وضعنا ساعة إلكترونية للأذان بمصلى العمل الذي نعمل فيه؛ لأنه لا يوجد مسجد قريب، لكن البعض يوقفها ليؤذن بنفسه، والبعض يعيد الأذان بعدها، مما أحدث لغطا، فما الحكم؟ ما الأفضلية بين أذان الساعة والأذان المباشر؟

لا شك أن رفع الأذان من مؤذن هو الأصل، وهو الأولى، ولا يُصار إلى رفع الأذان عبر هذه الآلات إلا في حالات نادرة، كمثل معسكرات العمل التي لا يوجد فيها أحد يمكن أن يضبط أوقات رفع الأذان، فيضطرون إلى ذلك. أما في عموم الأحوال، وهذا منها؛ لأنه يُذكر بأن صوت الأذان عندما ينطلق من الجهاز فإن هناك من يُسكته ليرفع الأذان، وهناك من يعيد الأذان، مما يعني أن هناك من يصلح للأذان في هذا المصلى، فالأولى إذا أن يُرفع الأذان من مؤذن، حتى يتولى بعد ذلك الإقامة؛ لأن السنة دلت على أن الذي يرفع الأذان هو الذي يقيم للصلاة، ولا يتأتى أن يكون الجهاز هو الذي يقيم للمصلين جماعة في هذا المصلى، ولذلك فما من شك أن الأولى أن يرفع أحدهم الأذان، وأن يحرص على رفع الأذان في وقته الشرعي، وفي هذه الحالة فليستغنوا عن هذه الآلة، والله تعالى الموفق.

ما قولكم في من يرتدي الملابس التي تهدف إلى التكبر أو لفت الأنظار؟

هذا مما نص أهل العلم على أنه لا يصح شرعا، وهو ما يُعرف بثوب الشهرة، فإن كان في اللباس ما يدل على الكبر والخيلاء والتعالي على الناس، بلبس شهرة كما يقال، فهذا يأثم صاحبه ولا يحل له، لكن العرف هو الذي يحدد، قد يكون في مجتمع ما ذلك لباسا كما يقال قوميّا لسكان تلك البلاد، ولا يعدونه من ثوب الشهرة، ولا يدل على تكبر وترفع عن الناس، فهو عندهم مقبول سائغ، فلا يُحاكم هذا الذي يلبس ذلك اللباس الذي هو لباس بني مجتمعه بعرف مجتمع آخر.

أما إذا كان العرف يسمي أو يصف ثوبا ما بأنه ثوب شهرة دال على التكبر على الناس، وعلى التعالي والترفع عنهم، فهذا لا يصح شرعا، ويذكر الفقهاء أن هذا في النساء منه أكثر من الرجال؛ لأن لباس النساء فيه قطع كثيرة، ويمكن أن يشتمل على ما يمكن أن يؤخذ منه معنى الشهرة.

ومثل ذلك، الشيء بالشيء يُذكر، ما يتعلق بالتشبه بلباس الكفرة والفسقة من الرجال والنساء، إذا كان لهم زي مخصوص فلا يلبسه عامة الناس، لا في مجتمعهم ولا في غير مجتمعهم، فيحدثون كما يقال ثوبا خاصا بهم، فيأتي الآخرون يقلدونهم وهم أهل فجور ومجون وفسوق، فهذا أيضا لا يصح للمسلم؛ لأنه من التشبه بالكفار، والعياذ بالله، ومن التقليد الأعمى، وقد حذر رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من أن تفقد هذه الأمة هُويتها وشخصيتها بتقليدها لأعدائها ولذوي المجون والفسوق والفجور من الرجال والنساء، والله تعالى أعلم.

