يحفل التاريخ العُماني بالكثير من الشخصيات الاستثنائية التي انبرت لدور وطني مهم وحاسم في الجانب العسكري، ويُعدّ السيد هلال ابن الإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي أحد أشهر وأشجع قادة ورجالات الدولة البوسعيدية في طور التأسيس. فهو أكبر أبناء الإمام المؤسس وهو الأخ الشقيق للسيد طالب، مع إخوته: سعيد وسيف وسلطان وقيس ومحمد. وأخواته: موزة وعفراء وميرا.
كان السيد هلال اليد اليمنى لوالده الإمام أحمد في مرحلتين مهمتين من عمر بناء الدولة سواء في مرحلة طرد الفرس أو مرحلة تحقيق الوحدة الداخلية فهو القائد العسكري لجيوش الإمام أحمد. وتصدّر السيد هلال الكثير من الأحداث السياسية العسكرية في عهد والده الإمام المؤسس وسنشير إلى حادثتين على درجة بالغة من الأهمية؛ الحادثة الأولى تتمثل في إرساله كرسالة حسن نية من قبل أبيه للإمام سيف بن سلطان الثاني وذلك عندما ساءت العلاقة بين الطرفين بسبب بغض المغرضين وكان حينها والده واليًا على صحار.
وقد أوضح المؤرخ ابن رزيق في كتاب الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين تلك الحادثة بشكل مستفيض. أما الحادثة الثانية فكانت ضمن أحداث تلبية العُمانيين لنداء نجدة البصرة، فالسيد هلال كان يقود سفينة الرحماني التي تقدمت أسطول الإمام أحمد في مهمة فك حصار البصرة في عام 1775م تلبية لنداء الاستغاثة الذي تقدم به واليها العثماني للإمام أحمد بن سعيد. وفي إحدى حملات النجدة خلال الفترة (1775-1777م) التي ترأسها السيد هلال بصفته القائد العسكري للأسطول العُماني، قام والي البصرة برد تلك المساعدات بشكل غير لائق في وجه السيد هلال وكان لذلك تبعات تضمنت اعتذار رسمي من السلطان العثماني للإمام أحمد وإعدام الوالي العثماني وهذه الحادثة توثقها الوثائق العثمانية بشكل رسمي.
أما السيد هلال الشاعر، فيصفه المؤرخ البطاشي في الطالع السعيد نُبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد، بأنه: "من الفصحاء وذوي المعرفة، ينظم الشعر، ويجيب عليه".
ويصفه ابن رزيق: "أكبر أولاد أحمد بن سعيد سناً وأفهمهم علماً". وللسيد هلال قصائد غراء في كتب متفرقة؛ ككتاب الموجز المفيد نُبذ من تاريخ البوسعيد، وكتاب الطالع السعيد نبذ من تاريخ الإمام أحمد بن سعيد. وكتاب شقائق النعُمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان. فمن أشعار السيد هلال في الموجز المفيد:
قناة الهدى والدين غادرها الكسر ... وسيف التقى والعدل أعوزه النصر
وكم أربع من ملة الدين قد عفت ... بها منه قدما طالما خيم الفخر
كذاك معاني الذكر لم يبق في الورى ... سوى وصفها وهي المكرمة الغر
وللسيد هلال تقريظ لكتاب المهذب ومقطوعات أخرى على نحو ما يثبتها كتاب الموجز المفيد. كما نظم السيد هلال أبيات قالها على نسق أبيات الشيخ الفقيه محمد بن سعيد بن راشد العيسائي (من فقهاء دولة اليعاربة)، حيث قال السيد على نسق أبياته في السور الموصولات وفي المنجيات:
وخصَّ بالوصــــل سبـــــــــــــع ثم واحدة أضحت تفاصيلها بين الورى شمسا
وهن فاتـــــــــــــحة كهف ســــــــــبأ قــــــــــمر أنعامها أنبياء ما بها خلسا
وفـــــــــــاطر ثم إن أعددت قــــــــــــــــــــــــارعة فعدها لك عن كيد الورى حرسا
والمنجيات إذا ما جئت تسأل عن تعدادها فهي سبع عند من درسا
