خـلال الأسـبـوعـيـن الأخـيـريـن مـن حرب الأربـعـيـن يـومـا عـلى إيـران، كـان كـثـيـرون - مـن داخـل الإدارة الأمـريـكـيـة ومـن خـارجـهـا - قـد زيـنـوا لـدونـالـد تـرامـب، وفـريـقـه الـرئـاسـي، إعـلان نـصـر أمـريـكـا فـي الحـرب عـلى إيـران بـوصـفـه الإخـراج الـسـيـاسـي الـمـلائـم لـوقـف تـدحـرج الـحـرب نـحـو الـمـجـهـول. ربـمـا كـانـت الـنـصـيـحـة حـيـلـة مـنـاسـبـة لـخـروج أمـريـكـا مـن مـسـتـنـقـع حـرب بـاهـظـة الـكـلـفـة عـلى جـيـشـهـا واقـتـصـادهـا وعـلـى الـمـسـتـقـبـل الـسـيـاسـي لأغـلـبـيـتـهـا الـجـمـهـوريـة فـي الـمـجـلـسـيـن؛ وربـمـا كـانـت طـريـقـة أخـرى لـحـفـظ مـاء وجـه رئـيـس مـنـدفـع وراء أوهـام إفـنـاء وجـود إيـران، ومـصـطـدم فـي الآن عـيـنـه بـحقـائـق تـوازن فـي القـوى لـم تـدر فـي خـلـده...إلخ. لـكـنـهـا - فـي الأحـوال جـمـيـعـهـا - نـصـيـحـة عـاقـلـة، مـن غـيـر شـك، فـي مـحـيـط خـال مـن الـعـقـلاء وفـي حـقـبـة سـيـاسـيـة أمـريـكـيـة يـطـبـعـهـا قـدر مـن الـجـنـون والـتـهـور مـلـحـوظ.

أفـعـال دونـالـد تـرامـب نـفـسـهـا كـانـت تـوحـي إلـى نـصّـاحـه بـمـا هـم نـاصـحـون إيـاه بـه؛ فـالـرجـل لا يـتـرك مـنـاسـبـة، مـن مـنـاسـبـات أحـاديـثـه الـيـومـيـة فـي الـبـيت الأبـيـض أو فـي الطـائـرة الـرئـاسـيـة، مـن غـيـر أن يـزعـم نـصـر دولـتـه وجـيـشـه عـلى إيـران الـنـصـر الـسـاحـق، ولـكـن مـن دون أن تـنـدرج تـصـريـحـات «نـصـره» الـمـتـنـاسـلـة مـن بـعـضهـا فـي خـطاب رسـمـي للـنـصـر عـلى نـحـو مـا يـهـمـس فـي أذنـه الـعـارفـون بـورطـتـه مـن الـمـحيـطـيـن بـه. وسـواء صـدق تـرامـب أن أمـريـكـا انـتـصـرت، كـمـا يـقـول لـه پـيـت هـيـغـسـيـت وزيـر حـربـه وكـمـا هـو يـسـتـسـهـل الـقـول بـه فـي كـل حـيـن، أم لـم يـصـدق مـا تـكـرر عـلى لـسـانـه اقـتـداء بـنـائـبـه جـي دي ڤـانـس، فـإن إدمـانـه الـكـلام عـلى «الـنـصـر» بـاسـتـمـرار يـهـيئ لـه الـشـرط الـنـفـسـي الـمـلائـم لإلـقـاء خـطـاب النـصـر رسـمـيـا لإنـقـاذ ولايـتـه مـن مـفـاجـآت انـتـخـابـات الـتـجـديـد الـنـصـفـي للـكـونـجـرس (عـلى ما تـشـي بـذلـك اسـتـطـلاعـات الـرأي)، ولـتـرميـم شـعـبـيـتـه الـتي تـهـالـكـت فـي فـتـرة الـحـرب فـنـزلـت نـسـبـتـهـا إلـى أسـفـل درك.