ما جواب القسم في قوله تعالى: «ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ» وكذلك في قوله تعالى: «ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ»؟

الجواب: اختلف أهل العلم من المفسرين وعلماء العربية في هذين القسمين، وأكثر القول أن جواب القسمين محذوف في السورتين، في سورة ق وفي سورة صاد، وهذا الذي عليه جماهير المفسرين وأكثر علماء العربية المعتد بأقوالهم في آيات كتاب الله العزيز في تفسيرها وفي إعرابها، فأكثر القول إن جواب القسم في الموضعين محذوف، وهذا مألوف في العربية، والحقيقة أن حذف جواب القسم كما يقول السيوطي أبلغ وأوجز، أي هو أوجز عبارة وأبلغ معنى، وذلك لأن السياق يدل على الجواب، وهنا يُنظر في السياق، في سياق كل سورة، هذا التقعيد أولا.

فسيجد القارئ المتدبر أن جملة من المعاني تصلح لتكون جوابا للقسم، قسما لكل قسم في الموضعين، فهناك سعة في هذه المعاني، تؤخذ سعة المعاني من السياق القرآني في الآيات بعد صيغة القسم.

في سورة ( ق ): «ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم»، فمنهم من قال: إن الجواب المحذوف: إنك لمنذر، ومنهم من قال: إنك لرسول حق، وذكروا وجوها يصلح لها السياق، ويشهد لها بأنها مقصودة بهذا القسم، ولذلك قلت إن هؤلاء يقولون إن حذف الجواب للعلم به أبلغ.

ولكن ذهب البعض إلى أن جواب القسم مذكور، منهم الأخفش، على ما أذكر، في سورة ق قال: إن جواب القسم: «قد علمنا ما تنقص الأرض منهم»، لكن عددا من أهل العربية استبعد هذا القول لوجود الفاصل بـ(بل عجبوا)، و(بل) تكون للإضراب، ولا يكون الإضراب إلا بعد جملة تامة.

ونفس هذا الأمر يقال في ص، فإن أكثر القول إن الجواب محذوف، ويُقدَّر بمعنى يدل عليه السياق، من نحو: إنك لنذير، إنك لرسول حق، إن القرآن لحق، وإنك لصادق، أو أن القرآن لمعجز، فذكروا وجوها متقاربة يدل عليها السياق ويحتملها، وهي كلها صالحة، ولذلك قلت إن هذا يدل على سعة المعنى عند حذف جواب القسم.

ومن أهل العلم من رأى أن جواب القسم في صاد أيضا مذكور، ولكنهم أبعدوا بالجواب، فذكروا آيات قرآنية بعيدة جدا في السياق عن أداة القسم والمقسم به، لكن هذا القول أيضا موجود، قال به عدد من المفسرين، واختلفوا فيه، منهم من قال: «كم أهلكنا قبلهم من قرن»، وهذا بعيد جدا، يعني.

فالأقرب أن الجواب محذوف، ويؤخذ معناه من السياق الدال عليه، وأن كل الوجوه الصحيحة اللائقة بالسياق القرآني تصلح أن تُقدَّر جوابا للقسمين في الموضعين، والله تعالى أعلم

ما تفسير قوله تعالى: «يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ»؟

مع ما أطال فيه المفسرون في معنى هذه الآية الكريمة، إلا أن معناها قريب المأخذ، سهل واضح، دون حاجة إلى تكلف وإيغال فيما ذهب إليه بعض المفسرين.

ما هو المحو؟ المحو في الأصل هو الإزالة، فيمحو لغة بمعنى الإزالة، ويصدق في الاستعمال على معنى التغيير والتبديل، ويثبت، وهناك قراءة: (ويُثبِت) بمعنى أنه يكون قارّا ثابتا، أي ملازما للقرار.

أما أن يكون ذلك، أن تكون هذه السنة واضحة جلية في كثير مما نراه من الآيات الكونية ومن الآيات التشريعية، أما من الآيات التشريعية فنحن نجد أن أحكاما أثبتها الله تبارك وتعالى كما هي، وأحكاما نسخها.

