعد مرور أكثر من شهرين على اندلاع حرب إيران، وصلت إيران والولايات المتحدة إلى حدود ما يمكن تحقيقه بالقوة وحدها. وأدركت أمريكا أنه على الرغم من قدرتها على إلحاق الضرر بإيران وفرض حصار عليها وزيادة الضغط على قيادتها، فهي لا تستطيع إجبار طهران على الاستسلام بسهولة دون تصعيد كبير - كغزو بري مثلا - وهي لا ترغب في القيام بذلك من الناحية السياسية.


وبالمثل، تستطيع إيران زعزعة استقرار الخليج العربي ورفع تكلفة الصراع، لكن القيام بذلك لا يخفف من الضغط الاقتصادي وعدم اليقين السياسي في الداخل.
وفي الواقع، تخوض الدولتان مواجهة حاسمة، فإيران غير مستعدة لتقديم تنازلات مذلة قد تعني نهاية النظام، والولايات المتحدة غير مستعدة للاعتراف بفشل أهدافها الرئيسية في إيران بعد استثمار عشرات المليارات من الدولارات ومخزونات ضخمة من الأسلحة المتطورة.


ورغم انعدام الثقة بين الطرفين، يدرك كل منهما الحاجة إلى قناة يمكن أن تسهل التفاوض لإنهاء الحرب دون اعتراف أي منهما بالهزيمة. ويرى مالك زاده أن باكستان- الوسيط الدبلوماسي الذي اختاره الطرفان- تعتبر من وجهة نظر معينة، الدولة المثالية لهذه المهمة، فهي دولة ذات أغلبية مسلمة، تربطها علاقات ودية مع طهران، وعلاقات وثيقة مع واشنطن بشكل عام والرئيس دونالد ترامب بشكل خاص، وروابط عميقة في منطقة الخليج.


- اسلام اباد وسيط محايد ظاهريا -
وعقدت الجولة الأولى من المفاوضات في إسلام آباد منتصف أبريل، ورغم أنها انتهت بدون اتفاق، اتفق الطرفان على إبقاء باب الحوار مفتوحا. لكن هذه الوساطة، التي بدت قوية في البداية، تفقد الآن أهم ما تحتاجه: الثقة من الجانبين. فقد بدأ دور باكستان البارز كوسيط محايد ظاهريا يضعف مصداقيتها في نظر كل من واشنطن وطهران على حد سواء.


وكلما استمرت في القيام بدور الوسيط، ازداد تساؤل المسؤولين الإيرانيين عما إذا كانت باكستان تقوم بنقل الرسائل بين الطرفين، أم أنها تتحول تدريجيا إلى أداة لتحقيق النتيجة التي ترغب فيها أمريكا.
في الوقت نفسه، بدأت الولايات المتحدة تتساءل عما إذا كانت باكستان تساعد إيران فعلا في التوصل إلى تسوية، أم أنها تستغل عملية الوساطة لخدمة مصالحها الإقليمية، وتمنح الجمهورية الإسلامية متنفسا دبلوماسيا.


قادة إيرانيون يشككون علنا في ولاءات باكستان لقد أصبح القلق واضحا بشكل علني في الجانب الإيراني. وينظر العديد من السياسيين الإيرانيين بشكل متزايد إلى باكستان ليس كوسيط متوازن، ولكن كدولة تسعى لإدارة الضغوط الأمريكية ودفع إيران نحو شروط تضعف موقف طهران الاستراتيجي.
وبعيدا عن حقيقة أنها وسيط محايد، يتردد أن باكستان تضغط على إيران لقبول إطار عمل تمت صياغته بدرجة كبيرة وفقا للمطالب الأمريكية.


وربما يكون إبراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، أبرز المشككين في باكستان داخل الحكومة الإيرانية، حيث كتب مؤخرا على موقع "إكس" أن "باكستان لا تتمتع بالمصداقية اللازمة للوساطة". وأضاف رضائي أن القادة الباكستانيين أخذوا مصالح إدارة ترامب في الاعتبار عند اتخاذ مواقفهم، بينما يرفضون الاعتراف علنا بأن واشنطن قبلت في البداية مقترح باكستان ثم تراجعت عنه، بما في ذلك التزامات مزعومة بشأن لبنان والأصول الإيرانية المجمدة.


ويرى رضائي أن هذا يعد دليلا على أن باكستان لا تتصرف كوسيط محايد، حيث كانت مستعدة للضغط على طهران، لكنها لم تكن مستعدة لتحميل واشنطن علنا مسؤولية تغيير موقفها. ويقول مالك زاده إن أحد أسباب شكوك إيران هو كيفية نقل باكستان لمطالب واشنطن إلى طهران.
فقد زعمت باكستان، أنها كوسيط، تنقل مطالب واشنطن فقط. لكن المسألة بالنسبة لإيران لا تكمن في نقل الرسائل، بل في الثقل السياسي الذي ينظر إلى باكستان على أنها تمنحه لتلك الرسائل. وقد تركزت مطالب واشنطن على برنامج إيران النووي وقدراتها الصاروخية، وحلفائها الإقليميين، ومضيق هرمز.