لإعـلان الـنـصـر، أمـريـكـيـًّا، وظيـفـة مـعـلومـة لـدى من يوصـون بـه ويـسـعـون إلـيـه: إنـهـاء حـالـة الـورطـة المـديـدة بـعـد استـهـلاك إدارة تـرامـب مـهـلـة سـتـيـن يـومـا المـمـنـوحـة دستـوريـا لـه، واستـنـفـادهـا (الإدارة) الـوسـائـل العسـكـريـة والـتـفـاوضـيـة المـتاحـة لـهـا لإخضـاع إيـران لإرادتـهـا مـن دون جـدوى. ولـقـد يـكون مـمـا فـاقـم أمـر هـاجـس الـسـعـي إلـى مـثـل هـذا السـيـنـاريـو للـخـروج مـن المـأزق إصـرار إيـران عـلى عـدم مـطـاوعـة تـرامـب فـي خـوض مـفـاوضـات بـأولـويـات أمـريـكـيـة، ورفـضـهـا الـرضـوخ لـتـهـديـداتـه وتـهـويـشـاتـه الـتي لا تـنـتـهـي والـتـمـسـك الـحـازم، فـي الـوقـت عـيـنـه، بـمـكـتـسـبـات صعـودهـا وبـحقـوقـهـا غـيـر الـقـابـلـة للـتـفـويـت؛ إذ وضـع ذلـك كـلـه إدارة تـرامـب أمـام حـالـة صـراعـيـة رمـاديـة فـي عـلاقـتـهـا بـإيـران: حـالـة اللاحـرب واللاسـلـم فـي آن. والمـرجـح أنـهـا حـال قـد تـطـول، وإن تـخـلـلـتـهـا مـواجـهـات عـسـكـريـة عـابـرة بـيـن الـبـلـديـن، بـالنـظـر إلـى اتـسـاع الـهـوة بـيـن فـريـقـي الـصـراع عـلى حـقـوق إيـران مـن جـهـة، وإلـى عـجـز إدارة تـرامـب مـن جـهـة أخـرى، عـن حـسـم الحـرب لـصـالـح الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة أو عـن إجـبـار الـنـظـام فـي طـهـران عـلى تـقـديـم الـتـنـازلات الـتي تـحـقـق بـهـا أمـريـكـا مـا لـم تـسـتـطـعـه فـي حـربـهـا إيـران أربـعـيـن يـومـا!

المـراوحـة فـي الحـلـقـة المـفـرغـة لـحـالـة اللاحـرب واللاتـفـاوض مـكـلـفة للإدارة الأمـريـكـيـة ورئـيـسـهـا جـدا. يـعـرف ذلـك مـن يـنـصـحـون تـرامـب بـإعـلان الـنـصـر وإسـدال السـتـارة عـلى هـذه الحـال مـن غـمـوض الـمـشـهـد الـتي تـنـال مـن صـورة إدارتـه. هـذا مـا يـدفـعـهـم إلـى إقـنـاعـه بـقـبـول أقـل الـقـلـيـل بـعـد أن امـتـنـع عـلـيـه الـكـثـيـر الـذي خـامـر رأسـه قـبـل شـهـريـن وأوهـمـه بـه صـديـقـه الـحـمـيـم بـنـيـامـيـن نـتـنـيـاهـو الـذي اسـتـدرجـه إلـى الـفـخ! يـخـسـر تـرامـب، فـي نـظـر كـثـيـر مـن مـؤيـديـه، كـلـمـا ظـل رهـيـن المـحـبـسـيـن: لا حـرب ولا تـفـاوض. وخـسـارتـه لـيـس فـي الـمـكـنـة أن يـعـتـاض عـنـهـا بـإطـلاق الـتـصـريـحـات والمـكـذوبـات الخـيـالـيـة الـتي لا تـنـتـهـي عـن «انـهـيـار» إيـران و«تـوسـلـهـا» إلـيـه ومـا فـي هـذا الـمـعـنى مـن المـسـتـمـلـحـات السـمـجـة؛ فـلـهـا مـن الـتـبـعـات الـثـقـيـلـة عـلى مـسـتـقـبـل أغـلـبـيـتـه فـي الـمـجـلـسـيـن الـكـثـيـر الـكـثـيـر، هـذا دون حـسـاب مـا تـعـنـيـه مـن تـمـديـد حـالـة الاسـتـنـزاف فـي الاقـتـصـاد الـعـالـمـي نـتـيـجـة نـقـص الإمـدادات وارتـفـاع أسـعـار الـطـاقـة، ومـا تـولـده هـذه الحـال مـن نـتـائـج اجـتـمـاعـيـة فـي غـايـة الـسـوء.