كعدة المتوفى، ولزوم تقديم صدقة قبل مناجاة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- إذا هناك أحكام مُحيت، أي غُيّرت وبدلت، بقطع النظر عن تسمية الأصوليين لهذا النوع، وإنما الحاصل أن حكمها تغير، فمُحي حكمها السابق، وأُثبت حكم جديد لها، وهذا نوع.

وهذا كان كما هو في كتاب الله عز وجل، في القرآن العظيم، وكان في التوراة والإنجيل، إذًا هذه آيات محو تشريعية، أثبتها الله تبارك وتعالى أو محاها بهذا المعنى، كانت مؤقتة، إما أنها نُسخت أو خُصصت، هذا نوع الآجال: يمحو الله تبارك وتعالى آجال أعمار بني آدم، ويثبت آجالا جديدة لغيرهم، يمحو آجالا على أمم وشعوب وحضارات، ويثبت قيام أمم وشعوب وحضارات أخرى.

الآيات الكونية: يمحو الله تبارك وتعالى، كما قال: (فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة)، بمعنى أن آية الليل خفية، وآية النهار ظاهرة.

وللآية الكريمة أيضا معانٍ أخرى، تتصل بالأعمار، أعمار بني البشر، تذهب أجيال وتأتي أجيال، وما يتعلق بالإحياء والإماتة، وبالإغناء والإفقار، وبالصحة والأسقام، كل هذه محو وإثبات، داخلة في بيان حكمة الله عز وجل وعلمه وقدرته.

كما يقول الطاهر ابن عاشور: وهي دعوة للمخاطب ليأخذ هذه المعاني الدالة على حكمته سبحانه وتعالى، وعلى علمه المطلق، وعلى قدرته في خلقه الذي يصرفه جل وعلا كما يشاء، وكذلك ذكر الشيخ اطفيش رحمه الله، هذه الوجوه، وقال: هي تشمل كل ما يمكن أن يكون من مظاهر هذه الحياة الدالة على قدرة الله عز وجل وعلى حكمته وعلمه.

وهم كلهم ينفون البداء في حق الله تبارك وتعالى، أو أن يظهر له شيء لم يكن ظاهرا، فمعنى الآية الكريمة يدور حول هذه المعاني بمثل هذه الوجوه التي ذكرها هؤلاء المحققون من أهل التفسير، المتعلّقة كما قلت بآياته في كتبه التي أنزلها، بل بعضهم قال: إن دعوات الأنبياء والرسل للرسالات السماوية تنتهي رسالة وتأتي رسالة، هذه الرسالة الجديدة تجدد وتحيي، إما أن تحيي رسوم الرسالة السابقة، وإما أن تجدد فيها، وأن تغير في بعض تشريعاتها وأحكامها القابلة للتغيير والتشريع، فكل ذلك إنما هو من المحو والإثبات.

وهذه المعاني كلها معانٍ قريبة واضحة تؤخذ من هذه الآية الكريمة، والسياق يشهد لها بذلك أيضا.

أما أم الكتاب، فأكثر المفسرين على أنه اللوح المحفوظ، الله تبارك وتعالى استأثر باللوح المحفوظ وبما كتبه فيه، ولذلك فإن مما ذكره الشيخ اطفيش رحمه الله، أنه أيضا من المحو أن الله جل وعلا يأمر ملائكته بمحو ما لا ثواب عليه ولا عقاب، ويأمرهم بمحو السيئات وتبديلها إلى حسنات بالتوبة.

فلما بيّن الله تبارك وتعالى أن توبة العبد، لما قال: (إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات)، فهذا من المحو والإثبات، فيأمر الله تبارك وتعالى ملائكته بمحو تلك السيئات بعد توبة هذا العبد وإيمانه وعمله الصالح، وإثبات الحسنات والثواب له، وهو جل وعلا استأثر بأم الكتاب، والأم أي الأصل، وأم الكتاب هنا هو اللوح المحفوظ، والله تعالى أعلم.