وقد أوضحت إيران أنها تعتبر هذه الأمور- وخاصة الأمور الثلاثة الأخيرة - ركائز أساسية لبنية الردع لديها، وأن استعدادها لتقديم تنازلات بشأنها محدود. وإذا قامت باكستان فقط بنقل مطالب واشنطن إلى طهران، مع الضغط في الوقت نفسه على الأمريكيين بشأن المطالب الإيرانية - مثل العقوبات وحصار السفن الإيرانية والأصول الإيرانية المجمدة والضمانات الأمنية - ربما كانت طهران ستظل تنظر إلى إسلام آباد كقناة محايدة.


سواء كان هذا صوابا أم خطأ، فقد اشتكى العديد من المسؤولين الإيرانيين من أن باكستان تبدو حريصة على إقناع إيران بقبول المطالب الأمريكية أكثر من حث الولايات المتحدة على الاستماع إلى المطالب الإيرانية.
وقد تأكدت شكوك إيران في دوافع باكستان من خلال التعاون العسكري الباكستاني المستمر مع السعودية. لذا كان المشهد متناقضا للغاية عندما شاهدوا وسيطهم ينقل علنا أصولا عسكرية إلى معسكر آخر بشكل وثيق مع واشنطن ومعارضة لموقف إيران الإقليمي.
- أمريكا ليست راضية عن باكستان -
في الوقت نفسه، بدأت باكستان تربك واشنطن بدبلوماسيتها المتناقضة. ففي 25 أبريل، أعلنت إسلام أباد عن إصدار أمر لعام 2026 يسمح بنقل البضائع عبر الأراضي الباكستانية، والذي يسمح بمرور أي بضائع من دول ثالثة متجهة إلى إيران عبر باكستان، بما في ذلك ستة ممرات مخصصة تربط الموانئ والطرق الحدودية.
وفي وقت سابق من أبريل، قامت باكستان أيضا بتفعيل معبر جابد-رمدان عبر إيران، مما قلل الاعتماد على طريق أفغانستان وفتح منفذا نحو آسيا الوسطى.


وقال مالك زاده إنه إذا كانت إسلام آباد تتوسط في عملية يعد فيها الحصار الأمريكي لإيران أحد أدوات الضغط الرئيسية لواشنطن، فإن فتح قنوات برية تساعد إيران على تجاوز الحصار والعقوبات عبر الأراضي الباكستانية يعقد محاولات الضغط على الجمهورية الإسلامية.


وتحاول باكستان أن تكون مفيدة للسعودية كشريك أمني ومفيدة لواشنطن كوسيط، لكنها تحاول أيضا إبقاء إيران في المفاوضات من خلال التلويح بممرات تجارية خالية من العقوبات كحافز. واعتبر مالك زاده أن هذا قد يبدو تحركا ذكيا للوهلة الأولى، لكنه لا يحسن صورة باكستان لدى الولايات المتحدة كوسيط محايد. كما أنه يعزز الانطباع الأمريكي الراسخ عن ازدواجية باكستان، حيث يسود اعتقاد واسع في واشنطن بأن باكستان أشعلت فتيل الصراع في أفغانستان خلال الحرب على الإرهاب لتجعل نفسها شريكا أمنيا لا غنى عنه للأمريكيين.


والسؤال المهم، إذا لم تستطع باكستان التوسط في الحرب الإيرانية، فمن يستطيع؟ قال مالك زاده إن هذا الاهتزاز في موقف باكستان كوسيط هو ما يرجح عودة فضاء دبلوماسي جديد إلى الواجهة. وعلى عكس باكستان، لا تحتاج سلطنة عمان إلى القيام بدور وساطة بشكل علني لإثبات أهميتها.


فقد لعبت مسقط دور الوسيط بين واشنطن وطهران، بما في ذلك قبل اندلاع الحرب الحالية، وفي الماضي كقناة دبلوماسية غير رسمية سبقت الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015 والأهم من ذلك، هو أن سلطنة عمان لا تسعى لتحويل الوساطة إلى استعراض علني للقوة الاستراتيجية والسياسية. فهي تمتلك خبرة في العمل كقناة هادئة وفعالة، ولها مصلحة جغرافية مباشرة في إعادة فتح مضيق هرمز بشكل سلمي، وهو ما يعني تحقيق مصالحها بأفضل صورة من خلال اتفاق سلام حقيقي ودائم.


واختتم مالك زاده تحليله بالقول إن دور باكستان كوسيط رئيسي لم ينته بعد، لكنه أصبح دورا مهتزا. وتكمن مشكلتها في تزايد انعدام ثقة طهران فيها، وخيبة أمل واشنطن فيها في الوقت نفسه، وهو أخطر موقف يواجه أي وسيط. فكلما زاد عدد الجهات التي يتواصل معها الوسيط، كلما تراجعت ثقتهم فيه. فقد سعت باكستان لإقناع جميع أطراف الصراع الراهن بأنها أملهم الأفضل للتوصل إلى اتفاق بشروط تحقق مصالحهم. لكنها في الواقع لم تقنع أحدا.