عـلى أن وجـه الإعضـال فـي المـسألـة لا يـكـمـن فـقـط فـي هـذه المراوحـة عـالـيـة الـتـكـاليـف بـيـن حـالـتـي اللاحـرب واللاتسـويـة، بـل يـطـال مـا يـتـبـدى للـنـاظـر وكـأنـه «حـل» يـلـوح فـي الأفـق للـخـروج مـنـها؛ أعـنـي إعـلان تـرامـب الـنـصـر الـمـنصـوح بـه مـن مـقـربـيـه. حـتى إعـلان الـنـصـر هـذا سـيـكون مـكلـفـا لـتـرامـب ولـمـشـروع الحـرب رمـة، وقـد تـرقـى كـلـفـتـه إلـى مـا يـشـبـه الـهـزيـمـة غـيـر المـعـلـنـة. بـيـان ذلـك أن أي إقـدام عـلى إعـلان الـنـصـر مـن قـبـل رئـيس الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة سـيـكـون - حـكـمـا - إعـلانـا عـن انـتـهـاء الـحـرب ومـا يـسـتـتـبـعـه ذلـك الإعـلان مـن مـوجـبـات مـن قـبـيـل سـحـب الأسـطـول والـقـوات مـن مـنـاطـق الـعـملـيـات ومـن رفـع إجـراءات عـدائـيـة مـثـل الـحـصـار الـبـحـري المـفـروض عـلى الـمـوانـئ الإيـرانـيـة وحـركـة المـلاحـة الـتـجـاريـة مـنـها وإلـيـهـا. ومـا أغـنـانـا عـن الـتـنـفـيـل فـي بـيـان مـقـاديـر الخـسـارة الأمـريـكـيـة فـي مـثـل هـذه الحـال؛ حـيـث تـتـوقـف حـرب أمـريـكـا عـلى طـهـران مـن غـيـر أن تـحـقـق أيـا مـن أهـدافـهـا الأربـعـة الـتي تـعـاور تـرامـب ونـتـنـيـاهـو عـلى الإفـصـاح عـنـهـا لـعـشـرات المـرات، والـتي مـن أجـل تـحـقـيـقـهـا شـنـا حـربـهـمـا. وفـي الظـن أنـه مـا مـن خـسـارة سـيـاسـيـة لإدارة تـرامـب أجـسـم مـن فـشـلـه فـي بـلـوغ الأهـداف الـتي وضعـهـا عـنـاويـن لـحـربـه عـلـى إيـران.

إدارة تـرامـب، الـيـوم، فـي مـأزق حـاد سـاقـهـا إلـيـه دورانـهـا فـي مـنـطـقـة الـفـراغ بـيـن الحـرب والـتـسـويـة، وعـجـزهـا عـن إخـضـاع الإرادة الإيـرانـيـة فـي أي مـن خـيـاري الـصـراع. لـكـنـهـا، للـدقـة، واقـعـة - مـنـذ الـبـدايـة - فـي هـذا الـمـأزق الـذي جـرهـا إلـيـه الـغـلـو فـي الحـسـابـات السـيـاسـيـة لـديـهـا، وغـرور رئـيـسـهـا وسـهـولـة انـقـيـاده إلـى فـخـاخ صـديـقـه نـتـنـيـاهـو. ولـقـد يـمـر زمـن طـويـل قـبـل أن تـتـحـرر مـن ذيـول هـذا الـمـأزق. هـذا، طـبـعـا، إذا لـم يـأخـذهـا سـوء الحـسـاب إلـى ارتـكـاب خـطـأة جـديـدة! وهـل مـن مـأزق أكـبـر مـن أن تـضـطـر لإعـلان انـتـهـاء الـقـتـال، بـنـاء عـلى أحـكـام قـانـون صـلاحـيـات الحـرب، مـن غـيـر أن تـحـرز أيـا مـن أهـداف تـلك الحـرب؟