شهد التاريخ الحديث محاولات متكررة لإيجاد نظام اقتصادي عالمي يحدّ من الفوضى والصراعات التي كانت تنشأ بسبب التنافس على النفوذ والثروات؛ ففي النصف الأول من القرن العشرين كانت القوى الكبرى تعتمد بصورة أساسية على القوة العسكرية والهيمنة الاقتصادية لتأمين مصالحها ما أدى إلى اندلاع حربين عالميتين خلّفتا دمارًا هائلًا وأزمات اقتصادية عميقة مثل الكساد العظيم، وأثبتت تلك المرحلة أن غياب التعاون الاقتصادي الدولي يجعل العالم أكثر عرضة للانهيار والصراع.

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية، بدأت الدول تبحث عن وسائل أكثر استقرارًا لحماية الاقتصاد العالمي، فظهر نظام «بريتون وودز» عام 1944، الذي أسس لفكرة التعاون الاقتصادي الدولي عبر إنشاء مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ بهدف دعم الاستقرار المالي ومنع تكرار الأزمات الكبرى.

أما اليوم، فلم يعد من الكافي تأمين الاقتصاد عبر حماية الأسواق أو ضبط أسعار الصرف فقط بل أصبح من الضروري بناء أنظمة اقتصادية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الأزمات العالمية التي باتت تتجاوز الحدود التقليدية بين السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا. ولهذا تتجه الحكومات والمؤسسات إلى تبني إجراءات وقائية متعددة، تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتأمين سلاسل الإمداد، وتقليل الاعتماد على مورد أو سوق واحد، كما أصبح الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار والذكاء الاصطناعي جزءًا أساسيًّا من حماية الاقتصاد سواء من خلال التنبؤ بالمخاطر والأزمات المحتملة، أو تحسين كفاءة القطاعات الحيوية، أو دعم سرعة الاستجابة للمتغيرات الاقتصادية العالمية.

وفي هذا العدد من ملحق جريدة عُمان الاقتصادي، نناقش معكم كيف يمكن قراءة الأزمات واستشراف مؤشراتها قبل نشوبها، والأدوات الحديثة التي باتت تساعد الحكومات والمؤسسات على التنبؤ بالمخاطر وتقليل آثارها، إضافة إلى دور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في تعزيز الأمن الاقتصادي وبناء اقتصادات أكثر مرونة وقدرة على مواجهة المستقبل. كما يتضمن العدد مجموعة من الموضوعات الاقتصادية المتنوعة التي تواكب التحولات العالمية وتسلط الضوء على أبرز القضايا والاتجاهات الراهنة.

رحمة الكلباني محررة الملحق