فســـــــــــــــــــــــــــــجدة ثم يس وبعدهمــــــــــــــــا من فصلت ببيان نوره اقتبسا
مع الدخـــــــــــــــــــــــان وتتلوهن واقــــــــــعة فسورة الحشر تنبيه لمن نعسا
كذا تبـــــــــــــــــــــــارك تتلوهــــــــــــــــا مرتلـــــــة على التتابع صبحًا مقبلًا ومسا
وزد سلامًا على خير الأنام ومن نرجو به أن يضق حالًا به نفسا
ولمكانة السيد هلال كأحد قادة الدولة البوسعيدية في عهد والده الإمام المؤسس أحمد بن سعيد، ومن رجالها الأشاوس الذين قدموا إسهامات جليلة وبطولات عظيمة، امتدحه الكثير من شعراء عصره، فكتب الشاعر سالم بن محمد بن سالم الدرمكي قصيدة يثني فيها على السيد هلال قائلًا:
ما خلت غيرك يا هلال الموصل كسب الكمال له ولم يتنقل
وأرى البدور تجد في أفق السما سيرا ولولا سيرها لم تكمل
وفداك بــــدر ذو منـــــــازل عــــــدة يحتلها يا بدر ذاك المنزل
ما زلت فردا في زمانك وهو في أفق السماء من النجوم بمحفل
وفي قصيدة للشاعر راشد بن سعيد بن بلحسن الرواحي يمدحه فيها:
إليك من العبد المطيع ســـــــــلامًا تضمن ودًا خالصًا ونظاما
ففي النشر مسكًا أذفرًا وقُرنفلًا وفي الطعم شهدًا خالصًا ومداما
إلى آخر القصيدة. وقد ردَّ عليه السيد هلال في قصيدة مطولة، قائلًا:
كتابك وافى بالسرور نظامًــــــا فسر ودودًا والحسود أضاما
وضمنته يا ابن الكرام معانيًا لها خطر بين الأنام عظاما
توفي السيد هلال في حياة والده الإمام، وكان المرشح الأبرز لخلافته، إلا أنه لم يتولى الحكم بسبب إصابته بالعمى في أواخر حياته فسافر إلى الهند للعلاج ومات هناك. ويوضح ابن رزيق ذلك بقوله: "فلما مات الإمام أحمد، اجتمع أهل الرستاق وغيرهم من أهل عُمان، فعقدوا الإمامة على ولده سعيد بن أحمد، وكان مرادهم أن يعقدوها على أخيه هلال بن الإمام أحمد، إذ هو أكبر الأولاد سنًا وأغزرهم علمًا، ولكنه استولى على عينيه الماء، فذهب ببصرهما، فمضى إلى أرض السند، لطلب الدواء من الأطباء والحكماء، فمكث بأرض السند أيامًا قلائل، ثم مات فيها، وقبره مشهور بالديو، وعليه قبة محكمة البناء". وقد رثاه الكثير من الشعراء، منها مرثية السيد الفقيه محمد بن حسين بن السيد علي القادري وهي قصيدة تزيد على أربعين بيتًا، مما جاء فيها:
فقدت هلال سما عُمان سماءهـــا وعن الثرى حجب الضياء ظلامها
وسماه من أفق الغبيرا إذ هــــــــــــوى في السند أسنده الغبار قتامهـــــــــــــــــــــا
...
فجعت إمام المسلمين بموت من كادت تموت بموته إسلامهــــــــــــــــــا
يكفيه أجر الصــــــــــــــــابرين وأن في كلٌ عليها فان لِدَّ خصامهــــــــــــــــــا
لو خلد الرحمن مخلــــــــــــــــــــــــــوقًا بهــا ما مات ختم الأنبيا وإمامهـــــــــا
...
لازال سيدنا الإمام له البقــــــــــــــــــا ولولده يُبقي الحياة دوامهـــــــــــــا
حتى دموع القادريّ إذا جـــرت بدعاه يمدي نثرها ونظامهـــــا
وهلالهم طوبى له ومن العُـــــــــلى إذ حلَّ عليين طاب مقامهــا
وهذه القصيدة تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن السيد هلال بن أحمد توفي في حياة والده الإمام، ولولا وفاته لكان الخيار الأول الذي أعدَّه الإمام المؤسس لقيادة الدولة من بعده. وكان الأنسب كذلك نظرًا لإعداده بشكل محكم، سياسيًّا وعسكريًّا؛ لكن للأقدار كلمتها وفي ذلك حكمة.